المسلسلات السورية التاريخية: بين مقاومة الاستعمار وانتهاك الجسد

 

للمسلسلات التاريخية على أنواعها شعبيةٌ في كافة أنحاء العالم. بعض هذه المسلسلات يُصوِّرُ أحداثاً تاريخيةً محددة، والبعض الآخر مُتخيَّل تماماً يختلق الشخصيات والحبكة ويضعها في إطار مستوحى من الماضي. لكن مهما ابتعدت هذه المسلسلات عن الواقع أو الحدث التاريخي الموثَّق، فهي تحاكي مسائل سياسية واجتماعية آنية. مثلاً، يتغنى اليمين المتطرف في الغرب بالمسلسلات المستوحاة من العصور الوسطى، التي باتت تُتَخيَّلُ في كثير من الأحيان لا على أنها زمن الانحطاط الغربي، بل كزمن غني بالأصالة والرجولة، على افتراض أن المجتمعات الأوروبية كانت آنذاك بيضاء خالية من أصحاب البشرة السمراء والمهاجرين غير المرغوب فيهم. المسلسلات التاريخية إذن هي جزءٌ هام من الثقافة الشعبية التي تبني صورةً للهوية الجماعية. ويحتاج تكوين الهوية، إن كانت فردية أو جماعية، إلى رواية قصة معينة. أهم جزء من هذه الرواية هي البداية، لأن بداية أي قصة تُحدِّدُ «الأصل» الذي يكثر استخدامه عند الحديث عن الهوية.

وبينما قد تُتَّهمُ هذه المسلسلات التاريخية بأنها تمثل هروباً من الحاضر، إلا أنها فعلياً تحاكي الحاضر أكثر من الماضي. في تركيا مثلاً، هناك صراع على تخيل أصل القصة الوطنية التركية؛ هل تبدأ بإنشاء الجمهورية العلمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك؟ أم بفتح الأناضول والحقبة العثمانية؟ وكيف يتم تخيل العلاقة بين هاتين «البدايتين»؟ الإجابة ليست سهلةً بالتأكيد، وهي محطُّ صراعٍ بين الأتراك. وتشكل المسلسلات التركية التاريخية جزءاً من الحلبة الثقافية والشعبية لوجهات النظر المتجابهة.

في سوريا، لطالما كانت المُخيلة التاريخية جزءاً هاماً من الإنتاج الدرامي، بدءاً من التسعينات وبدايات ما سُمي لاحقاً «الفورة الدرامية». ورغم اختلاف المسلسلات وطروحاتها، إلا أن معظمها يستلهم مادته من فترات الصراع ضد المستعمر والمحتل أواخر الحقبة العثمانية أو خلال فترة الانتداب الفرنسي. وفي الحالتين، تصور هذه المسلسلات الصراع ضد المحتل كجزء من الحبكة أو تضعه على الأقل في السياق الحياتي للشخصيات. فيمكن القول إن المسلسلات التاريخية السورية، أي التي تطرح الماضي كسياقٍ لها، هي بنت «الصراع ضد المحتل» كبداية، أو كالقصة الأصل للهوية الجماعية السورية. من هذا المنطلق، وعبر نظرة تشمل الفترة الممتدة من التسعينات إلى عام 2010، سأبحث في هذا المقال عن أبعاد التركيز على الصراع ضد المحتل كبداية للسيرة الجماعية السورية، وذلك عن طريق التركيز على سياق الزمان والمكان والشخصيات في المسلسلات التاريخية وتحليل تصوير انتهاك المحتل لأجساد السوريين، وسأعطي في ذلك أمثلة من عدة مسلسلات.

علينا القول بدايةً إن الاستلهام من فترة ما قبل الاستعمار ليس أمراً مستغرباً في سياق الدول التي تشكّلت على يد المستعمر. فكما قال المفكر إدوارد سعيد: «تبحث البلاد المستعمَرة عن، بل تحتاج إلى، ملاحم وأبطال من مراحل ما قبل الاستعمار لتتخيل مستقبلاً لها وتبنيه»1. في الحالة السورية، معظم المسلسلات التاريخية المحلية لا تركّز على فترات ما قبل الاستعمار بالمقارنة مع  اللحظة المُتخيّلة لمجابهة المحتل، المليئة بالشهامة والنخوة، والتي يُتخيّل أن بناء دولة جديدة سيتم على أساسها.

