اللغة مهاجرة

سيسليا فيكونيا (م. 1948) شاعرة وفنانة تشكيلية وناشطة تشيلية، مقيمة بين نيويورك والعاصمة التشيلية سانتياغو. عاشت على الهامش، ولكن أعمالها الفنية تصدّرت المشهد الثقافي منذ الستينيات من القرن الماضي. تشتهر فيكونيا بعملها الدؤوب الذي يحفر في موضوعات اللغة والذاكرة والنفي، ويرتكز على منهجية نسوية بيئية، متضمناً مواقف صريحة من سياسات التدمير البيئي والتجانس الثقافي والتفاوت الطبقي.

النص المترجم أدناه مكتوب في العام 2006. وعلى رغم استشهاده بعمل قديم أنجزته فيكونيا نفسها في العام 1980، إلا أنه شديد الراهنية، ويصل مفاهيم مختلفة ببعضها بسلاسة مذهلة: معنى الهجرة، وإعادة تشكُّل اللغة على ألسنة المهاجرين، وموقع الشعر وماهيته وضرورة استعادته في زمن الدرونز واختفاء المحادثات العامة بين الناس.

اللغة مهاجرة. تتنقّل الكلمات من لغة إلى لغة، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن فم إلى فم. أجسادنا مهاجرة، والخلايا والبكتيريا مهاجرة أيضاً. حتى المجرات تهاجر.

إذاً ما هو هذا الكلام ضد المهاجرين؟ لا يمكن لهذا الحديث إلا أن يكون ضد أنفسنا، ضد الحياة ذاتها.

قبل 20 عاماً، فتشت عن كلمة «مهاجر»، ناظرةً إليها كمزيج خطير من الجذور اللاتينية والجرمانية. تخيلت أن migrant هي ربما نتاج mei من اللاتينية، ومعناها التغيير أو التحرّك، وgra الجرمانية أي القلب. وهكذا صار المهاجر قلباً متغيِّراً، قلباً في ألم، يغيّر في قلب الأرض. ما تقوله كلمة مايغرانت حقيقةً هو: امنحني الحياة.

تعني كلمة grant (منح) السماح بالامتلاك، وهي مرتبطة بجذر هندوأوروبي أقدم بكثير: dhe، أو أصل «الوثيقة» و«القانون» باللغة الإنكليزية، وsacerdos في اللاتينية: مؤدي الطقوس المقدسة.

ما هو الطقس الذي يؤديه ملايين المهاجرين النازحين الباحثين عن ملاذ آمن حول العالم؟ هل هذا الطقس هو طريقة لجعلنا نرى لامبالاتنا، وتواطؤنا مع الحروب المستمرة؟

هل أَلَمُهم قوي بما يكفي ليدفعنا لتغيير قلوبنا؟ لنرى دورنا فيه؟

«I wounder» (أتساءل-أنجرح)، قالت مارغريتا، صديقتي المهاجرة، خالطةً بين التساؤل والجرح، وفكرت أن ما قالته هو تجسيد مثالي لحالتنا الحقيقية!

كتب فيسنتي هويدوبرو: «افتح فمك لتتلقّى خبز الكلمة الجريحة».

هل يمكننا النظر إلى الجرح؟ كتب روزاريو كاستيانوس:

.. تخصصي ليس الشعور، 

تخصصي هو البحث وحسب، ولذا أقول:

(الكلمة نظرة فاحصة).

أخذ أوكتافيو باز الأمر أبعد من ذلك وقال:

لا أرى بعينيَّ: الكلمات

هي عينيَّ.

في 1980، كنت في المنفى في بوغوتا، حيث عملت على مشروعي كلام أكثر (Palabrarmas) وهو طريقة لفك الكلمات ونحتها لمعرفة ما تقوله. كشاعرة، اتخذتْ حياتي المبكرة وجهتها من سطر لنوفاليس: «الشعر هو الدين الأصلي للبشرية».

أثناء حياتي في مدينة بوغوتا العنيفة، أردت معرفة إن كان الآخرون يشاركونني رأيي عن الشعر، فانطلقت مع كاميرا وفريق من المتطوعين لإجراء مقابلات مع الناس في الشارع. وسألت الجميع السؤال نفسه: ما هو الشعر بالنسبة لك؟ حصلت على إجابات رائعة من المتسولين وعاملات الجنس، أفضلها كان كِي پْروسيغا que prosiga (أي «فليستمر»). هذا لم يكن كل شيء، إذ كيف يمكن ترجمة صيغة الشرط الخاصة بالزمن اللفظي (tiempo verbal، أو الوقت داخل الفعل) الأجمل في اللغة الإسبانية؟ كلمة «الشرط» الإنكليزية (subjunctive) تشي بالمجاورة، ولكنها مظلّلة بسلطة المجهول. إنها إمكانية مستقبلية خاضعة لظروف غير متوقعة، قد تحدث أو لا تحدث، وهذا المظهر يطابق تماماً التعريف الكمي للخصائص الطارئة.

