المخيلة المسكونة بالسلاح

 

المخيلة المسكونة بالسلاح؛ استهلمتُ عنوان هذا المقال من قصيدة خيال مسكون بالرصاص، للشاعر أحمد الباشا في ديوانه لم أتمدد يوماً على سكة القطار. كيف يحضر السلاح في الثقافة الجمعية والذاكرة البصرية للسوريين؟ كيف ينعكس حضوره على الشعر والفن؟ وعلى وجه أكثر دقة، كيف تَعامَلَ الفن والشعر السوريان مع موضوعة إشكالية، هي حضور السلاح في المخيلة الجمعية والممارسة الحياتية اليومية؟

ويمكن أن يكون «الخيال المسكون بالرصاص» عنواناً مناسباً لعدد من الأعمال الفنية التشكيلية التي تناولت هذه الموضوعة أيضاً؛ في لوحة للفنان خليل يونس، نرى جمجمة مصورة بالأشعة السينية، وفي داخلها يرتفع علم سوري من بين كومة من الأدوات الحادة والرصاص. إن الصورة الشعاعية للجمجمة السورية تُظهر لنا مقدار ما تخزّنه من أسلحة. كذلك تقدم لوحات الفنان فادي الحموي صوراً شعاعيةً لجماجم، تظهر بداخلها أسلحةً من أنواع مختلفة في كل مرة. في لوحة نرى داخل الجمجمة مسدساً، وفي لوحة أخرى مجموعة بنادق، وفي لوحة تالية نرى في قعر الرأس قنبلة.

السلاح يقتل حامله

 في ديوانه لم أتمدد يوماً على سكة القطار، يكتب الشاعر أحمد الباشا عن لا جدوى السلاح، لأنه مردود على مستعمله في نهاية المطاف: «ظلّك مثلك، متى حملت السلاح، حَمَله». يشهر الظل السلاح في وجه حامله، في صورة شعرية تقول إن اللجوء إلى السلاح فعل عبثي، أو أنه حلقة مفرغة من تكرار التهديد والعنف؛ الظلّ يوجه السلاح إلى صاحبه، الذي يفعل الشيء نفسه.


في قصيدة المجاز لقاتل، يتطرق النص الشعري أيضاً إلى موضوعة السلاح: «أيها السلاح، أبعد يد البشري عنك». ثم تتابع القصيدة بأن السلاح هو من يقود حامله، وليس العكس. يوهم السلاح صاحبه بأنه أداة تابعة ومُنفذة للأوامر، بينما الحقيقة التي تكشفها القصيدة أن الإنسان المسلح هو المُنقاد لخيار السلاح. تتقدم القصيدة لتجعل من حامل السلاح ضحيته الأولى: «أثرُ الجريمة دمعي، مقبرة صرت دون جسدي».

تظهر فكرة لعنة السلاح التي تصيب حامله في الفن التشكيلي أيضاً. في أعمال الفنان خليل يونس مقاربة مفاهيمية مشابهة لما جاء في قصيدة الباشا؛ القصيدة تقارب الموضوعة لغوياً، واللوحة تقاربها بصرياً. يقدم خليل يونس لوحتان في هذا الصدد، في الأولى نرى رجلاً يحمل بندقية بينما رأسه ينفجر متلاشياً؛ إن السلاح يُفجّر رأس حامله. في اللوحة الثانية يطلق رجلٌ النار من مسدس إلى رأس رجل آخر، لكن رأسيّ كليّهما، حامل المسدس والضحية، متلاشيان منشطران؛ لا تفجّر الطلقة الخارجة من المسدس رأس الضحية فقط، بل رأس مطلق النار أيضاً.

الجسد والسلاح

 تقدم الفنانة سلافة حجازي مجموعة من الرسومات الرقمية، تعالج فيها مفاهيمياً موضوعة الجسد والسلاح. أجساد شخوص رسوماتها تحوي السلاح كأحد أعضاء الجسد، في لوحةٍ نجد أن القضيب الذكري هو بندقيةٌ منتصبةٌ لرجل يمارس الإستمناء، وفي أخرى نرى أنف الشرطي بندقيةً موجهة إلى رأس مواطن، وفي ثالثة نرى البندقية رحماً يحمل جنيناً. كذلك يتقيأ الفم دبابات تسير خلف بعضها بعضاً، في عمل آخر. هي تنويعات من علاقة الجسد والسلاح، يكون فيها السلاح عضواً من أعضاء الجسد أو من مفرزاته. هي إدانة مفاهيمة لحضور السلاح في المخيلة الجمعية، إلى درجة تحوله إلى عضو من أعضاء الجسد.