قبل تحليل هذه الظاهرة، يجب الالتفات أيضاً إلى علاقة الدولة السورية بإنتاج المسلسلات. فتقول الباحثة دوناتيلا دلاراتا، إنه مع الخصخصة المفترضة لقطاع إنتاج المسلسلات في تسعينيات القرن الماضي، واكتساب المنتجين والمخرجين هامشاً من الحرية لتنفيذ أعمالهم الفنية، اتبعت الدولة السورية «استراتيجية الهمس» مع قطاع إنتاج المسلسلات. فأعطى ممثلون عن الدولة والمخابرات الخطوط العريضة وكأنهم يهمسون حدود الممنوع والمسموح والتوجهات العامة للبلد، كطريقة للتأثير على القطاع. ورغم أنه من المبالغة اعتبار المسلسلات وكأنها بروباغندا رسمية، إلا أنها تُعبِّرُ، بحسب دلاراتا، عن رؤية معينة «تحبّذها الدولة، وقد تجنّدها لمصلحتها وفي سياساتها». 

من جهتها، تعتبر الأكاديمية ربيكا جوبين أن الكُتّاب والمخرجين السوريين اكتسبوا خبرة الحفاظ على استقلاليتهم ورفض أي ضغوط». فيما تشير الأكاديمية كريستا سلماندرا إلى أن الإنتاج المشترك وتأثير الأموال والأسواق الخليجية «أدى إلى دفع قيم محافظة في المسلسلات السورية وتجنب أي موضوع قد يؤدي إلى خدش حياء أي مجتمع عربي. فبات العديد من المسلسلات يتجنب إثارة الجدل من أجل كسب الربح، وطُرحت مواضيع تمثّل القاسم المشترك الأدنى لمعايير الأنظمة والمجتمعات العربية، خصوصاً الخليجية منها2.

أما من ناحية تصوير الهوية الوطنية السورية عبر تخيّل الماضي، فهناك العديد من الحساسيات والخطوط الحمر. فمن المعروف أن استعمال الزمن القريب كخلفية للمسلسلات، كحكم البعث في سوريا مثلاً، هو أمرٌ شائكٌ وحساس. وإذا كان يُفترض من المسلسل أن يسعى لتجنب التفاعل مع السياق الزمني بشكلٍ ناقد، فمن الأجدر أن يكون عن الحاضر وأن تنحصر حبكته على العلاقات الاجتماعية خلال زمن إنتاجه. وقد أخذت بعض المسلسلات التاريخ الأبعد بقليل، أي ما بعد الاستعمار وما قبل البعث، كسياقٍ لها. وكانت مسلسلات مثل خان الحرير (الذي يصور حلب في الخمسينيات) وحمام القيشاني (دمشق من زمن الاستعمار إلى العام 1963) من أهم المسلسلات السورية التي بيّنت التعددية السياسية في البلد والحوار والصراع السياسي لأيديولوجيات واتجاهات سياسية مختلفة.

ولكن الفترة التي هيمنت على المسلسلات هي التي تصور فترة الصراع مع المحتل قبل إنشاء الدولة المستقلة، أي فترة الأحلام المستقبلية لبناء وطن مستقل. وزعمت الكاتبة جنيفر ونزيل أن أحد تفسيرات التركيز على الصراع ضد المستعمر في مُخيلة المجتمعات التي تعرضت للاستعمار يعود إلى الحنين إلى «الوضوح الأخلاقي» لهذا الصراع3، الذي يكون فيه أهل البلد مقاومين أخيار، والغرباء أو العملاء من الأشرار، دون أي تعقيداتٍ أخرى. ورغم أن هذه المسلسلات مُفعمة بالحنين للحارات والبيوت القديمة والعلاقات التقليدية بين الرجل والمرأة والطعام والأغاني التقليدية، إلا أنه من الممكن رؤية الحنين الأكثر حضوراً لبساطة التركيبة السياسية. تتخيّل هذه المسلسلات معادلةً تصور شعباً موحداً ضد محتلٍ غاصب، وهي المعادلة الحاضرة في سوريا عبر الإعلام والفن ومناهج تعليم التاريخ، والتي تبني فكرة الوطن بشكلٍ رومنسي مُبسَّط. فالوطن، بحسب رؤية العديد من المسلسلات التاريخية، هو ما ضحى لأجله الشهداء وخانه العملاء، ويقتصر على فكرة مُبهمة يطمع بها الأعداء. أما مسألة من هم السوريون، وما الذي يجمعهم تاريخياً أو يفرق آراءهم وأساليب حياتهم، فهي أمور لا تبدو مهمة لأن الوطن يُصوّر كحلم الغد وكفكرة مستقبلية، لا كسياقٍ لحياة السوريين بكل مشاكلها وتعقيداتها.

