اللجوء إلى المطبخ

 

انتشر المطبخ السوري في السنوات الخمس الأخيرة بكثرة حول العالم، مترافقاً مع موجة اللجوء السوري الواسعة التي كان لألمانيا النصيب الأكبر منها على مستوى أوروبا، إذ شهدت مدنٌ ألمانيّة افتتاح أعداد كبيرة من المطاعم الجديدة التي تقدم الطعام السوري، ويبدو ذلك مفهوماً نظراً لأن الجالية السورية تُعَدُّ حتى العام الفائت ثالث أكبر جالية مهاجرين في ألمانيا بعد الجالية التركية والبولندية. وقد أحضر اللاجئون السوريون معهم عدداً من الأطباق والوصفات التي تبدو جديدة فعلاً بالنسبة للزبون الألماني، وأطباقاً أو وصفاتٍ أخرى مَهَّدَ لها المطبخان اللبناني والتركي اللذين يشبهان المطبخ السوري. وبالإضافة إلى ذلك، اكتسبَ الطبخ معانٍ جديدة  بعد الحرب والتهجير وأكوام الخسائر المعنوية والمادية، فصار المطبخ الطريقة الأولى للتعامل مع النوستالجيا السورية، مع الحنين إلى أيام العائلة والبيت والأم. وفي هذا السياق، تابعنا مجموعات إلكترونية مختلفة يجمعها حبّ المطبخ السوري في الغربة، منها المشروع الذي بدأته ريتا باريش عبر فيسبوك في مجموعة مطبخ غربة، التي وصل عدد متابعيها إلى ما يزيد عن 19000 متابع.

جَذَبَ المطبخ السوري اهتمام الباحثين السوريين وغير السوريين على مستويات أنثروبولجية وسيكولوجية وهوياتية، أما اقتصادياً فقلّما تم التحدّث عنه، إذ غالباً ما يتحول الحديث عند استضافة الطبّاخين السوريين في البرامج التلفزيونية الألمانية إلى قصة نجاح هؤلاء الضيوف/الطهاة في الاندماج مع المجتمع الألماني، والطريقة التي يُقدَّمُ ويُصنع بها الأكل السوري، فيما تتناسى هذه المقابلات أو تغفل عن ذكر الجانب الاقتصادي في قصة هؤلاء الطهاة، مع غياب أيّ أرقام موثقة مثلاً عن عدد المطاعم التي تقدم الطعام السوري، أو عن حجم الأرباح الواردة من الطبخ السوري، أو حتى نسبة اليد العاملة السورية في مجال الطبخ عموماً، ليتم تصوير قصص النجاح تلك مصحوبةً بكثير من الحنين والكلمات الشاعرية عن الوطن والذاكرة، ومرادفاتها التي ترسم هالة من القداسة حول المطبخ السوري، وذلك في ظلّ تجاهل تام للدور الإسعافي لمهنة الطبخ عموماً.

يروي لنا سالم، في الثانية والثلاثين من عمره في مدينة هانوفر في ألمانيا، حكايته مع الطبخ السوري، الذي بدأه بعد مرحلة قصيرة من وصوله إلى ألمانيا، وذلك بسبب ظروفه المادية الصعبة التي جعلته يلجأ إلى الطبخ كونه الطريق الأسرع والأسهل الذي لا يحتاج شهادات علمية أو إتقان اللغة. كما يضيف سالم إلى الأسباب السابقة أن «المرء لا يحتاج إلى أوراق أو تصاريح عمل رسمية، في المرحلة الأولى وقبل الحصول على أوراق الإقامة وإتمام دورات اللغة المطلوبة، عملتُ 'بالأسود' في إحدى المطاعم». وحال سالم هذا مشابه لحال كثير من الشباب والشابات الذين يضطرون إلى مزاولة مهنة الطبخ، دون رغبة حقيقة منهم، إلا أنه حلٌّ سريع، ولا سيما أن الأجواء مشجعة في ظل إقبال كثيف على المطبخ  السوري.

الأمر مختلف على هذا الصعيد بالنسبة لعائلة سورية، بدأت مشروعاً لتقديم الطبخ السوري الفيغان Vegan في برلين. ويعتمد نظام الفيغان الغذائي على المنتجات النباتية فقط دون أي منتج حيواني بما في ذلك البيض والأجبان والألبان واللحوم، ولهذا فإن الأمر يبدو غريباً على المطبخ السوري الغني بالمنتجات الحيوانية، لكن تزايد أعداد من يتّبعون نظام الفيغان في برلين شجَّعَ العائلة السورية على إعداد قائمة من المأكولات السورية النباتية تماماً، مثل الفلافل والحمص والكبّة النباتية. 