يتداخل الجسد مع السلاح أيضاً في مجموعة لوحات للفنان محمد عمران، الذي يبتكر عالماً فانتازياً يتداخل فيه العضوي مع الميكانيكي؛ تتداخل الجنازير الحديدية للدبابات مع الأذرع البشرية، يتحول القضيب الذكري إلى فوهات بنادق وفوهات دبابات ومنصات إطلاق صواريخ، وتتحول الطائرة المروحية العسكرية إلى وجه إنساني. الجسد والسلاح يتداخلان لتكوين العالم الفانتازي الذي يقترحه الفنان، فتتراكب الأعضاء الجسدية مع الماكينات، الآلات، وأنواع متعددة من الأسلحة.

في مثال آخر، في لوحة بعنوان «كم كيس دم بالساعة تحتاجون؟»، يجعل الفنّان أمجد وردة الدبابة جسداً، وبدلاً من ملء خزانها بالبنزين، يُملأ بالدم. السلاح يقتات على الدماء البشرية.

بالعودة إلى في قصيدة خيال مسكون بالرصاص لأحمد الباشا، يتحول أحد أعضاء الجسد، وهو العين، إلى سلاح أيضاً، ليدلل على الجسد المهمل في خضم العنف: «هكذا باتت أعيننا، رصاصات فارغة، تشغل هذا الفراغ». تتحول العين إلى بقايا سلاح، لخدمة صورة شعرية هدفها التعبير عن الوجود المهمل، عن الفراغ.

 

 

أنواع السلاح

تتعدد أنواع الأسلحة التي تحضر في الشعر السوري، في القصيدة ذاتها لأحمد الباشا تحضر الطائرات الحربية. من كل ما يحمله هذا السلاح من رعب وتدمير وترهيب، فإن الشاعر يختار أن يصف أثر الصوت، أثر صوت الطائرة على الروح: «صخب الطائرات جعل من أوراحنا سماء بعيدة».

تحضر الطائرات أيضاً في الحكاية – القصيدة التي ينهي بها أحمد الباشا ديوانه؛ تُروى لنا حال البلاد من خلال حكاية عاشق وحيد يقف حائراً في حب حبيبته على سفح جبل قاسيون، تحضر الطائرات والقذائف كجزء من المشهد العشقي: «يتأمل أضواء الطائرات البعيدة: تحبني، لا تحبني، تحبني، لا تحبني. استيقظت المدينة كلها، ولم يتسن له أن يعرف الحقيقة، لم يكن جندياً، ولم يتعب نفسه في معرفة الطائرة الوطنية من المعادية، رأى القذيفة على بعد سنتيمترات قليلة عن وجهه، وسبح بعدئذ، مع المناديل المهملة في مجرى بردى». ينتهي الديوان بنا مع هذه الحكاية، التي تجمع كل الرموز المطلوبة للتعبير عن حال البلاد، عاشق يتحزر على وقع الطائرات عواطف حبيبته، وهو ليس جندياً، ليس معنياً بأي الطائرات معاديةٌ وأيها وطنية، تعالجه قذيفة، تجعل مصيره كمصير المنديل المهمل في مجرى النهر.

يرسم الفنان ياسر صافي لوحتين عن سلاح البراميل المتفجرة، وهو سلاح عُرف بشكل خاص خلال الحرب السورية. في كلا اللوحتين تتطاير أجساد إنسانية في الهواء من فوق البرميل أو بجانبه، ومن بين الأجساد يركز الفنان على الجسد الطفولي.

النحّاتة صفاء الست أيضاً تقدم منحوتة من برميل وكتلة حديدية على شكل فتاة منصوبة فوقه.

السلاح الكيميائي يتسلل عبر هواء القصيدة

يحمل ديوان الموت كما لو كان خردة للشاعرة وداد نبي حضور سلاح جديد في الحرب السورية، السلاح الكيميائي. في قصيدة تحمل عنوان احذروا الهواء في الغوطة الشرقية، يقدم الله استقالته حسب تعبير الشاعرة، ليسمح لغاز السارين بتسلق الهواء والجدران، وبإجبار الشمس على الأفول خجلاً من صرخات الأطفال، يحضر الأطفال بشكل خاص كضحايا لهذا السلاح الفتاك:

في الغوطة الشرقية

يقدم الله استقالته

لموت بربري يحصد

رئات نائمة.

 في الغوطة الشرقية

يتسلق غاز السارين فجراً

الهواء

الجدران

الأشجار

وجوه الأطفال.