وإذا كان الوطن مطروحاً كفكرة لا كواقع، يُتخيَّلُ الشعب أيضاً على أنه عبارة عن شخصيات نمطية متزعزعة ومعرّضة للانتهاك. فشخصيات المسلسلات التاريخية، التي يُفترض أن تمثل الجسم السياسي الوطني المُتخيّل، هي دوماً عرضة للانتهاك من المحتل، لتصبح بذلك وعاءً للسيادة الوطنية، وتكون المعادلة بذلك أن انتهاك السيادة هو انتهاك أجساد السوريين، والعكس بالعكس. ورغم أن الجميع مُعرَّض للانتهاك، إلا أن المرأة هي الأكثر عرضةً لذلك، لأنها عاجزة عن الدفاع عن نفسها إلا عبر نخوة الرجل الذي يمارس سيادته على جسدها في البيت، بينما يصون سيادة الوطن في الحارة. وتقول الكاتبة يوفال دايفس إن الحركات القومية لطالما اعتبرت جسد المرأة كرمز للوطن، على افتراض أن المواطن المثالي يحمي حدود الوطن عبر السيطرة على جسد المرأة4. نرى هنا إذن بُعداً آخر للتركيز على حقبة مجابهة الاستعمار في المسلسلات التاريخية، يتمثّل في سهولة طرح نمط جندري يُعمّم فكرة المجتمع الأصيل: هو صاحب نخوة ومقاوم، وهي معرضة دوما للانتهاك من المحتل. 

يُعَدُّ مسلسل أيام شامية (1992) أول المسلسلات التي أسست هذه المعادلة. تمتّعَ المسلسل بشعبيةٍ كبيرة، وكان من المسلسلات التي أطلقت ما عُرف بمسلسلات البيئة الشامية التي تتّخذ حارات دمشق القديمة كخلفية للحياة الاجتماعية في أوائل القرن العشرين. عزّز هذا المسلسل الشغف السوري بفكرة الأصالة، وبحسب كريستا سلماندرا، فقد توّج المسلسل التركيز على دمشق القديمة كمركز لاستهلاك فكرة الأصالة، وشجّع موجة فتح مطاعم وفنادق وحانات في حارات دمشق القديمة لعقود قادمة. أما بالنسبة لحبكة المسلسل، فقد كرّس «أيام شامية» أيضاً أهمية التمثيل الجندري في القصة الوطنية، بالإضافة إلى تصوير الحارة وكأنها مجتمع مغلق ومعزول بحد ذاته، مُعمِّمَاً فكرة أن للحارة زعيم تتأصّل فيه قيم الوطنية والنخوة والرجولة. وفي إحدى تعقيدات الحبكة، يصور المسلسل اغتصاب جنديين تركيين لبنت بائع البيض «أبو أحمد»، الذي حين عرف بالاعتداء ذهب إلى الزعيم ليجد حلاً لـ«مُعضلته»، لإدراكه أن الاغتصاب ليس انتهاكاً لابنته أو لشخصه فحسب، وإنما مشكلة تمسّ الحارة كاملةً. اقترح أبو أحمد قتل ابنته، لكن الزعيم قرر بدلاً من ذلك تزويجها لأحد أبنائه (ليُطلّقها لاحقاًَ)، وخطط أيضاً لعملية الانتقام وقتل الجنديين التركيين على يد رجال الحارة حتى تُستعاد كرامة الحارة/الوطن.

وإذا كان الزمان المتخيّل المفضَّل هو زمن مجابهة الاستعمار، فالمكان المفضل للمسلسلات التاريخية السورية هو حارات دمشق. غير أن حارات دمشق لا يتم تصويرها على أنها حارات تذوب في عاصمة أو مدينة، فلكلّ منها مجتمع متكامل ومغلق. وعبر الابتعاد عن الواقع، صارت حارات الشام لا تمثّل أي حارة أو قرية في سوريا أو حتى بلاد الشام فحسب، بل امتدت لتمثّل أي حارة أو قرية على صعيد العالم العربي كله، وكأن تصوير الحارة مرتكز على التشابه ومنع تمثيل الاختلاف، وهذه النقطة أشار إليها عدد من النقاد السوريين. يطمس هذا التصوير أي فروقات أو مصالح متنافسة بين المدن السورية أو بين الريف والمدينة. أما بالنسبة للمجتمع، فمعظم المسلسلات في هذه الفترة تُصوِّرُ الشخصيات على أنها مُسلمة ومن الطائفة السنية، ليس لأنها تتبنى هذه الهوية، بل لأن الهوية المسلمة تُصوَّر على أنها الهوية العادية والطبيعية لأهل الشام. وأي شخصية غير مسلمة تُطرح في الغالب وكأنها تمثل الآخر القادم من خارج الحارة، وكأنه ضيفٌ مُرحَّبٌ به. وهنا يمكن مقاربة هذا التمثيل في سياق العلاقة المعقدة بين الإسلام والدولة في سوريا، كما تعكسها الدولة بسياستها التواصلية، والتي باتت تستخدم رموزاً إسلامية بشكل متزايد كمصدر لتعزيز الشرعية، بحسب الأكاديمية رهف الدوغلي5.

