المظلومية، الظالمية، الظلامية: في شأن ظهور طائفة (طوائف) الإسلاميين وتكوين ضميرها

تحاول هذه المقالة المطولة تناول ضمير الإسلامية المعاصرة، أعني المركب الفكري النفسي الأخلاقي الذي يدرك الإسلاميون من خلاله العالم ويتفاعلون مع الغير فيه. في مقالة قصيرة سابقة ألمحتُ إلى تكوين أناني للإسلامية المعاصرة. هذه المقالة تتوسع في تقصي جذور هذا التكون، وتفترض أنها تجده في ظهور طائفة معاصرة لنا، طائفة الإسلاميين، التي تندرج تحتها طوائف فرعية متنوعة: إخوان، سلفيون، سلفيون جهاديون.

 

طائفة/ طوائف الإسلاميين

الإسلاميون طائفة من المسلمين حديثة النشأة، غاضبة من العالم الحديث، وتميل نسقياً إلى وضع الإسلام في مواجهته، مع جعل معتقدها الديني مستودعاً لانفعالات سلبية حيال العالم تتراوح بين النفور والتشكك، وتصل إلى العداء والحرب. ليس هذا خياراً بديهياً لعموم المسلمين، وقد اندرج أكثرهم في العالم الحديث دون إشكالات كبيرة، لكن كلما كانت علاقة مجتمعاتنا مع بيئتها العالمية أشد تعثراً، كان ذلك أنسبَ لطائفة الإسلاميين، يعود عليها بتوسع مراتبها ويقلل التمايز بينها وبين عموم المسلمين، فيحجب صفتها كطائفة.

هذا «العالم الحديث» ليس مُبرأً بحال من وقائع السيطرة والاستغلال والتمييز وعلاقاتها وهياكلها وعملياتها المستمرة، ليس «حداثة» محضاً تصدم غافلين فيداومون على الترنح بفعل الصدمة، ولا هو محض «أنوار» تخطف الأبصار، أو ثورات علمية وتكنولوجية تخلب الألباب، أو «تقدم» يخلّفُ الحسرة في قلوب المتأخرين، فيقضون أيامهم في التساؤل عن أسباب «تقدم الغرب» و«تأخر المسلمين»، إنه أيضاً استعمار وامبراطوريات تحتل وتتوسع وتستتبع، وتقتل وتبرر القتل بـ «رسالة تحضيرية».

لكن هذا «العالم الحديث» ليس مؤامرة، أو خطة محبوكة من وراء الستار، ولا يحركه عقل خفي شرير معادٍ للعرب المسلمين دوناً عن البشر أجمعين، يكيد لدينهم تحديداً على ما يتوهم الإسلاميون، مجاملين أنفسهم بما يُعينُ على تحمل بؤس الحاضر، لكن بما لا يُعينُ على الخروج منه.

تولَّدَت طائفة الإسلاميين من هذا التعثّر المستمر للعلاقة بين مجتمعات المسلمين والعالم الحديث، بما في ذلك وقوع مجتمعاتنا تحت السيطرة الاستعمارية لبعض الوقت، لكن كذلك من انزياح الإسلام عن موقع الهيمنة في التفكير في شؤون الدولة والتنظيم الاجتماعي والحياة الخاصة، وانكفاء رموزه عن تعريف مجتمعاتنا المعاصرة. ويتصل بهذا التعثّر دولةٌ طغيانيةٌ حديثة، تنتخب شعبها الصالح، وتنكر عليه انتخابها ومحاولة امتلاك السياسة (التجمع والكلام والفضاء العام)، ولا تعرض وجهاً سياسياً إلا نحو قوى عالمية نافذة، يتواتر أن تكون هذه القوى هي من انتخبت نخبنا الحاكمة، أو من تكفل الأوضاع التي تتيح لها انتخاب محكوميها.

