المجتمع بعيون تنظيم الدولة الإسلامية

عندما يُقدِمُ شابٌ في مقتبل العمر على تفجير نفسه وترك أهله وحياته وراءه، يستغرب كثيرون من هذا التصرف، في حين يستغرب الشاب نفسه من عدم انصياع وطاعة المسلمين لقادة التنظيم وأمرائه. كيف يقنع تنظيم الدولة الإسلامية الشباب بالانضمام إليه؟ وما هي الفئات المستهدفة من المجتمع؟

يحاول هذا النص الإضاءة على تقسيم المجتمعات البشرية من وجهة نظر تنظيم الدولة الإسلامية، بين حكوماتٍ وتجارٍ تابعين أو معارضين للحكومات، وبقية المواطنين الذين يطلق عليهم التنظيم مصطلح «العامة».

كيف يعمل التنظيم في خطابه الإعلامي على إقناع «العامة» بقتال وتهديد الحكومات، ومن هم الذين لا يريدهم التنظيم بين صفوفه؟

*****

منذ نُشِرَ فيديو مصور يظهر فيه الزعيم السابق لتنظيم دولة العراق الإسلامية أبو مصعب الزرقاوي وهو يوجه خطاباً قبل ذبح الرهينة الأمريكي نيك بيرغ، وإعلانه فتاوى تنص على قتل عوام المذهب الشيعي واستهداف أسواقهم في المحافظات العراقية الجنوبية، ومقارنة شيعة العراق بقوات الاحتلال الأمريكي، تدور في أذهان كثيرٍ من المتابعين تساؤلات عن ماهية المنتسبين لتنظيم الدولة الإسلامية الذي يُعدُّ أبو مصعب الزرقاوي مؤسسه، وعن كيفية إقناعهم بخطاب التنظيم ورؤيته.

يعمد تنظيم الدولة الإسلامية إلى تقسيم المجتمع إلى ثلاث فئات، فئتان مستقلتان متضادتان، وثالثةٌ تتراوح بينهما:

الفئة الأولى: الأنظمة والحكومات

يرى تنظيم الدولة الإسلامية أن الأنظمة الحاكمة في جميع الدول العربية والأجنبية كافرةٌ من وجهة نظره الشرعية، كونها لا تحكم «بما أنزل الله»، مستدلاً بالآية القرآنية من سورة المائدة: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون». جميع الدول التي تنضوي تحت مظلة الأمم المتحدة، والموقعة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، تُعدُّ كافرةً كونها ترجع في معاهداتها وقوانينها ودساتيرها للقوانين الوضعية، ومن ضمنها الدول العربية والإسلامية.

تتضمن هذه الفئة قوات الجيش والشرطة والوزارات والمؤسسات الحكومية، فكل موظف تابع للحكومات كافرٌ في عيون التنظيم وأتباعه، وباستناده على الآية السابقة يكفّر التنظيم حكومات العالم شرعياً، ويقنع بهذه الفتاوى الفئة الثانية التي سوف نتحدث عنها لاحقاً.

يعتمد التنظيم في خطابه حول حكومات الدول العربية والإسلامية على الآيات القرآنية، أما بخصوص الحكومات الأجنبية فإنه يغير من خطابه متناولاً الفساد والأزمات الداخلية التي تمر بها هذه الدول.

لا يرى تنظيم الدولة الإسلامية جدوى من توجيه رسائل الهداية والاستنصار للحكومات، بل خلافاً لخطابه الموجه إلى الشعوب، يهدد تنظيم الدولة الحكومات ويتوعدها بالمفخخات والعمليات العسكرية كما جاء في أول خطاب موجهٍ للحكومات على لسان أبو مصعب الزرقاوي: «أما أنت كلب الروم بوش أبشر بما يسوئك، وانتظر بعون الله أياماً عصيبة وستندم أنت وجنودك على اليوم الذي وطئت فيه أرض العراق واجترأت فيه على حمى المسلمين».

لم ينتهِ خطاب تهديد الحكومات والأنظمة بموت الزرقاوي، بل واصل التهديدَ كل من استلم سدة القيادة في التنظيم، من أبي حمزة المهاجر إلى المتحدث الرسمي السابق باسم التنظيم أبي محمد العدناني.

الفئة الثانية: الشعوب

بمجرد وصمِ فئة الحكام بالكفر وتهديدهم بالاسم، يكون التنظيم قد حصل على بطاقة عبور إلى العمل على إسقاط هيبة الدول، أو كما يسميها أبو بكر ناجي في كتابه إدارة التوحش: مرحلة النكاية والإنهاك، التي تعتمد على إسقاط هيبة الدول في عيون مواطنيها، من خلال استهدافها وتهديد الأمن القومي الخاص بهذه الدول سواءً كانت إسلامية أم أجنبية.