غالباً ما يغيب في المسلسلات التاريخية تصوير التعددية أو اختلاف طرق الحياة أو التقاليد أو الآراء السياسية للجماعات السورية. فبينما رَكَّزَ الجمهور على ما تُذكِّرنا به مسلسلات البيئة الشامية، غابت فكرة ما تُنسينا إياه. فمن يرى تصوير المجتمعات المنصهرة في المسلسلات قد يستصعب إدراك أنه في سنة 1860، مثلاً، شهدت دمشق مجازر ضد المسيحيين الذين ذُبحوا في حاراتها القديمة. وكما نعرف من نظريات القومية، فالنسيان من أهم أدوات قيام القوميات، لأنّ تناسي الناس لما يُفرّقهم شرطٌ أساسي لـ«صناعة شعب» يناسب الدولة الحديثة، على حد تعبير الكاتب روجر سميث6.

من المعروف أن مسلسل «باب الحارة» هو أنجح مسلسلات البيئة الشامية تجارياً وشعبياً7. وقد كُتب الكثير عن المسلسل بكافة أجزائه التي أطالت حقبة الانتداب الفرنسي، وكأن التاريخ السوري بدأ بتلك المرحلة والتصق بها إلى الأبد. صوَّر المسلسل، خصوصاً في أجزائه الأولى، الحارة الدمشقية بطريقة كاريكاتورية وكأنها مهرجان للأصالة واستهلاك كافة الصور النمطية عن الحياة التقليدية. وقد أبَعد العمل مسلسلات البيئة الشامية عن أي واقع مكاني أو زماني، فتمّ تصوير الحارة على أنها مجتمعٌ ذو سيادة: لها باب يُفتح ويغلق، وزعيم يتولى السلطة وكأنه ديكتاتور محبوب وعادل بالفطرة بحكم كونه وُلِدَ «زغرتاً». هنا يمكن القول إن هذه الرؤية للمشهد السياسي في الحارة مناسبة للأنظمة العربية، إذ تتمتع الحارة بعلاقات اجتماعية طيبة بين الأغنياء والفقراء، كأن الكل راضٍ بما كُتِبَ له، وإذا لم يكن راضياً، فغالباً ما يُعتبر من القلة العملاء أو قليلي الأصل. وقد رسّخ باب الحارة صورة الرجل المتوتر ودائم الخوف من الانتهاك بحثاً عن الكرامة. وتقول الكاتبة ربيكا جوبين8 إنه لا يمكن فصل مفاهيم الرجولة وثقافة القبضايات في المسلسلات عن الواقع الحياتي للسوريين. فيما اختلف الباحثون بتحليلهم لهذه الظاهرة، فمنهم مَن يعتبرها هادفةً إلى كشف الفرق بين الخيال التاريخي والواقع الحياتي للسوريين، ومنهم من لا يراها إلا كتغذية لمفاهيم ذكورية وسلطوية.

أما بالنسبة لجمهور المسلسل، فقد استهلك هذه الرؤية لمجتمع أصيل مُعلّق بالزمان والمكان، وكأنه يمثّل الأصالة السورية. وخلال النزاعات المسلحة في ريف دمشق عام 2013 رأينا كيف باتت القرية الشامية في ريف دمشق، حيث تم تصوير المسلسل، ساحة استعراض للمسلحين المختلفين، والذين صوروا «تحريرهم» وتحريرهم المضاد للحارة الأصيلة، ونشروا فيديوهات لذلك على منصات التواصل الاجتماعي، وكأن من يسيطر على استوديو باب الحارة يسيطر على رمزية الأصالة السورية. وسمعنا كيف أن تعابير كرّسها المسلسل تلفزيونياً باتت تُكرر بسهولة في الخطابات السياسية، كالصراع بين قيم الكرامة والأصالة والوطنية ضد الخنوع والاندساس والمؤامرة الاستعمارية.

