المصرف المركزي السوري بوصفه فرداً من العائلة

 

أعلن مصرف سوريا المركزي، يوم الثلاثاء الفائت، أنّه بصدد ملاحقة التحويلات المالية الـ«غير رسمية» من خارج البلاد إلى داخلها، والتي تتم عادةً عن طريق وسطاء يسلمونها باليد في مناطق سيطرة النظام، مشيراً إلى أنّ «بعض هؤلاء الوسطاء ينشطون ضمن شبكاتٍ تعمل في مناطق يسيطر عليها الإرهابيون»، وأنه قد يتم توجيه تهم بتمويل الإرهاب في هذا السياق، داعياً إلى إرسال الحوالات المالية فقط عبر المكاتب المرخصة من الحكومة، التي تُسلم المبالغ المُحوّلة بموجب أسعار صرف ما يُعرف بدولار الحوالات، الذي يحدده المركزي بتجاهلٍ كامل لحقيقة الأزمة التي تعيشها الليرة السورية.

وتندرج إجراءات المصرف المركزي المتشدّدة في ملاحقة وتجريم عمليات التحويل من خلال القنوات غير المرخصة رسمياً، في إطار سعي النظام إلى إجبار ملايين اللاجئين والمغتربين السوريين على إرسال الأموال لذويهم عبر الشركات التي تخضع لرقابة المركزي، وبسعر التسليم الذي ثبته منذ شهر شباط (فبراير) الماضي عند 704 ليرة مقابل الدولار، بالرغم من أنّ سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار أقفل ليلة أمس عند 2900.

كما يأتي القرار بعد أيامٍ قليلة من قرار آخر صادر عن المصرف المركزي، يقضي بتوقيف مؤقت عن العمل يطال ست شركات تحويل داخلي مُرخّص لها بالعمل في مناطق سيطرة النظام، وذلك بتهمة مخالفة تعليمات المركزي وتسليم حوالات مجهولة المصدر. كما حدد المصرف قائمةً تضمنت أربع عشرة شركة تحويل يمكن نقل الأموال بين المحافظات السورية من خلالها.

وأفاد عددٌ من الساكنين في مناطق سيطرة النظام للجمهورية بأنّ مكاتب التحويل المُرخصة صارت مطالبةً، من قبل الأجهزة الأمنية والرقابية، بأن تمارس مزيداً من التشديد على جميع التحويلات المالية الداخلية التي تتجاوز مبلغ مليون ليرة سورية، وخصوصاً إذا كان مصدر الحوالة إحدى المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة أو قوات سوريا الديمقراطية، وذلك بغية منع تحويل الأموال من خارج سوريا إلى هذه المناطق وتحويلها إلى الليرة السورية بسعر السوق السوداء، ومن ثمّ إرسالها عبر أحد المكاتب الداخلية بالليرة السورية. وفي بعض الحالات، باتت تصل الإجراءات التي تتطلبها عمليات استلام التحويلات الداخلية إلى حدّ طلب وثيقة غير محكوم بالنسبة للأفراد، أو سجل تجاري بالنسبة للتجار.

وقد عزّز المركزي إجراءاته المُتعلّقة بعمليات نقل الأموال على الجغرافية السورية، بتعميمٍ أصدره في الثاني من شهر حزيران (يونيو) الجاري، يُطلب فيه من المسافرين بين المحافظات عدم نقل أي مبلغ مالي يتجاوز خمسة ملايين ليرة سورية، وذلك «حرصاً من المركزي على سلامة الإخوة المواطنين وأموالهم، وتجنباً لتعرضهم لأية مخاطر محتملة أثناء عمليات نقل الأموال»، وفق ما ورد في التعميم.

ويبدو واضحاً من إجراءات النظام الأخيرة، وعلى رأسها تجريم من أسماهم الوسطاء بتهمة تمويل الإرهاب، أنّ الهدف منها مقاسمة كل أسرة سورية المبالغ التي تصلها من أبنائها في الخارج، وذلك من أجل تحصيل كميات من الأموال بالقطع الأجنبي، في الوقت الذي يعاني فيه النظام من أزمة نقد أجنبي حادة نتج عنها فشل متزايد في تأمين المبالغ اللازمة لإجراء أكثر من عملية استيراد للمواد الأساسية في الآونة الأخيرة، كان آخرها تعّذر استكمال المناقصة التي طرحها لاستيراد كميات من الصويا والذرة، بسبب عدم وجود نقد أجنبي.