طوائف الإسلاميين المنبوذة وليدة هذا الوضع المركب من دول محلية فاقدة للمشروع والمعنى، ومن أوضاع دولية تمييزية، وهي طورت عبر العقود حسَّ الأقلية المحاصرة، الميالة إلى الباطنية والانغلاق على النفس وإلى التوجس من الغير وعدم الثقة بهم. ويميّزُها ما يميّزُ الطوائف الصغيرة من حدة الوعي الذاتي بالاختلاف الطائفي، ومن حصر الالتزامات داخل الجماعة. وهو ما يدفع باتجاه أخلاقية طائفية، غير ودودة حيال الغريب، إن لم تكن عدائية تماماً. ولا يقتصر الأمر على أن الغيرية، الثقة بالغير والشراكة مع الغير والالتزام حيال الغير، ضعيفة الحضور عند هذه الطائفة الفتية، تبدو الغيرية بالأحرى أقرب إلى خيانة، أو كفر. الجماعة أقلّ استرخاءاً بكثير وأشد توتراً من بذل فضل حيال أي غير. اللاغيرية، أو انحصار فعل الخير بالجماعة، ليس عيباً على هذه الأرضية، بل هو فضيلة وسلامة اعتقاد. أو هكذا يجري تشريع الأنانية المتولدة هي ذاتها عن ديناميكية التحول الأقلّي للإسلاميين. عقيدة الولاء والبراء السلفية من العقائد التي ترفع حصر الخير بالجماعة وإيجاب الشر بحق غيرها إلى مرتبة دين. ولعلَّ من المناسب لذلك أن نتحدث عن طائفية مضاعفة، تتجاوز الامتناع عن فعل الخير للغير (أو حتى إيجاب إيذاء الغير)، إلى التوسع في تعريف الغير الواجب الإيذاء وتضييق المُستَحِقين للخير إلى العصبة أو المجموعة الضيقة، وإلى جَعلِ ذلك مقوِّمَ هويةِ الجماعة وأساس تفاعلها مع غيرها. وهنا المبعث الجوهري لما يمكن تسميته الظلم الإسلامي الحلال، أي العادل في نظر الإسلاميين. لكنه «ظلم» مع ذلك، لأنه عنيف ومحروس بالقسوة ولا يصلح أساساً لحياة عامة أو خاصة مستقرة. الطوائف الإسلامية تنتخب جمهورها بدورها، وتُبيح التمييز وسوء المعاملة لغير المُنتخَبين، فتعمل من هذا الوجه بآلية مماثلة لآلية عمل الدولة الطغيانية والنظام الدولي في منطقتنا، آلية الحرب المستمرة.

طوائف الإسلاميين والإسلام

تقترح هذه المقالة ثلاثة جذور للظلم الإسلامي المعاصر: المظلومية، الظالمية المتولدة عن مركب الواحدية والامبراطورية، ثم الاكتفاء الذاتي أو الظلامية. على أنه يلزم قول شيء في البداية عن العلاقة بين طائفة أوطوائف الإسلاميين وبين دين الإسلام. في مقالة سابقة (الإسلام، الإسلاميون والعنف، 2014) أظهرتُ أن الإسلاميين يعيدون تشكيل الإسلام بينما هم يخوضون صراعات سياسية واجتماعية في أوضاع عينية، فلا يتعلق الأمر بحال بإسلام يبقى مماثلاً لذاته في كل وقت، وإن قام وعي الإسلاميين الذاتي على ذلك، ولا هو يتعلق من وجه آخر بإيديولوجيا غريبة على الإسلام لَفَّقتها جهات أجنبية مغرضة بنية الكيد للإسلام (على ما يقول الإسلاميون كثيرون بخصوص داعش، وأحياناً القاعدة). وضربتُ على ذلك مثالين عاينتهما مباشرة. أولهما ما شهدتُه في مجلس الشورى في دوما في نيسان 2013 من تعليق آيات «العلم» في البهو الداخلي للبناء الذي كان المجلس يشغله: «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات»، «هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون»، «والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، إننا لا نضيع أجر المصلحين»، «إقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم». مجلس الشورى مكوَّنٌ من «علماء»، كانوا يعملون وقتها على تشريع سلطتهم متوسلين آيات القرآن التي تعود عليهم بشرعية أعظمية. هذا الجسم الديني السياسي المحدد يعيد تشكيل الإسلام في الصورة التي تجعل مشايخَ المجلس تعبيرَهُ الحقيقي. والديناميكية الاجتماعية السياسية الدينية التي ظهر هذا الجسم المطيّف فيها (خروج الغوطة الشرقية من سيطرة النظام قبل شهور قليلة وقتها، وصعود التيار السلفي) قادت هي ذاتها إلى انشقاق عمودي في المجلس في شهر نيسان ذاته، وخروج نحو نصف أعضائه منه. ديناميكية التطييف الانقسامية فاعلة ضمن الطائفة الإسلامية الناشئة، بقدر ما عملت في الأصل على تمايز هذه الطائفة وظهورها في شروط الصراع مع نظام يقوم على الحرب والتمييز الطائفي.

