اللجوء والمؤقت والتمرد عليهما

 

يستوجب مشهد الأيام القليلة الماضية على الحدود التركية- اليونانية تعليقاً يتعدّى الاشمئزاز، الضروري، من جولة جديدة لأحط أشكال التعاطي السياسي- الخطابي المتبادل مع مأساة اللجوء السوري من قِبل السلطات التركية والاتحاد الأوروبي، وينظر في مشاهد الأيام الماضية لآلاف من السوريين المتجمعين في ساحات وجادات رئيسية في اسطنبول، بحثاً عن وسيلة نقل نحو المناطق الحدودية؛ ثم المكوث في العراء على الحدود، وصولاً إلى العنف الذي مارسه حرس الحدود اليونانيين، وأدى حتى الآن لاستشهاد الشاب أحمد أبو عماد وعشرات الإصابات. لقد حصل كل ذلك بسرعة مأساوية، في غضون ساعات وأيام قليلة، بما يجعلنا نفكر مجدداً في أحوال ألوف وألوف من سوريي الشتات.

كانت التجمعات قد احتشدت، والقوافل قد انطلقت، فوراً بعد التطورات الميدانية في إدلب، التي أدّت إلى تداول تصريح مسؤولين أتراك عن أنهم لن يمانعوا مرور اللاجئين باتجاه أوروبا. خلال ساعات قليلة، بين الأنباء الليلية وساعات الفجر الأولى، كان آلاف اللاجئين السوريين في تركيا، أفراداً وعائلات، شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساءً وأطفال، جاهزين لخوض الرحلة المجهولة محمولين على أمل التصريح التركي، غير منشغلين بتحليلات هذه التصريحات ولا بتقييمها السياسي أو الأخلاقي، ولا بالحيرة إزاء إمكانية أن تكون إشاعة، أو تصريحاً/ تهديداً خطابياً دون مفاعيل عملية. شوهد التصريح كاحتمال فرصة لا يجب تفويتها ولا التباطؤ في اغتنامها. يقول هذا الواقع أموراً عديدة، يهمنا منها الآن مشهد عينة وازنة من كتلة هائلة من السوريين، يعيشون في المؤقت المطلق، في مهب الريح (حرفياً). ليس لدى سوريي المؤقت ما يؤخرهم عن حمل حقائب صغيرة وخفيفة وترك كل شيء ورائهم في غضون ساعات قليلة، فلا بيوت، ولا أعمال، ولا حتى مدارس تقتضي التمهّل لإدارة تسليمها وتدبير بدائل لها. وبالطبع، لا ذكريات ولا مشاعر ولا تعلّق بمكان أو بأشخاص يمكن أن يُسمح له بعرقلة الانتقال السريع بين مؤقت سيء وآخر يُرجى أنه أقل سوءاً. أساسيات حياتية كثيرة -مادية ومعنوية- باتت، بالنسبة لسوريي المؤقت، أثقالاً تعلّموا ضرورة العيش دونها، لأيام طويلة، لأشهر، وغالباً لسنواتٍ لا يُعرف مداها.

نحدّق في صور الحدود التركية- اليونانية، ونضطر لتذكير نفسنا أنه من المفترض أن هؤلاء النائمين في العراء هم «ناجون» من قعر المأساة السورية، التي ما زالت موجودة هناك، في الدواخل السورية، في المناطق الحدودية من إدلب خصوصاً. ثمة «ناجين» آخرين، بالملايين، يقبعون في مختلف بقاع الشتات السوري، يعيشون أيضاً ضروباً متنوّعة من هذا المؤقت، بين أوضاع قانونية مبهمة أو بطيئة التطور أو عديمة الوضوح، ومصادر دخل شحيحة أو غير مستقرة أو معتمدة على المعونات الاجتماعية. ليس انعدام الأمان لدى اللاجئين جديداً، وليس التبرّم بهم ومحاولة التخلص منهم أو إغلاق الحدود في وجههم أو التمنين بحقوق منقوصة تُمنح لهم أو محاولة التخلص منهم استثناءً سورياً حديثاً، فهذه سيرة غالبية موجات اللجوء في العالم المعاصر. الجديد هو كورال الوقاحة المزرية المتواصل، والبؤس السياسي والأخلاقي الذي تقدمه دول ومؤسسات دولية، مثل اليونان، التي أعلنت اليوم -للصدفة- عن مناورات عسكرية بالذخيرة الحيّة في مناطقها الحدودية الشرقية؛ أو وكالة خفر السواحل وحرس الحدود الأوروبية (فرونتكس)، التي يُغرّد حسابها على تويتر صور رجال شرطة من دول أوروبية عديدة قدِموا إلى اليونان لـ «دعمها» أمام «التهديد» الذي يُحدِقُ بحدودها الخارجية. رجال شرطة باللباس الميداني يرصدون المضائق بالمناظير الحربية، في مشهد يصرخ بأنهم يترقّبون عدواً غازياً، وليس لاجئين يعيشون ظروفاً إنسانية قصوى. هذان مثالان عن سلوك جهات، ديمقراطية، تُعيب على تركيا استخدامها الأداتي الفج للاجئين، وهو قول حق حين يصدر منّا، لكنه نصف حقيقة حين يبدر منهم، لأنهم شريكٌ ضروري وفاعل في هذا الواقع المخزي.

