المتظاهرون اللبنانيون: إلى ما بعد الحريري

 

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري يوم أمس الثلاثاء استقالته من منصبه، وذلك في اليوم الثالث عشر للمظاهرات التي تعمّ مدن لبنان احتجاجاً على الفساد السياسي والاقتصادي للنخب الحاكمة. وتأتي استقالة الحريري لتكون بمثابة إعلان عن فشل مساعي السلطة لاحتواء المظاهرات بالاعتماد على التركيبة الحكومية الحالية، وهي المساعي التي جاءت على شكل مزيج من ثلاثة عناصر؛ الوعود الإصلاحية التي أعلنها الحريري في ورقة يوم الحادي والعشرين من الشهر الجاري، والقمع متفاوت العنف الذي مارسته بشكل رئيسي مجموعات منظمة مرتبطة بحركة أمل وحزب الله في أماكن ومناسبات متعددة، والقوى الأمنية والجيش في أماكن ومناسبات أخرى؛ والتهديد بالانهيار الاقتصادي وانتشار الفوضى وعودة شبح الحرب الأهلية.

وقبيل إعلان الحريري عن استقالته، كانت مجموعات مرتبطة بحزب الله وحركة أمل قد اعتدت على المتظاهرين والمعتصمين ظهر أمس عند جسر الرينغ في بيروت، لإجبارهم على فتح الطريق الذي يغلقونه هناك، كما هاجمت مجموعات مماثلة ساحتي رياض الصلح والشهداء، وقامت بإحراق خيام الاعتصام وتخريبها والاعتداء على المعتصمين بالضرب، دون أن تتحرك القوى الأمنية التي قامت بالرد فقط عندما اقتربت تلك المجموعات من مقر السرايا الحكومي، لتقوم بتفريقها وإخراج عناصرها من الساحات.

وكانت مجموعات مرتبطة بأمل وحزب الله قد نفّذت سابقاً اعتداءات على المتظاهرين في مناطق من الجنوب اللبناني أبرزها النبطية وصور، وكذلك في ساحتي رياض الصلح والشهداء يوم الجمعة الماضي، الخامس والعشرين من تشرين الأول الجاري، وذلك قبيل كلمة حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني، التي ألقاها في ذلك اليوم وتضمنت تجديده رفض حزبه لفكرة استقالة الحكومة، وتحذيره من الذهاب بالبلاد مجدداً إلى حرب أهلية، واتهامه قطاعات من المتظاهرين بالحصول على تمويل ودعم من سفارات أجنبية. وكما عاد المتظاهرون إلى الساحتين بعد اعتداءات يوم الجمعة الماضي، كذلك عاد المتظاهرون بعد اعتداءات يوم أمس الثلاثاء، ليحتفلوا هناك باستقالة الحريري معلنين مواصلتهم لثورتهم حتى إزالة كامل النخبة السياسية الحاكمة وإجراء تغيير جذري في النظام السياسي اللبناني.

وبالإضافة إلى الاعتصامات والمظاهرات في ساحات وشوارع لبنان، التي شملت جميع المناطق اللبنانية من أقصى جنوب البلاد وغربها إلى أقصى شمالها وشرقها، يحاول المحتجون الاستمرار في قطع الطرقات الرئيسية في عموم البلد، من أجل ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغط على السلطة، التي تسعى إلى منع المتظاهرين من مواصلة هذا النوع من الفعل الاحتجاجي، ودفعهم إلى الاقتصار في المرحلة الراهنة على التظاهر والاعتصام في ساحات لا تعرقل حركة السير. وقد حاولت قوى الجيش والأمن اللبنانية فتح الطرقات المقطوعة بأجساد المتظاهرين عدة مرات وفي عدة مواقع، دون أن يُكتب لمعظم محاولاتها تلك النجاح، وشهدت إحدى هذه المحاولات عنفاً مفرطاً، عندما استخدم عناصر من الجيش الرصاص لتفريق المتظاهرين في البداوي قرب طرابلس شمال لبنان، ما أدى إلى جرحى هناك يوم السبت الماضي.

وإلى جانب مسألة قطع الطرقات، التي هي أحد العناوين الرئيسية في لبنان اليوم، تحضر مسألة إقفال المصارف والأوضاع المالية والاقتصادية المتردية في البلد. وكانت جمعية المصارف اللبنانية قد أعلنت استمرار إغلاق أبواب المصارف اليوم الأربعاء لليوم الرابع عشر على التوالي، وهي المسألة التي تثير سجالاً واسعاً في لبنان، ذلك أنها تشكل ضغطاً جدياً على السلطة التي لا تبدو قادرة على تحمّل تبعات انهيار اقتصادي ومالي في لبنان، لكنها أيضاً يمكن أن تكون عامل ضغط على الحركة الاحتجاجية، لأن السلطة ستستغلّ هذا الأمر لتحميل المتظاهرين مسؤولية أي انهيار اقتصادي سيؤدي في حال حدوثه إلى مزيد من تردي الوضع المعيشي لعموم اللبنانيين.