وأُتيحَت لي في صيف العام نفسه صحبةُ «مجاهد» من جبهة النصرة لبعض الوقت (ترك النصرة لاحقاً إن صَدَق، وانضم إلى جيش إدلب الحر). الرجل، في نحو الثلاثين من العمر وقتها، كان يقول إن سورتي الأنفال والتوبة محذوفتان من القرآن الذي تعتمده الدول العربية، وإن المنظمات السلفية الجهادية تعيدهما إلى القرآن. وبصرف النظر عن صحة ما يقول، فإن هيكلَةَ السلفيين الجهاديين للقرآن، وبناء تصورها للإسلام، متمركزٌ حول هاتين السورتين اللتين تضفيان شرعيةً أعظم على تصورٍ جهاديٍ للإسلام.

ويتذكر من هو من جيلي، بالمقابل، أن إسلام معظم أبناء الأرياف كان يعتمد على حفظ آيات القرآن القِصار، وهي أخلاقية أكثر وتشريعية أقل، ومكيّة النزول في غالبها. وهي تعطي صورة عن الإسلام مختلفة كثيراً عن الصورة التي طورها فقهاء في المدن، ورثوا فقهاء الزمن الامبراطوري.    

هذه الأمثلة تقول إن الإسلام يجري تشكيله وفقاً لمطالب وتطلعات وقدرات الجماعات المسلمة المختلفة في أوضاع عينية مختلفة بدورها. تقول أيضاً إننا حيال اختراع متجدد لدين المسلمين، تنطبق عليه نظرية إريك هوبسباوم الثاقبة عن «اختراع التقاليد» أو التراثات. فخلافاً للمعتقد الانطباعي الذي يرهن تأثير العقائد والعوائد في النفوس بقدمها السحيق، كأنما هي تنحفر في جينات الناس كلما كانت أصولها أقدم (وهو ما تضمره الكليشيه التي تتكلم على 1400 سنة من أنظمة تفكير واجتماع وسياسة يبدو أنها مشتقة من «الإسلام»، مُتصوَّراً كشيء لا يكف عن مشابهة ذاته عبر السنوات والقرون)، أقول خلافاً لذلك أنّ تقاليدنا «الأصيلة» وهويتنا «الراسخة» هي غالباً اختراعٌ عمره جيل أو جيلان أو ثلاثة، بما يعني أن المُسنين من الناس أكبر من تقاليدهم غالباً. نظرية الحاكمية التي يقوم عليها الفكر السلفي الجهادي اختُرِعَت في أربعينات القرن العشرين على يد مسلم هندي، أبو الأعلى المودودي. سيد قطب الذي تأثر بهذه النظرية أكبرُ منها بخمسة وثلاثين عاماً. لكن الرجلين عَمِلا على «تأصيل» و«ترسيخ» تقليد هما مُخترعاه. 