وفي حين كان التركيز على الاستعمار الفرنسي وطريقة تصويره ثابتاً عبر المسلسلات، كان الاحتلال الأقدم لسوريا، أي الاحتلال العثماني، أكثر تقلباً وإثارةً للجدل، لأن طريقة تصوير تركيا اعتمدت على حال العلاقات الثنائية الرسمية بين البلدين. لن أتكلم هنا عن الواقع التاريخي المعقد لسوريا العثمانية، بل سأذكر فقط أن المسلسلات عادةً تختصر 400 عام من السلطنة العثمانية إلى لحظة المقاومة ضد المحتل. ويعدّ هذا جزءاً من الذاكرة الجماعية والثقافة الشعبية والفنية في بلاد الشام، ومنها مسرحيات فيروز مثلاً، التي تشجب جرائم «العصملّي» وتتغنى بمقاومته. 

يعدّ مسلسل أخوة التراب، الذي عُرض الجزء الأول منه عام 1996، من أهم المسلسلات التي صورت الحقبة العثمانية (كان الجزء الثاني عن الاحتلال الفرنسي). يصوِّر المسلسل معاناة السوريين في أواخر سنين حكم السلطنة، من شحّ المواد الغدائية إلى التجنيد الإجباري المعروف بـ«سفربرلك»، إلى التعالي التركي وقمع وقتل الوطنيين المثقفين في المدن السورية. وبينما نرى في مسلسلات البيئة الشامية أن جسم المرأة هو الأكثر عرضةً للانتهاك من المحتل، يستعرض مسلسل أخوة التراب الذل الذي عانى منه الرجل السوري خصوصاً خلال السفربرلك. فنرى إذلال الضباط الأتراك للجنود السوريين يومياً عبر التعذيب والتجويع. وفي مشهدٍ بارز، يُعاقَب جنديٌّ سوريٌّ بالموت بالخازوق. والمعروف أن الخازوق، كأداة تعذيب عثمانية، طبعَ الذاكرة الجماعية في بلاد الشام، بدليل الاستخدام الشائع للكلمة في اللهجات العامية. في هذا المشهد، نرى جندياً تركياً يُمسك قضيباً حديدياً، بينما يصرخ الجندي السوري بذعر متصاعد «كل شي إلا الخازوق» إلى أن نشاهد بتفصيل بطيء انتهاك الجندي التركي لجسد الجندي السوري حتى يفارق الحياة، بينما ينظر إليه زملاؤه الجنود بخنوعٍ وقلة حيلة. أُعيد إحياء هذا المشهد على منصة يوتيوب (حصل على 1.6 مليون مشاهدة) مع تفسير أن هذه الفترة العنيفة من الممارسات التركية «جرت بعد وصول جمعية تركيا الفتاة المدعومة من الحركة الصهيونية إلى الحكم، وكان منهم جمال باشا السفاح حاكم الشام في ذلك الوقت»، على حد قول صاحب الفيديو. وأعادت الصحافة الرسمية السورية التذكير بالخازوق بعدما ساءت العلاقات بين البلدين عام 2012 بمقالاتٍ أطلقت على السياسة التركية المعادية للنظام السوري اسم «سياسة الخازوق» التاريخية، وأرادت بذلك إنعاش ذاكرة الجرائم العثمانية بعد سنين من تناسيها.

أما في المسلسلات التاريخية التي ركزت على الحقبة العثمانية، والتي أُنتِجَت بعد تحسن العلاقات التركية السورية بين أعوام 2000 و2010، فنرى اختلافاً في تصوير الأتراك العثمانيين والسوريين. على سبيل المثال، يصور الجزء الثاني من مسلسل أهل الراية (2010) القادة الأتراك على أنهم أشرار وفاسدون، في حين يُصوَّر الجنود والضباط الأتراك الأقل رتبةً على أنهم كالسوريين؛ ضحايا نظام عثماني ظالم. يحكي مسلسل أهل الراية قصة بطل سوري اسمه «رضا الحر» يتطوع في الجيش العثماني (باختياره) عملاً بـ«حسه الوطني والديني». يحارب رضا بشجاعة ويتصرف بنخوة، حتى أنّ فتاةً تركيةً أرستقراطية تتعرف عليه وتعجب به حين يُتهم ظلماً بجريمة، وبعد توالي الأحداث تُنقذه وتدافع عنه. ولكن رغم اهتمامها، يفضل ألا يرتبط بها رغبةً بالعودة إلى الوطن سوريا. نراه وكأنه يعلّم الأتراك قيم الرجولة، ففي أحد المشاهد مثلاً يصرّ على مسؤول عثماني أن يمسك شاربه كدليل على أنه لن يكذب. فنرى عبر هذا التصوير كيف أن إعادة الاعتبار للرجل السوري، تلفزيونياً على الأقل، تبدو شرطاً لتخطي ذاكرة إذلال العثمانيين للسوريين. ونرى أيضاً ارتباط فكرة السيادة الوطنية، في مخيلة المسلسلات، بمعايير الرجولة وسيادة السوريين على أجسادهم.