تقتضي فداحة وقسوة وحرارة المشهد منا الآن، في هذه اللحظة، أن نفضح وندين، وأن نطالب بمعونة أهلنا، أهل المؤقت، القابعين في العراء على الحدود. لكن من الحيوي كذلك أن نضع نصب أعيننا ضرورة التفكير في هذا المؤقت الجاثم على صدور ملايين اللاجئين السوريين، على اختلاف تدرّجات معاناتهم واستقرار ظروفهم. ربما يقتضي كسر المؤقت تمرداً على «اللجوء» بحد ذاته، أي تأصيلاً للمعنى السياسي، في سياق القضية السورية، لضرورة تشكيل شبكات الدعم والعون والتكافل في سبيل أن يكفّ أكبر عدد ممكن من اللاجئين عن أن يكونون «لاجئين» بالمعنى القانوني والاقتصادي والسياسي، بأسرع وقت ممكن: أن يمتلكوا شروط حياتهم الدنيا، أن يحصل على أوراق ووضع قانوني مستقر، أن يخرجوا من نظام المعونات نحو تحصيل دخلهم دون مِنّة ولا تبرّم، وأن يتخلصوا من المعنى الضيق والخانق المفروض، سياسياً ومفاهيمياً وثقافياً، على اللاجئين، ليس فقط من قِبل جماعات وأهواء عنصرية ضدهم ورافضة لوجودهم، أو من جهات سياسية ودول أصبح اللاجئون فيها أشبه بالرهائن الذين يُمننون ويُهدَّدون وتُهدَّد بهم دول أخرى، بل أيضاً من قِبل متضامنين، تفشل نواياهم الطيبة ومنطلقاتهم الحميدة في الانتباه للطابع الفوقي وغير الندّي لـ « التضامن»، والتي تؤدي إلى حبس اللاجئين في كونهم لاجئين: عليهم، كل الوقت، أن يتصرفوا كلاجئين، يستهلكوا كلاجئين، يتحدثوا كلاجئين، وينتجوا «ثقافة لاجئين». لا وجود لهم قبل أن يصبحوا «لاجئين»، وليس من المستغرب أن يتلقوا عتباً أو زجراً أو استنكاراً إن خرجوا في قولهم أو في فعلهم عمّا يُفترض أن يبدر عن «لاجئ»، باعتبار أن هذا الخروج عمل غير مسؤول، قد تستفيد منه التوجهات المعادية للاجئين.

في الأفق، وفي مفارقة هزلية، ثمة يوتوبيا مرجوّة في أن يتحصّل اللاجئون السوريون على بدائل مستدامة للأوراق الثبوتية وجوازات السفر السورية لتتويج تحريرهم من «لجوئهم» وتمكينهم من أن يصبحوا «سوريين» مجدداً. هذه المفارقة هي أحد أوجه إسهام البوتينية في مفاهيم السيادة والهوية الوطنيتين.

لكن، مع كل إشكاليات اللجوء المذكورة، فإن الطارئ والمُلحّ اليوم هو العمل من أجل أن يتمكن أهل مؤقت أدرنة من أن يصبحوا «لاجئين»، بأي معنىً يكن للجوء.