في الغوطة الشرقية

تسقط العصافير كطائرات

أصيبت بمحركها

فتتهاوى إلى المقبرة بنصف ريشها

وشهيقها الأخير.

في الغوطة الشرقية

تخجل الشمس من الشروق

أمام صرخات الأطفال من سمائهم البعيدة

احذروا الهواء

احذروا الهواء.

 

مع هذه الفقرات من القصيدة نتلمس حضور لغة وصفية جديدة لم تحضر مع الموت في أنواع الأسلحة الأخرى. يتطلب السلاح الجديد مفردات تعبيرية جديدة مختلفة عن الرصاص والدخان، هنا: رئات نائمة يحصدها موت بربري، يتسلق الغاز على الجدران، العصافير تسقط مباشرة إلى المقبرة، ووجوه الأطفال الضحايا ترحل إلى سماء بعيدة، وهي تنبه لما وصلت إليه آليات القتل: (احذورا الهواء). ببساطة، وبمباشرة، بحثت الشاعرة عن الإمكانية اللغوية لأجل وصف أثر سلاح جديد.

كذلك تنتقل بنا لوحة للفنان محمد المفتي إلى السلاح الكيميائي. الإنسان الواقف في عمق اللوحة يرتدي بدلة رسمية ويلبس قناعاً واقياً من الأسلحة الكيميائية، يقف خلف مزبلة عليها شعار الأمم المتحدة. هكذا يدين الفنان أداء الأمم المتحدة في حماية المدنيين السوريين من السلاح الكيميائي، وهكذا تتنوع الأسلحة بين القصائد واللوحات: الرصاص، البندقية، القذيفة، البراميل المتفجرة، الطائرات الحربية، والسلاح الكيميائي.

الفن في مواجهة السلاح

الإهداء الذي يقدمه الشاعر عمرو كيلاني في بداية ديوانه، إذا قفزتُ عن السياج ولم أُصَب بأذى، يحمل تحية إلى نوع خاص من البشر: «إلى من كان سلاحهم تعويذة الغناء والرقص يجابهون بها إيقاع الرصاص الرتيب... إلى موسيقاهم من مقام لا الكبير»؛ إلى أولئك الذين يجابهون قوة السلاح بالفنون، ويقابلون الرصاص بالرقص والموسيقى.

كذلك، يواجه الفنُّ السلاحَ في ديوان الدرب مسامير للشاعرة منار شلهوب. عنوان القصيدة الأولى من الديوان يحمل اسم الشاعرة نفسها، أي منار، تعرّفنا فيها «منار القصيدة» عن نفسها بأنها تلك التي تواجه البندقية بإطلاق موال العتابا. وفي قصيدة تعب وعتب، تحاول الشاعرة أن تتجاوز الحرب وتعيش نشوة الحب، فتتجاهل ثقوب الرصاص في ساعديها، وتغني. مرة أخرى التأكيد على قيمة الغناء أمام السلاح، الفن أمام المأساة: «وبملء صوتي أغني، وبملء صوتي أسكت حوامات الطائرات». هو إيمانٌ بقدرة الغناء أمام الطائرات.


الحب في مواجهة السلاح

نبقى مع ديوان الدرب مسامير للشاعرة منار شلهوب، التي تنوّع في التعبير عن موضوعات الحب الحرب والسلاح، وتتجلى تنويعاتها بأبرز تعقيداتها في قصيدة سأصادق الحرب، التي تقرّر الشاعرة فيها مصادقة الطائرة الحربية للوصول إلى الحب؛ «سأصادق الحرب، وأجمع كل طائراتها، وأكتب على أجنحتها، أحببتُك والحرب مشتعلة». في قصيدة وأنتظر، تنقضُ  الشاعرة على الرصاصة، دون خوف، لتمنعها من قتل النور في داخلها. وفي قصيدة سكاكر تصف الشاعرة سورية سوداء اللون، مكللة بالحزن، تصفها بالبلاد التي لا تبيع سوى الرصاص، ولا يمكن فيها إيجاد السكاكر. الحصول على سلاح في بلاد العنف أسهل من الحصول على السكاكر.

أيضاً يظهر الحب في مواجهة الحرب، في قصيدة طرد بريدي مستعجل للشاعرة وداد نبي. في هذه القصيدة اللجوء إلى اسم الحبيب هو الخلاص من خطر المعتدين، فاسم الحبيب كالسياج الحامي أمام هجمات أقدام من البارود: «اختبأتُ بإسمِكَ، حين بحث عني القتلة، ليقنصوا الحرية من شفاه قصيدتي، كان اسمك سياجاً شائكاً أمام أقدامهم المدججة بالبارود».