وكان رياض سلامة حاكم مصرف لبنان قد حذَّرَ خلال مقابلة مع قناة CNN من انهيار اقتصادي وشيك «خلال أيام»، ليعود ويتراجع عن كلامه في تصريحات أخرى لوكالة رويترز، شارحاً أنه تحدَّثَ عن ضرورة الوصول إلى حلّ «خلال أيام» لتلافي انهيار مستقبلي محتمل. وعن هذا الأمر، تحدّثَ الكاتب والباحث اللبناني بشار الحلبي للجمهورية من داخل ساحة الشهداء في بيروت، وقال إن «رياض سلامة كان يحاول رفع المسؤولية عن نفسه إذا حدث انهيارٌ اقتصادي، ويبدو أن هناك كذباً متفقاً عليه بين الأطراف التي تدير البلد بخصوص هذا الموضوع، لأن الوضع في الحقيقة خطير فعلاً، ويتحدث كثيرون عن أننا دخلنا فعلاً في مرحلة الانهيار، ومن أجل مواجهة هذا الوضع فإنه لا بدّ من تعيين حكومة من المختصين لمواجهة هذه المرحلة». يتابع الحلبي حديثه متوقعاً سيناريوهين للوضع بعد استقالة الحريري؛ الأول هو «العمل بحكومة تصريف أعمال ما سيؤدي إلى مزيد من الضغط في الشارع، خاصة إذا ما أعلنت الدولة إفلاسها ولم تستطع دفع التزاماتها»، والثاني هو «الذهاب إلى حكومة تكنوقراط»، وهو الخيار الذي يستبعد الحلبي حصوله نتيجة «تعنّت التيار الوطني الحر وحزب الله».

وينص الدستور اللبناني على أن استقالة رئيس الحكومة تعني استقالة الحكومة بكاملها، وهو ما يفرض على رئيس الجمهورية إجراء مشاورات نيابية بهدف تشكيل حكومة جديدة، وليس ثمة ما يمنع دستورياً من أن يُعاد تكليف الرئيس المستقيل نفسه بتشكيلها مجدداً. ولا يبدو أن استقالة الحكومة، التي قال الحريري إنها جاءت استجابة منه لمطالب «كثير من اللبنانيين»، ستخفف من زخم المظاهرات في الشارع، بل إنها ربما تزيد من هذا الزخم لأنها تأتي إثباتاً على قدرة الحركة الاحتجاجية عن إجبار السلطة على تقديم تنازلات.

في حديث له مع الجمهورية، يقول الكاتب الصحفي اللبناني خالد صاغيّة: «لقد تجاوز الشارع هذا الإجراء، وعندما أعلن الحريري استقالته كان الناس يهتفون: الأول راح راح... التاني وينو وينو. أعتقدُ أن المتظاهرين مستمرون، خاصةً بعد مشهد الاعتداءات التي حصلت اليوم (أمس الثلاثاء)، كما أن التحرك أصلاً ليس موجهاً ضد سعد الحريري فقط». وعن مرحلة ما بعد استقالة الحريري، يقول صاغيّة: «لا يمكن أن تأتي الاستشارات النيابية التي قد يجريها رئيس الجمهورية بحكومة وحدة وطنية على غرار الحكومة المستقيلة، والأرجح أنه لن يتم تكليف الحريري بتشكيل حكومة جديدة، كما أن حزبي القوات اللبنانية بزعامة سمير جعجع والتقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط لن يشاركا في حكومة جديدة ضمن الوضع الحالي، ما يعني أننا أمام واقع سياسي جديد في لبنان».

يتوقع صاغية في نهاية حديثه مع الجمهورية أن تتواصل الاحتجاجات في عموم لبنان، وهو يرى أنها ربما تتصاعد أيضاً، ما لم يتغير موقف الجيش وينخرط بشكل فاعل في عمليات قمع الحراك، وهو الأمر الذي سيقود البلاد إلى سيناريوهات أخرى لا يمكن توقّعها الآن.

جاءت استقالة الحريري إعلاناً لنهاية التوافقات التي كان قد عقدها مع التيار الوطني بزعامة ميشال عون وجبران باسيل، وهي التوافقات التي أمنت الغطاء الميثاقيّ لحكومة يهيمن عليها سياسياً تحالف حزب الله مع التيار العونيّ، وتنتهج سياسات اقتصادية مدمرة أبرز معالمها الهدر والفساد وإغراق لبنان في مزيد من الدين العام بالتزامن مع تدهور مستمر للأوضاع الاقتصادية والخدمية. وإذا كان حزب الله وحلفاؤه يستطيعون نظرياً الذهاب إلى تشكيل حكومة اعتماداً على الأغلبية النيابية التي يحوزون عليها، فإن هذا الخيار سيعني تحدياً للشارع المنتفض من جهة، وسيعني من جهة أخرى أن حكومة لبنان قد باتت بالكامل تحت هيمنة حزب الله ما قد يجعلها عرضة لعقوبات غربية قاسية، وهو بالتالي خيارٌ يبدو أقرب إلى الانتحار السياسي في بلد متأزم سياسياً واقتصادياً، ويشهد حركة ثورية غير مسبوقة في تاريخه الحديث.

يبدو واضحاً أن المتظاهرين اللبنانيين مستمرون في ثورتهم، التي أنتجت وقائع جديدة أبرزها إثبات أن سلطة تحالف أمراء الطوائف ليست قدراً لبنانياً لا يمكن تغييره، وأن الشعب اللبناني قادر على خوض نضال مشترك واسع عابر للطوائف والمناطق، وأن ساحات لبنان وشوارعه ليست ملكاً للسلطة وأحزابها وخطابها. وبالمقابل، لا يبدو أن النخبة السياسية اللبنانية مستعدة للتسليم بهذه الوقائع الجديدة ونتائجها بسهولة، ولذلك فهي ستواصل مزيج الترهيب والقمع والمناورات، بانتظار أن ينجح كفاح اللبنانيين في خلق مزيد من الوقائع الجديدة.