هكذا تصبح المسلسلات التاريخية ميداناً للصراع على تخيل الهوية، ولهذا قد تسعى السلطة إلى التأثير على طرحها المُتخيل. وفي سوريا، يُرينا التركيز على حقبة الاستعمار عمق التأثير التاريخي للاستعمار والاحتلال والهيمنة الأجنبية على الثقافة الشعبية، خصوصاً في ما يتعلق بمفهوم الأصالة. ولكن كما قال المفكر فرانز فانون: «إن أراد الفن تمثيل الأصالة، فعليه أن يدرك أن الأصالة لا تمثل الحقيقة الوطنية، المُرتبطة بواقع الناس المعاش»9. تعدّ إذن طريقة طرح الاستعمار في المسلسلات خلال الفترة الممتدة من التسعينيات إلى 2010 في غالبها سطحية وبعيدة عن الواقع، وتساهم في نشر مفاهيم اجتماعية شطرية ومزدوجة بين الأخيار والأشرار، والوطنيين والخونة، وأصحاب الأصالة والمندسين. وتساهم في تضييق الفضاء لتَخيُّل مجتمع متعدد.

وبطريقة مشابهة، رسمت هذه المسلسلات الحارة الدمشقية كمكان يمثّل الجميع دون أن يمثل أحداً. وقد حرم ذلك المشاهدين السوريين من التعرّف على غنى مجتمعهم، بعاداته وطبقاته ومناطقه وأديانه وتوجهاته الإيديولوجية، تحقيقاً للمعادلة القائلة إننا «شيء واحد، والفرق الوحيد بيننا يُقاس بميزان الكرامة أو الذل». ويتم تركيب شخصيات المسلسلات التاريخية لتكون مُعرضةً للانتهاك الدائم إذا لم تتبع المنظومة الأخلاقية الأصيلة، فلا سيادة للشخصية على جسدها، لأن الأجساد تنتمي للحارة لا لأصحابها. وعلى الرجل أن يحمي منظومة الشهامة هذه عبر الحفاظ على سيادة بيته (أي السيطرة على المرأة)، وعبر صون سيادة الوطن في الحارة. بيد أن هذه السيادة لا تتحقق، لأن السوريين، بحسب هذه المسلسلات، عالقون في لحظة زمنية مُنتهكة، وفي سيادة منقوصة ودوّامة حلمٍ بمستقبلٍ لا يأتي.

  • 1. Said, E. W. (1979). Orientalism. Vintage.
  • 2. Salamandra, C. (2004). A new old Damascus: Authenticity and distinction in urban Syria. Indiana University Press.
  • 3. Wenzel, J. (2006). Remembering the past's future: Anti-imperialist nostalgia and some versions of the Third World. Cultural Critique, (62), 1-32.
  • 4. Yuval‐Davis, N. (1993). Gender and nation. Ethnic and racial studies, 16(4), 621-632.
  • 5. Aldoughli, R. (2020). Departing ‘Secularism’: boundary appropriation and extension of the Syrian state in the religious domain since 2011. British Journal of Middle Eastern Studies, 1-26.
  • 6. Smith, R. M. (2003). Stories of peoplehood: The politics and morals of political membership. Cambridge University Press.
  • 7. Al-Ghazzi, O. (2013). Nation as neighborhood: how Bab al-Hara dramatized Syrian identity. Media, Culture & Society, 35(5), 586-601.
  • 8. Joubin, R. (2016). The Politics of the Qabaday (Tough Man) and the Changing Father Figure in Syrian Television Drama. Journal of Middle East Women's Studies, 12(1), 50-67.
  • 9. Fanon, F. (2007). The wretched of the earth. Grove/Atlantic, Inc.