لو بحثنا في غوغل عن معنى صيغة الشرط لوجدنا أنها موصوفة كـ«مزاج»، كما لو أن الفعل اللفظي قادر على الشعور: «المزاج الشرطي هو صيغة الفعل المستخدمة للتعبير عن أمنية، أو اقتراح، أو حالة مخالفة للحقيقة» أو «الشرط المضارع هو الشكل المجرد من الفعل (أي أنه فعل بلا نهاية)».

وأحببت الفكرة! صورة لفعل عارٍ! الرجل الذي مر كظل في فيلمي قائلاً «فليستمر»، حضر لثانية واحدة فقط قبل أن يختفي وسط الحشد بعدما عبّر بكلمتين عن الدقة المطلقة للثقافة الشفوية الأصلية.

لا يمكن لمشاهدي الفيلم اليوم أن يصدقوا أنه أُنجِز بلا استخدام نص مرافق، ففي غضون 36 عاماً يبدو أننا قد تخلينا عن فن المحادثة المعقدة الذي كان منتشراً في ذلك الوقت. في الفيلم، تسمع أشخاصاً في الشارع يرتجلون الردود مباشرةً، مُظهِرين وعياً باللغة، الوعي الذي يبدو مفقوداً اليوم. أتساءل-أنجرح: كيف حدث هذا؟ قلبي يحدثني أنه الخوف، لا بد، ومحيط الأكاذيب الذي نعيش فيه، الخاضع لتيار متواصل من الكلام المزدوج من قِبَل قوى تمارس العنف علينا، ووسائل إعلام تدعمها. ففي حالة العيش تحت الدكتاتورية، أول ما يختفي هو متعة وحرية قول ما تفكّر به حقاً. المحادثات العامة المعقدة في طريقها للاختفاء، وقد يرتبط انقراض الخطاب الحر المرِح هذا بانقراض أنواع الأحاديث التي نتسبب بها ونحن نتحدث.

كلمة «النوع» تأتي من سْپيسيس speciēs اللاتينية، ومعناها «رؤية». قد نكون نفقد هذه المحادثات، ومعها العديد من اللغات، لأننا لا نرغب في رؤية ما نقوم به. أفكر بالتناقض بين الرغبة بملاحظة اللغة في تعبير كي پروسيغا / فليستمر، وفي رغبتنا بعدم رؤية العواقب المخدِّرة / الغبيّة للكلام المزدوَج في أجسادنا وأرواحنا.

أسمع «صوت أزيز منخفض مستمر»؛ هذه «مركبات جوية بلا ملاحين»؛ طائرات بدون طيارين نرسلها إلى العالم حاملةً أفكارنا القاتلة.

الطائرات بدون طيارين هذه هي التعبير النهائي لانفصالنا عن الكلمات، ولقدرتنا على الكلام من دون الشعور بتأثير كلماتنا على الآخرين.

«الكلمات أفعال»، كما يقول أوكتافيو باز.

هل باتت الكلمات الآن طائرات بدون طيارين، روبوتات طائرة، لأننا صرنا «بدون» بمعنى جديد، أي أقل إنسانية، وأقل حساسية تجاه هذه الأفعال؟ لا أفكر بالضحايا فحسب، بل بالجناة أيضاً، بمشغلي الطائرات هذه. مخرجة فيلم طائرة بلا طيار تونجي هيسن سكي قالت عن كيفية تدريب الأطفال على القتل في ألعاب الفيديو: «تُصنَع الحرب لتبدو ممتعة، ويُصنَع القتل ليظهر رائعاً.. لكن لهذه ’العسكرة‘ تكلفة ضخمة»، ليس فقط للجنود الشباب الذين يسيِّرون هذه الطائرات، بل للمجتمع ككل.

