اللعبة التي تصنعنا

تنويه: في هذا النص حرق لأحداث حلقة Black Mirror التفاعلية الجديدة.

ماما، أمسكي بي إذن بيديك الطويلتين، بيديك الأوتوماتيكيتين، بيديك الإلكترونيتين. 

So, hold me mum in your long arms, in your automatic arms. Your electronic arms. 

بهذه الأغنية، O superman، للمغنية لوروي أندرسون (1982)، يُختتم واحد من المشاهد الأخيرة في الحلقة التفاعلية الجديدة المعنونة Bandersnatch، من مسلسل الخيال العلمي Black Mirror، التي تم بثّها في 28 كانون الأول 2018 على موقع شبكة نيتفليكس. يدٌ إلكترونية أوتوماتيكية طويلة تمسك بنا، أو بالأحرى تطوقنا وتلقي القبض علينا، لا تشبه يدَ الأم في شيء إلا في تسلطها وصعوبة مقاومتها؛ هذا أقرب وصف للشعور الخانق الذي أصابني عندما شاهدتُ تلك الحلقة الأسبوع الفائت.

تجري الأحداث في  الثمانينات (1984)، عندما يقرر ستيفان باتلر، المبرمج الشاب، تصميم لعبة إلكترونية مستوحاة من كتاب Bandersnatch، الذي يختار فيه القارئ أفعال الشخصية ويتخذ القرار عنها. تنسحب فكرة اللعبة إلى فكرة الحلقة التفاعلية المبنية على المبدأ ذاته، وذلك عندما يُطلب من  المشاهد اختيار أفعال الشخصية، البسيطة منها كأن يقرر عنها ماذا ستأكل؟ أو ماذا ستسمع؟ أو حتى المصيرية، مثل تقرير أي من الشخصيات سيرمي نفسه من الشرفة؟

يمرُّ المبرمج الشاب بلحظة وعي أثناء الحلقة، يدرك خلالها أن أحداً ما يقرر عنه أفعاله، وأنه يتم تحريكه كالدمية بين يدي أحدٍ ما. بمعنى آخر، تنقلب عليه اللعبة ويصبح هو موضوعها، وتكتمل الدائرة الكبرى للعبة/الحلقة مع المشاهد، الذي يُجبَر في مفاصل معينة من الحكاية على اختيار واحد من خياريين يؤدي أحدهما إلى المسار الصحيح، وإلا ستُطلب منه العودة؛ أو أن خياراً واحداً متاحاً سيظهر على الشاشة، ولا بدّ من الضغط عليه حتى يكتمل المسار العام للقصة، ويتضح منطق وسؤال اللعبة/الحلقة: من يقرر ماذا؟

إذا توفر لديك أكثر من 50 $ اشترِ (أ)، إذا توفر لديك أقل من 50$ اشترِ (ب). إذا أردت الذهاب إلى الحديقة نفّذ (أ)، أما إذا أردت الذهاب إلى السينما فنفّذ (ب). لغةٌ بسيطةٌ وواضحة، إلا أنها لغةٌ صارمة، لا تشبه فعلياً الطريقة التي نفكر بها عندما نقرر شراء شيء ما خارج حدود قدرتنا الشرائية، أو حتى عندما نقرر الاستكانة للكسل والبقاء في البيت. كما أن هذه اللغة لا تسمح لنا بالتأرجح أو التلعثم.

تبدو لغة الخوارزميات التي كتبت بها الحلقة لغة منطقية، لغة خيارات ومسارات، تحاور الجزء الهجين الجديد المتشكل فينا، الهجين بين ما هو آلي ميكانيكي وما هو بشري. وهي ربما تكون اللغة المستقبلية للجنس البشري في السنوات القادمة، إذ لن تعود مقتصرة على إنتاج نظام برمجي فحسب، بل ستصبح وسيلةَ تخاطب بين البشر. هي لغة واضحة وسريعة، تتعلق بتقديم خيارات محدودة بين تنفيذ هذا أو ذاك دون ثرثرة أو استفاضة، حتى أن الخيار الثالث الوحيد المتاح في تلك الحلقة التفاعلية هو go back، العودة خطوة إلى الخلف واختيار الخيار الثاني، حتى تصل بالمسار إلى النتيجة المرجوة. 

اعتبرَ جزءٌ كبيرٌ من النقاد والمشاهدين أن أكثر الجوانب سوداوية في الحبقة هو وهم الاختيار، الذي حاول كاتب السيناريو شارلي بروكر أن يضع المُشاهد في مواجهته، والذي يفضي إلى سلب المشاهد حرية الاختيار على عكس ما توحي به الحلقة. إلا أنني أعتقد أن اعتماد لغة الخوارزميات لتكون اللغة الرسمية لكتابة نص إبداعي، هي الجانب الأكثر سودواية والأشد كآبة، لاسيما وأن فعل الكتابة الإبداعية ينطوي على محاولة بشرية لخلق الخيار الثالث، أوسع من الاختيار بين قيمتي صفر أو واحد، والاختيار بين نعم أو لا. 