يطلق تنظيم الدولة الإسلامية على الشعوب في البلدان العربية والإسلامية، بل وحتى الأجنبية، مصطلح «الرعايا» أو «العوام»، مخاطباً إياهم بلسان الوصي والمخلص، كلٌ بلسان بلده وبالاستناد إلى مشاكل دولته مؤلباً هذه الشعوب على حكوماتها، كما جاء في خطاب مؤسس التنظيم أبو مصعب الزرقاوي في فيديو ذبح الضحية الأمريكية: «أما أنتن أمهات وزوجات جنود الأمريكان، فنقول لكنَّ إننا عرضنا على الإدارة الأمريكية مفاداة هذا الأسير ببعض الأسرى في سجن أبي غريب فامتنعَت... فنقول لكنَّ إن كرامة المسلمين والمسلمات في سجن أبي غريب وغيرها دونها الدماء والنفوس... ولن يصلكم منا إلا النعوش إثر النعوش والتوابيت تلو التوابيت ذبحاً على هذه الطريقة».

تنوع الخطاب الإعلامي الموجه للشعوب

لحشد الشعوب لصالح التنظيم وكسب تأييدها، والحصول على المساعدة عبر سلسلة خلايا تابعة له تقوم بتسهيل سفر المنضمين الجدد، يعتمد التنظيم على خطابٍ عام، وعلى خطابٍ خاصٍ يختلف باختلاف أوضاع الشعوب في كل دولة من الدول. وهكذا فإنه في حين يخاطب المسلمين في مصر يعتمد التأليب على حكومة السيسي باعتبارها موقعةً على اتفاقيات مع الكيان الصهيوني، بينما يخاطب أهالي الجزائر مثلاً بخطاب آخر مستغلاً المشاكل السياسية والأزمات فيها.

يكون الخطاب الإعلامي مدروساً وموجهاً بلغة وخصوصيات هذا البلد أو ذاك، وقد ذكرَ أبو مصعب السوري ذلك بوضوحٍ في كتابه المقاومة الإسلامية: «لا يجوز لنا تجييش أبناء الجزيرة العربية بحجة الفقر والعاطلة الموجودة في الجزيرة، في حين نستطيع تجييش أبناء مصر بنفس الحجة».

جغرافيا الشعوب

المتابع لإصدارات تنظيم الدولة وأخبارها يجد أنهم يروجون لخطاباتهم الإعلامية بلغات أجنبية مختلفة، لكن التركيز يكون على بعض الدول والمناطق، وعلى أولوية انتساب أبناء هذه الدول دون غيرها.

لم يعلن التنظيم الخلافة الإسلامية عندما كان في صحراء الأنبار في العراق، رغم توافر شروط إعلان الخلافة وفقاً لفقه التنظيم الشرعي، لكنه أعلنها بعد دخوله إلى سورية. ولعل هذا يستند إلى ما جاء في الحديث النبوي: «عن عبد الله بن حوالة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستجدون أجناداً، جنداً بالشام، وجنداً بالعراق، وجندا ًباليمن.

قال عبد الله: فقمت فقلت: خِرْ لي يا رسول الله! فقال: عليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غدره، فإن الله عزّ وجلّ تكفل لي بالشام وأهله».

يركز التنظيم في محاولته تجنيد الشعوب إلى بعض الأحاديث النبوية المحددة التي تجد في أرض الشام، أي سورية ولبنان والأردن وفلسطين، مغناطيساً يجذب به الشباب، فالأحاديث النبوية التي تتحدث عن فضائل أهل الشام وفضل الجهاد فيها كانت كفيلةً بجذب العديد من المسلمين من دول عدة، فضلاً عن أنه أعلن الخلافة الإسلامية التي يجد فيها المسلمون في الدول المسحوقة المخلّص الوحيد مما تمرُّ به الأمة الإسلامية. كذلك يجد التنظيم في اليمن والمملكة العربية السعودية جغرافيا مناسبة لإعلان خلافته، وأرضاً خصبة لجذب شعوب العالم.

هذا ما ذكره عبد الله بن محمد في كتاب استراتيجية التخطيط، منوهاً إلى أن إعلان الخلافة لا يكون إلا في دول محددة، لما فيها من فضائل شرعية وموارد حيوية من أنهار وآبار نفط وأراضٍ زراعية.

أما عن الفئات العمرية المستهدفة فلا توجد فئة بعينها، جميعها مستهدفة ولكن بدرجات متفاوتة. يستهدف خطاب التنظيم الفئات العمرية كافة من الذكور والإناث، لكن اعتماد التنظيم الأول على الأجيال التي سوف تنشأ في مناطق سيطرته وتحويلهم إلى قنابل موقوتة.

يجد المتابعُ أن التنظيم يرسل عبر ترسانته الإعلامية رسائل تخاطب غريزة الشباب، فيجد المتابعُ إصداراً يظهر فيه خيلٌ عربيٌ وقهوةٌ عربية، وذبحُ خروفٍ بالقرب من نهر، وتُرفَق المقاطع المصورة بصوت شعر بدوي. هذا الخطاب يتضمن رسائل موجهة للشباب في الجزيرة العربية أي دول الخليج العربي، في حين أن التنظيم ينشر صوراً لسيارات أوروبية رخيصة الثمن بالمجان لعناصر التنظيم، مع ذكر عدم وجود مخالفات مرورية لعناصر التنظيم أنفسهم. يغرّد بعضهم: «هنا لا يوجد ضرائب مالية ولا فوائد مصرفية».