الطفولة والسلاح

يخصص الفنان مهند عرابي معرضه، بعنوان لم يعد الأمر متعلقاً بي، لموضوعة الطفولة والحرب. وقد استجدّت في الثقافة السورية نتيجة الحرب بصريات الطفولة المسلحة، وهذا ما يتناوله في لوحاته التي تقدم أطفالاً في حالات إنسانية مختلفة، لكن في اثنتان منها يحمل الطفل بندقية، وفي لوحة أخرى يُستبدل فيها أنف الطفل بالقذيفة. إن القذيفة تحل مكان الأنف في وجه الطفل، في إدانة أولاً إلى الأذى الجسدي الذي يسببه السلاح للطفولة، وثانياً إلى غرق الطفولة في عالم الصراع المسلح.

السلاح والمقدّس

 في الفيديو آرت المقدس والمدنس، تنتقد الفنانة إيلينا عامر موقف الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة من الحرب في سوريا؛ تقول الفنانة: «لقد بارك المقدس ما هو ملوث، أي السلاح». في الفيديو، تجلس الفنانة على كرسي عالٍ شفّاف، يوحي للناظر إليه بالسُلطة، مُرتديةً لباس القدّاس الكنسي الأبيض، وفي حضنها وعاء معدني هو جرن الماء المقدس المستعمل في الكنيسة، حين تشرب منه تبول مياهاً على بندقية تنتصب تحتها واقفة على كعبها. غاية الفيديو هي لفت انتباه المتلقي على التداخل بين المقدس والسلاح في الحرب السورية، حيث سَخَّرَت كل السلطات الدينية الخطاب المقدس لحضّ المقاتلين على حمل السلاح. 

السلاح والخراب

 في ديوان مرّت الحرب من هنا للشاعرة رولا حسن، نتابع آثار الأسلحة على المدينة، ولكن أيضاً على القصيدة. تستعمل الشاعرة صوراً مستمدة من مفردات السلاح لوصف حال البيوت المهدمة، الدمار، والخراب. يدخل الرصاص في تكوين الطبيعة، فالغيمة تمطر رصاصاً، والخراب سيزهر:

وحدها غيمة الرصاص

تمطر

ألفة البيوت

التي تتهدم

تسقط

في قلبي.

الأهل يوضبون ذكرياتهم

في العيون

بينما حياتهم

تتكسر على الدروب 

في مقطع شعري آخر، الرصاص له خواص العشب، فيَنبتُ الخرابَ باستمرار وكثافة. الخراب الذي يسببه السلاح هنا ليس على أثر المدينة، ولكن على أثر الأفراد، جوانياتهم، بواطنهم:

الحرب

طاحونة دائمة الدوي

في رأسي

الرصاص

حولي ينبت

كالعشب.

حين تقترب القصيدة من نهايتها، يبلغ الدمار العمراني والنفسي أوجه، وذلك حين يكتسب الإنسان صفات من السلاح؛ «تلك المرأة، تلاحقني، لصوتها رائحة البارود، في عينيها مدن منهوبة».

السلاح والذاكرة

بفرادة، تتطرق الشاعرة وداد نبي إلى موضوعة المجزرة والذاكرة. ستحتل المجزرة كامل ذاكرة المدينة، ورائحة الضحايا ستختلط مع الأغاني، حتى تصبح الذاكرة عبئاً، تطلب الشاعرة الخلاص منه. المجزرة لا تأبه بالأسماء وبالذاكرة، بل بالأسلحة، بالسكاكين والمقابر:

ليس للمجزرة أسماء وذاكرة فحسب

للمجزرة سكين حاد يفقأ قلبك

ويتركك كحجر شاهد قبر بلا اسم

أمام المقبرة

وتظل المجزرة تبتسم وتبتسم

حتى تلتقط لها صورة حزينة

حزينة

كقلبك القتيل.

هذه تنويعات على حضور السلاح في المخيلة الإبداعية السورية، حاولنا رصدها في فن الشعر، والفنون التشكيلية المنتجة منذ عام 2011. فالفن يعكس التجربة الاجتماعية في العلاقة مع موضوعة السلاح وحضوره في الثقافة السلوكية والبصرية، ليعالجه لغوياً عبر الشعر، بصرياً عبر اللوحة والصورة، وسينمائياً عبر الكاميرا. إن المخيلة المسكونة بالسلاح هنا إبداعية - نقدية، وليست عنفية.