«مستقبلنا الجماعي المحتمل. شاهِده وابكِ من أجلنا. أو شاهِده وخذ قراراً بتغيير ذلك المستقبل». (لورنس ويلكرسون، عقيد متقاعد بالجيش الأمريكي، يظهر في الشريط الدعائي لفيلم طائرة بلا طيار)

شاهدتُ مؤخراً أسترو نويز، وهو معرض للورا بويتراس استضافه متحف ويتني للفن الأمريكي، حيث تهاجر لغة المراقبة إلى الشعر والفن. دعت لورا المشاهدين إلى الاستلقاء في سرير جماعي حيث يرون سماء الليل تقطعها طائرات بدون طيارين. ثم شغلت تقنية البحث عن الأنماط المطابقة التي تستخدمها الخوارزميات لتصفية الأشخاص عبر الطائرات هذه، لتكشف عن طريقة عمل النظام. وبالطبع، يتم استطلاعنا بينما نستطلع نحن العرض! إنه نوع جديد من الشعر المرئي، يربط أجسادنا بالنضال الحقيقي من أجل روح هذه الأرض. فهل سنكون بشراً، أم سننزع إنسانيتنا لدرجة أن الأرض نفسها ستحلم بنهايتنا؟

القتال مستمر، وقد يكون هذا هو الجمال الوحيد في عصرنا. يقول المتحدثون باللغة الكيتشوية في البيرو: «الجمال هو النضال».

أشاهد التلفزيون وأرى لغات رقمية جديدة مصممة لمواجهة الحساسية المفروضة علينا من قبل وسائل الإعلام: اختراع نوع جديد من الصحافة المورِّطة التي يمكن أن تجعلنا نشعر بقوة الكلمات. (المفارقة في ذواتنا الآلية اليوم، هي أننا لا نشعر باللغة إن لم تكن محسّنة رقمياً). في فيلم الواقع الافتراضي عبر الخط، الذي عُرض في مهرجان صندانس، يحاول المستخدمون دخول عيادة الإجهاض بينما يجابَهون بصرخات الصليبيين المناهضين لحق الاختيار. في الظلام، يشعر المستخدمون الذين يرتدون أقنعة الواقع الافتراضي بالأذى الذي سببته الكلمات العنيفة.

تتجدد الحياة في الظلام، وقد يصبح الظلام مصدراً للنور.

أرى الشاعر/المترجم كالذاهب إلى الظلام، باحثاً عن «الآخر» في أنفسنا، الذي لا نرغب في رؤيته، كما لو أن هذا الفعل قادر على كشف ما يخفيه العالم الأكبر.

يشير إدواردو كون، في كتابه الاستثنائي كيف تفكر الغابات: نحو أنثروبولوجيا متجاوزة للإنسان، إلى إنشاء فعل جديد من قبل المتحدثين بلغة كيتشوا في الإكوادور: «ريبارانا» التي تعني «دارْسي كْوينتا» أي أن ندرك أو نَعِي. الفعل هو تعبير كيتشواوي عن فعل ريبارار (إصلاح) الإسباني، أي أن تلاحظ، أن تشعر، وأن تُصلح. كما لو أن الإدراك نفسه، فعل الملاحظة البسيط هذا، لديه القدرة على الشفاء.

اختراع مثل هذه الأفعال شعر حقيقي، يشق درباً محتملة، أو مخرجاً من الدمار الذي نخلقه.

أما بالنسبة لدور الشاعر في زمننا، فليس لديّ سوى المزيد من الأسئلة: هل نحن أشبه بـ«منصب استماع»، يؤلف «دليل بقاء» مستحيل، للبحث عن «فنّ يُظهر كيف تعمل القوة»، كما يقول بول تشان؟ أم هل نصمت في وجه الدمار الذي صنعناه؟

نسخ الرفيق ماركوس، رجل حرب العصابات الزاباتي، كلمات الحكيم الهندي إل فييهو أنطونيو: «ذهبت الآلهة باحثةً عن الصمت لتعيد توجيه نفسها، لكنها لم تجده في أي مكان». هذا اللامكان هو مكاننا الآن. نحتاج إلى ترجمة اللغة إلى نفسها حتى ترى تقنيات المعلومات وعينا، وتترجمنا إلى حالة ذهنية أخرى.

اللغة هي المترجم. يمكن لها أن تترجمنا إلى مكان نتوقف فيه عن التسامح مع الظلم وسوء المعاملة وتدمير الحياة. الحياة لغة. «عندما نتكلم، تتكلم الحياة»، يقول كوشيتاكي أوبانيشاد.

الوعي هو القوة الإبداعية الوحيدة التي تخلق نفسها عندما تنظر إلى نفسها.

الحالة الذهنية عابرة وأبدية في آن.

كل شيء يهاجر. فهل بإمكاننا أن نهاجر إلى «تساؤل-جرح» حياتنا، إلى الشعر نفسه؟