يقوم الأب والأم على إدارة هذا المطعم، وهما أصلاً في عمر التقاعد، لكنهما  يجدان في الطبخ وتقديم الطعام للناس السلوى عن تذكر مآسي البيت الذي هُجّروا منه في حلب، وعن قصة ابنهما المتوفى. تؤكد السيدة لنا أكثر من مرة أنهم في واقع الأمر ليسوا بحاجة قصوى للربح المادي، وأن أمورهم مستقرة مادياً؛ «لكن هذا المطبخ يسليني كثيراً ويجعلني ألتقي كل مرة بأناس جدد. غالبية الزبائن من الألمان، وبالرغم من أني لا أتقن اللغة الألمانية، إلا أني أحاول أن أفهم أطباعهم وأذواقهم. وقد صار هذا روتيني اليومي، أنزلُ إلى المطعم، أنظّفُ المكان وأبدأ بتحضير الطعام وغسيل الخضار وتقطيعها، أصعدُ إلى البيت خلال النهار لأصلي فقط، وما أن أنتهي أعود حالاً إلى المطبخ حتى لا أبدأ بتذكر ابني».

قاطعَ حديثنا دخول بعض الزبائن، أخذ العمّ منهم الطبات وبدأ بتحضير الطعام لهم، وعندما انتهى انضمَّ إلى الحديث مرة جديدة معنا. سألتُهُ عمّا إذا كان قد عمل في الطبخ من قبل، وإذا ما كان يعتقد فعلاً أن المطبخ السوري يساعدنا على الحفاظ على هويتنا والذاكرة. قاطعني مبتسماً؛ «أمام الألمان نحن نسميه المطبخ السوري، أما بيننا نحن السوريون أنفسنا فهو المطبخ الحلبي»، مُعيداً إلى ذاكرتي كثيراً من المشاجرات الافتراضية بين محبي المطبخ الحلبي وغيره من أصناف الأكل الشائعة في مدن سورية أخرى مثل دمشق. يتابع العم جوابه، «لم أعمل يوماً في الطبخ، عملتُ مدرّساً ثم مديراً في شركة صناعية، ولم أتخيل نفسي يوماً أني سأدخل المطبخ. لكن هذا قدرنا. ولا شك  أنه على كل سوري الآن أن يعيد خلق نفسه».

وسط هذا الترحيب والضجة التي يثيرها المطبخ السوري، وإلى جانب الطعم الشهي فعلاً، إلا أن المرء يشعر وكأن مجموع العصارات الهاضمة، التي يثيرها صحن النابلسية أو وعاء كبير من اليبرق في المعدة، تهضم معها تفاصيل يومية أخرى ربما تهمّ الإضاءة عليها أكثر من التعجب من طُرُق حفر الكوسا ولفّ اليبرق، أو صعوبات البحث عن مكونات محددة في ألمانيا. وحتى عند التفكير في مجمل الكلمات التي ارتبط بها المطبخ السوري وفعل الطبخ عموماً في السنوات الأخيرة، يبدو واضحاً أنها مفردات مغرقة في شاعريتها ورومانسيتها، ومرتبطة بالحب والشعر والذاكرة، ومشاهد من الطفولة تحملنا إليها سندويشة الزعتر والتفاحة إلى جانبها. وبالتأكيد فإن هذا أمرٌ لا يمكن نكرانه، إلا أنه من السهل معرفة ضيق الوقت الذي يمكن أن يخصصه الطلاب والأفراد العاملون لطهي أي شيء، وأنهم عندما يفعلون ذلك فهم يقومون بشيء يومي وبسيط لا يستغرق تحضيره وقتاً طويلاً، ولا تُذرَف الدموع عند تحضيره شوقاً إلى الوطن!! تماماً كما يفعل الفيتناميون والهنود والطليان والألمان عند طهو عشائهم في البيت.

في هذا السياق، يشاركنا سالم شعوره الحالي حيال المطبخ السوري وكيفية تقديمه للناس: «أصبحت أشعر بالملل من الطعام السوري، في كل مرة أُعيدُ الحكاية نفسها، وأُمضي وقتاً طويلاً في محاولة شرح قصة الفتّة السورية يوم الجمعة، وقصة صناعة المكدوس في موسم العودة للمدارس. بالطبع، يثير ذلك اهتمام المهتمين أصلاً، لكن بالمقابل يوجد عددٌ كبيرٌ من الأشخاص الذين يحبون الأكل، لكن لا وقت لديهم، أو هم ببساطة غير مهتمين بمعرفة القصة وراء هذا الطبق أو ذاك».

أعاد لي قول سالم هذا تجربة شخصية، عندما دُعيتُ في السنة الأولى بعد قدومي إلى ألمانيا للمشاركة في فعالية طبخ سوري وتقديمه للألمان. عندما انتهيتُ من إعداد الفتّة للجمهور الألماني، جاء دوري لتقديم الطبق والتحدّث عنه وعن طقوس تحضيره، لكنني لم أجد ما أقوله سوى سرد المكونات وطريقة التحضير، وفي مواجهة العيون التي تحدق بي وتنتظر قصة تحرك عواطفها، لم أجد الحماسة ولا الخيال الكافيان لاختلاق أي قصة، وغادرتُ الفعالية مع شعور بالخيبة والثقل بسبب كمية الأكل المبالغ بها، والاستعراض المزعج الذي شاركت فيه بكامل إرادتي.