كيف يمكننا استعمال لغة وظيفية وتنفيذية على هذا المستوى من القسرية في سرد تفاصيل ثانوية أو مشاعر إنسانية؟ هل هناك طرق ممكنة لإعادة قراءة نص مكتوب بلغة الخوارزميات، محاورته أو نقده؟ هل سيظل ممكناً أن نفكر بلغة «بشرية» عندما نكتب بلغة «آلية»؟ أم أننا سنفقد السيطرة تماماً وتصبح لغة الخوارزميات هي اللغة التي نفكر ونكتب ونروي بها قصصنا؟ وغيرها الكثير من المخاوف، التي قد تبدو للبعض رومانسية وقديمة. ربما حان الوقت لتقبل حقيقة أن التطورات التكنولوجية في العالم المعرفي لم تعد مقتصرة على الآلة، الكمبيوتر، وقواعد البيانات، بل ستشمل الكائن البشري، وستُحدث مع الوقت تغييرات جذرية في اللغة والهوية، وفي شكل الوجود البشري في هذا العالم.

تتكون قصة الحلقة من خمسة احتمالات أساسية لقصة ستيفان باتلر، تختلف طرق الوصول إليها باختلاف اختيارات المشاهد، لذلك يتطلب الأمر إما مشاهدة الحلقة أكثر من مرة، وتجريب أكثر من مسار، أو ببساطة مشاهدة الحلقة دون الضغط على أي خيار. أي بمعنى آخر، إن الطريقة المثلى لاستعراض مجمل احتمالات الحلقة هي عدم التفاعل مع هذه الحلقة التفاعلية، وهو ما سيعني ضياع جزء كبير من التجربة، إلا أنها الطريقة شبه الوحيدة التي تتيح للمتفرج مشاهدة النهايات المتعددة للقصة.

ويبقى ذلك أمراً ثانوياً على كل حال، أما الأمر المثير للاهتمام فهو رصد العوالم المتوازية لشخصية واحدة، وهي النظرية الفيزيائية التي تستند إليها هذه الحلقة، نظرية الأكوان المتعددة، التي تسمح لنا بالانتقال من عالم إلى آخر. في أحد هذه العوالم يكون ستيفان باتلر مجرماً عندما يقتل والده، وفي آخر يكون ممثلاً ضمن طاقم عمل يقوم بتصوير تمثيلية أخرى بما يشبه تقنية «المسرح داخل مسرح». حتى أننا في أحد العوالم نرى أن ستيفان باتلر الحيَّ أمامنا، هو في الوقت ذاته طفلٌ توفي في الماضي مع أمه في حادث قطار، وكأنه في حالة تراكب كمومي فيزيائي يجمع بين احتمالي الموت والحياة، كما هو حال قطة شرودنغر في «النظرية الفيزيائية الفكرية»، التي تُعدّ أهم مداخل نظرية الأكوان المتعددة.

وهذه ليست المرة الأولى التي نرى فيها الاستناد إلى نظرية الأكوان المتعددة في الأعمال الفنية، فقد استخدمت من قبل في مسلسل Rick and Morty على سبيل المثال لا الحصر، ولعلها من أكثر النظريات الفيزيائية التي تساعد الكاتب والفنان على التحرر من الالتصاق بالواقع، وتخيّل قصص ونُسخ لا نهائية من عالم واحد، دون الاضطرار لتقديم تبرير منطقي حول أين وكيف يحدث هذا الانتقال من عالم إلى آخر. 

تنتمي هذه الحلقة إلى سلسلة طويلة قدّمها المسلسل، جسّدت مخاوفنا المعاصرة، التي تنشأ من العلاقة الشائكة بين العالم الإنساني البشري والعالم التكنولوجي المعرفي. ورغم أن قصة هذه الحلقة تبدو بسيطة بالمقارنة مع محتوى قصص سابقة من المسلسل ذاته، وذلك وفقاً لتقييم عدد من النقاد، إلا أن الجانب المتعلق بتقنيات السرد وتورط المتفرج في بناء الفعل الدرامي، ربما يكون نواة لمزيد من الحلقات والأفلام التفاعلية التي تعمل نيتفليكس على تطويرها منذ 2017، والتي ستفتح من خلالها نافذة جديدة لفهم المتفرجين ودراسة أذواقهم ودلالات خياراتهم، بما يرتبط مع المؤشرات الاقتصادية والتسويقية، وفي خطوة أبعد مع الدلالات السوسيولوجية لسلوكهم. بكلمات أخرى، هي نافذة جديدة ستكون قادرة على فهم ذواتنا أكثر مما نفهمها نحن.