اللجنة الدولية للتحقيق تحذف تفاصيل جرائم النظام الكيماوية من تقريرها

 

أصدرت اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق في سوريا في العشرين من حزيران الجاري تقريراً حول مجريات حصار ومعارك الغوطة الشرقية، وقد تضمن التقرير تفاصيل عن جرائم التجويع والقصف العشوائي الذي استهدف أماكن مكتظة بالمدنيين والقصف الذي استهدف الأسواق والمشافي، لكنه أغفلَ عدداً كبيراً من التفاصيل المتعلقة باستخدام النظام السوري وحلفائه للسلاح الكيميائي خلال معاركهم الأخيرة، التي انتهت بالسيطرة على الغوطة الشرقية قرب دمشق.

بعدها سربت صحيفة النيويورك تايمز في تقرير لها مسودة سابقة لتقرير اللجنة الدولية، كانت تتضمن عشرين فقرة تتحدث عن تفاصيل استخدام النظام السوري وحلفائه للسلاح الكيميائي في ستة حوادث منذ بداية عام 2018 في الغوطة الشرقية، في حين كان التقرير النهائي المشار إليه أعلاه قد صدر بعد اختصار تلك الفقرات إلى فقرتين، دون الإشارة إلى المتهم الرئيسي في هذه الجرائم.

كانت الفقرة المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية في المسودة الأولى قد بدأت باتهام مباشر للنظام عندما قالت: «في واحدة من أشرس الهجمات الموثقة خلال الفترة قيد الاستعراض، استمرت القوات الحكومية و/أو المليشيات التابعة لها باستخدام الأسلحة الكيميائية ضمن المناطق المدنية ذات الكثافة السكانية العالية في جميع أنحاء الغوطة الشرقية». بالمقابل فإن النسخة الرسمية من التقرير تجنبت هذه التأكيدات، وحوّلتها إلى إشارات غير مؤكدة عن هجمات بالسلاح الكيميائي دون الإِشارة إلى المتهمين المحتملين حتى، وقد صرح هاني المجالي عضو لجنة التحقيق لصحيفة النيويورك تايمز بأن: «العديد من التفاصيل بحاجة إلى تعاون وإيضاحات إضافية، ربما يتم تضمينها في تقرير آخر»، إلا أنه وخلافاً لهذا التصريح، كانت المسودة الأولية قد أشارت بوضوح إلى وجود أدلة حول الذخائر المستخدمة في عمليات القصف بالسلاح الكيميائي، وقد حددت اللجنة في المسودة الأولى عدة أنواع من الأسلحة التي تصنعها إيران باعتبارها ذخائر استُخدِمت في تلك المجازر.

وعلى الرغم من أن المجالي نفى وجود أي ضغوط سياسية خلال حديثه مع الصحيفة الأمريكية، إلا أن مصدراً مطلعاً على عمل اللجنة فضل عدم الكشف عن هويته قال للجمهورية: «لقد تعرضت اللجنة لضغوط سياسية كبيرة أدت إلى حذف الفقرات المتعلقة بالسلاح الكيميائي»، ويبدو أن هذه الضغوط هي جزء من عملية أوسع، يحاول نظام الأسد وحلفائه من خلالها التغطية على جرائم الحرب التي يرتكبونها، ومن ضمنها استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين وفي مناطق مكتظة بالسكان.

ويبدو أن اللجنة الدولية قد وجدت في التحقيق الذي تجريه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) حول الهجوم بالسلاح الكيميائي على مدينة دوما في 7 نيسان الماضي، فرصة للتهرب من ذكر تلك الأدلة والتفاصيل، إذ اعتبرت أن تلك الأدلة ستُقدّم من خلال تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

تُظهِرُ المقارنة بين التقرير الرسمي والمسودة الأولى التي سربتها نيويورك تايمز تفاصيل مخيفة تم إغفالها من الصيغة النهائية، كما أن النسخة الرسمية من التقرير أدانت قصف قوات المعارضة العشوائي لمدينة دمشق خلال العمليات العسكرية، وقالت إنها قد تُعدُّ جرائم حرب.

وكان مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة قد طلب من اللجنة إجراء تحقيق عاجل ومستقلّ حول الجرائم المرتبكة في الغوطة الشرقية في شهر آذار/مارس الماضي، وقد أدان التقرير النهائي استخدام النظام وحلفائه سلاح التجويع وقصف المدنيين المستمر خلال معركتهم ضد فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، كما اعتبر أن حصار الغوطة الشرقية هو أطول حصار في التاريخ البشري الحديث، مشيراً إلى «تضرر المدنيين في الغوطة الشرقية جسدياً ونفسياً على نحو جسيم، خلال تعرضهم للقصف بشكل شبه يومي، وللحرمان الشديد المؤدي في بعض الحالات إلى وفيات كان يمكن تجنبها»، واعتبر التقرير أن هذه الجرائم قد تصل إلى مستوى جرائم حرب.

يبدو حذف الفقرات المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي من تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة جزءاً من عملية مستمرة لإخفاء الأدلة التي تدين نظام بشار الأسد وحلفاءه بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهو يُظهِرُ جانباً من الصورة الكبيرة للضغوط التي يمارسها حلفاء نظام بشار الأسد في سبيل إخفاء جرائمه المستمرة ضد السوريين، ويندرج في السياق الأوسع لعملية إعادة تأهيل النظام دولياً، ومساعدته في الإفلات من العقاب، وهو ما يمهد الأجواء لتكرار هذه الجرائم، وارتكاب المزيد من المذابح عند اللزوم.