ذلك فضلاً عن الرسائل والمحادثات الصوتية عبر بعض الألعاب الكترونية مثل لعبة «Grand Theft Auto 5»، ويخبر عناصرُ التنظيم اللاعبين بأنهم يستطيعون تكرار ما يحدث لشخصيات اللعبة في العالم الحقيقي تماماً مثل عالم اللعبة، وبمجرد الانضمام إلى الدولة الإسلامية.

يجد التنظيم في الخطاب المتعلق بالأنثى سلاحاً فعالاً في التجنيد أيضاً، مستخدماً خطاب الأنفة والشهامة تجاه الأعراض والأنثى في التراث العربي، مستغلاً مثلاً بعض أبيات الشعر:

«ويح قومي كيف ينسون العذارى... يلتحفن الذل في سجن النصارى»

«كنتُ آملُ في أن تعودا... حاملاً بيديك البنودا فإذا يا أخي الله شاء... أن تُرى في العراق شهيدا يا ابن ديني لو ترى فعل الأعادي... بفتاةٍ نبيها خير العباد»

يكاد المتابع لشؤون تنظيم الدولة الإسلامية لا يجدُ أي عملية تبادل للأسرى أُدرِج فيها اسم أنثى على الإطلاق، وفي الوقت نفسه نتذكرُ الرتلَ العسكري الذي حركه التنظيم مطلع 2014 بقيادة أبو عمر الشيشاني أمير الحرب السابق للتنظيم، عندما حشد كثيراً من عناصر التنظيم تحت شعار «الثأر للعفيفات»، محاولاً كسب عواطف المدنيين السوريين بحجة ما ادعاه من اغتصاب الفصائل الثورية لبعض النساء المهاجرات.

كذلك فإن الأنثى سلاحٌ فعالٌ في الجهة المقابلة، وذلك عبر استخدام موضوع السبايا كما حصل في مسألة الأسيرات اليزيديات، إذ استخدم التنظيم هذه الأمر لاجتذاب الشبان الذين يعتقدون بمشروعيته، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تشكل عائقاً أمام الزواج.

الفئة الثالثة: رؤوس الأموال

لا يختلف أصحاب رؤوس الأموال عن الحكام في شيء من وجهة نظر «العوام»، أما من وجهة نظر التنظيم نفسه، فإنه يستفيد من بعضهم ويقتل بعضهم الآخر، وهو لا يقدم خطاباً واضحاً ومستقراً تجاه هذه الفئة، إذ يتقرب من بعضهم ويحاول استمالتهم على غرار ما يفعل مع العوام، ويكفّر بعضهم الآخر ويناصبهم العداء.

المالُ قوامُ كل تنظيم أو مليشيا، وكما ذكر ذلك عبد الله بن محمد بمذكرة التخطيط الاستراتيجي، لا يجوز الإعلان عن الخلافة دون معرفة مصادر التمويل ومدى استمراريتها. وقد يستميل التنظيم بعض أصحاب رؤوس الأموال لصفه من باب المصالح المشتركة بين الطرفين، مستغلاً وجود بعضهم لبيع منتجاته النفطية والزراعية في كل من سورية والعراق، وتوقيع عقود شراكة مع شركات عالمية لها مصالح في المناطق التي يسيطر عليها، كما كشفت وثائق موقع زمان الوصل أن هناك تواصلاً بين شركة لافارج الفرنسية وتنظيم الدولة الإسلامية عبر رجال أعمال محليين.

خاتمة

استفاد تنظيم الدولة الإسلامية من «الأخطاء» التي وقعت فيها حكومة طالبان وبعض الجماعات والأحزاب الإسلامية في العالم، ممن «تورطوا» حسب فقه التنظيم وبحثوا عن تشريع واعتراف دولي.

لا يسعى التنظيم إلى الحصول على اعتراف دولي، ولكن مع ذلك يمكن أن يكون هذا من بين خططه على المدى الطويل جداً، ودليل ذلك ما ذكره الصحفي جون كانتلي المعتقل لدى تنظيم الدولة، في مقال نشره في مجلة دابق التي يصدرها التنظيم: «قد يتم الاعتراف على الدولة  الإسلامية بعد عشرين عام، وهذه المدة الزمنية التي اعترفت فيها أمريكا بالاتحاد السوفيتي».

عدم الاعتراف بدولة التنظيم، وعدم سعيه إلى الحصول على هذا الاعتراف، يرفع من شعبيته في صفوف الشعوب المضطهدة من قبل حكوماتها، مصنفاً المجتمع إلى أصناف محددة، يقتل صنفاً لكي يصدقه صنف آخر، وهكذا تكون إدارة التوحش في العالم.