وعلى الرغم من كون التحويلات التي تصل إلى الأسر السورية في مناطق سيطرة النظام، كما هو الحال في بقية المناطق، هي من بين الوسائل الأهم حالياً لجعل الحياة ممكنة في ظل الوضع المعيشي القاسي الذي وصل إليه السواد الأعظم من السوريين، فإنّ النظام لا يولي اهتماماً لمصير المتضررين من قراراته الأخيرة في مقابل رفد خزينته بالأموال، وذلك بعد أن صارت تحويلات «المغتربين» هي الوسيلة الوحيدة تقريباً المتبقية لديه لتحصيل النقد الأجنبي بعد تحطّم الاقتصاد السوري وحوامل الإنتاج.

ولا شك أنّ النظام يدرك حجم القطع الأجنبي التي ستحرم منها السوق السورية نظرياً بفعل قراراته الأخيرة، إلا أنه يعوّل على فقر الناس الشديد الذي سيجعل المعيلين المقيمين في الخارج مضطرين إلى إرسال الأموال حتى لو كان النظام سيسطو على 75% من قيمة الحوالات التي يرسلونها بحسب آخر سعر صرف وصلت إليه الليرة السورية أمس. ولأنّ النظام يعي أيضاً إمكانية تحويل الأموال إلى مناطق لا تخضع لسيطرته وتصريفها بالليرة السورية ومن ثمّ تحويلها مرة جديدة إلى مناطق سيطرته، نجد أنّ التشديد لم يقتصر على الأشخاص الذين يسلمون الأموال في أماكن عامة دون حيازتهم لأية تراخيص، ولكنّ ذلك شمل أيضاً المكاتب المُرخصة.

من جانبهم، اتجه الكثير من السوريين خلال الفترة الماضية لتحويل الأموال إلى مناطق سيطرة المعارضة أو قوات سوريا الديمقراطية، ودفع رسوم تحويل لمرتين أو ثلاث مرات حتى تصل الأموال إلى وجهتها الأخيرة، ذلك أنّ هذا الخيار هو الأفضل بما لا يُقارن مع عمليات تحويل الأموال عن طريق المؤسسات المُرخصة، التي تُسلم الأموال بموجب سعر دولار الحوالات المُحدّد من قبل البنك المركزي.

وتتزامن إجراءات النظام الجديدة مع اقتراب تطبيق قانون قيصر وخسارات الليرة السورية المتواصلة، وقد رصدت الجمهورية من خلال حديثها إلى عدد من اللاجئين السوريين في ألمانيا وتركيا أن تحويل الأموال إلى ذويهم في سوريا قد صار أكثر صعوبةً خلال الأيام القليلة الماضية، حيث توقف عن العمل عددٌ كبيرٌ من الوسطاء الذين يديرون مكاتب تحويل غير نظامية بين تركيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي وسوريا، بينما ما يزال بعضهم يعمل على تحويل قدر أقل من الأموال بأجورٍ مرتفعة، تصل في كثير من الأحيان إلى ضعف أو ضعفي الأجور السابقة، التي كانت حتى وقتٍ قريب تتم بأجرة 5% في ألمانيا بالنسبة للمبالغ الصغيرة، كما كان من الممكن الحصول على تسعيرةٍ أقل كلما كبر حجم المبلغ المُراد تحويله.

ليست جديدةً عمليات الملاحقة والتدقيق التي يفرضها النظام السوري على التحويلات المالية خارج القنوات الرسمية المُرخّص لها، غير أنّ الجديد في الأمر هو ربط هذه العمليات باحتمال توجيه تهم متعلقة بالإرهاب، وهو ما يعني انتقال النظام السوري إلى مرحلة جديدة أكثر حزماً في التعامل مع هذا الملف والقائمين عليه، ويشير بوضوح إلى عمق الأزمة التي تعاني منها خزينته.