والوجهة العامة لإعادة التشكيل التي يقوم بها الإسلاميون أو لاختراع التقاليد وفقاً لها هي اليوم إبراز الصفة السياسية والجهادية للإسلام، بحيث تحوز المطالبة بالسلطة على أكبر وجاهة ممكنة، وتهيمن في أوساطهم على الأقل، بما ينزع حجة من لا يوافق على هذا الاختراع أو لا يجاريه. إعادة التشكيل او الهيكلة هذه، أو التقليد المخترع، تاريخية وحديثة، وسأقول لاحقاً إن الإسلاميين يجدون في متناولهم من أجل تطلعاتهم المعاصرة تشكيلاً امبراطورياً للإسلام، يقوم على السيادة والعظمة والمجد، ويستثمر أكثر في القرآن المدني، القابل لاستثمار فقهي وسياسي أكبر.

ما جرى في الزمن المعاصر هو زوال آخر امبراطوريات المسلمين قبل نحو قرن، وتعثّرُ عملية التكيّف الإيجابي مع العالم الحديث. طائفة/ طوائف الإسلاميين وليدة هذا التعثر، وبنية إسلاماتها (وليس عناصر هذه البنية) وليدتُه كذلك.

والمأمول أن ما تقدَّمَ يؤسس لشرح واضح لأنانية الإسلاميين، يدرجها في تكوّن «أنا» حديثة، ليست آمنة على نفسها، وتخشى على ضآلة فرصها في البقاء، وترجو كل شيء لنفسها سعياً منها وراء ضمان بقائها.

يبقى من الضروري توضيح عنصر مهم بخصوص ظهور طوائف الإسلاميين. لا تطابق هذه الطوائف منفردة أو في مجموعها «الطائفة السنيّة»، وإن كانت كلها سنيّة في هذا التناول. بل هي متولدة، في سورية على الأقل، عن تعذّرِ تطييف السنيين، أعني تكونهم في ضرب من وحدة سياسية قد «تشذ» منها أقلية صغيرة من «المنشقين». فبفعل تعدد وتباعد بيئاتهم الجغرافية والسكانية والاجتماعية، استحال ظهور تماهٍ سني جامع أو غالب، ينشئ من السنيين طائفة أكثر تماسكاً. فإذا صح هذا التقدير فإن لدينا طوائف من الإسلاميين، سنيّة بطبيعة الحال، لأنه ليس لدينا طائفة سنيّة. كان «أهل السنّة والجماعة» هم المسلمون الذين يتماهون بيُسر أكثر من غيرهم مع الدولة والمدينة، ومع الإمبراطورية والفتوح الإسلامية، ومع «العلوم الإسلامية» المتكونة في ظل الامبراطورية. تتولد طوائف الإسلاميين المعاصرة لأسباب تحيل إلى انفكاك هذه التماهيات بفعل تغيرات تاريخية طالت الدولة والمجتمع والمعرفة مما لا تزال علاقتنا متعثرة به، وما خلَّفَ شعوراً منتشراً بالغربة والهامشية في أوساط مسلمة سنيّة واسعة هي التي تتكون منها طوائف الإخوان والسلفيين والجهاديين المعاصرة. يشبه الأمر بقدر كبير تشكل الطوائف الإسلامية في القرون الإسلامية الأولى، الاسماعيليون والعلويون والدروز، والشيعة قبلهم، من الجماعات الأدنى تماهياً بالامبراطورية، والأقوى شعوراً بالغربة والأشدّ عرضة للتمييز. وهو ما يكفي للقول إن علينا أن نولى اهتمامنا لبنى وديناميكيات الانقسامات والصراعات الاجتماعية والسياسية العامة، وليس حصراً إلى أشكال الوعي الذاتي للجماعات على ما يفعل كثيرون بيننا. يندرجون على هذه النحو في الديناميكيات الانقسامية المولدة للطوائف، بدل أن يعملوا على تغيير المسار أو محاولة التأثير عليه بما يحد من الانقسامات الاستبعادية (الإقصائية)، وربما يحفز ظهور ديناميكيات استيعاب وتقارب.

المظلومية أو وضع الضحية

تطورت في مدار القرن العشرين مظلوميةٌ إسلاميةٌ سنيّة، تحاكي بصورةٍ ما المظلومية الشيعية وتُعبّرُ في واقع الأمر عن فقدان عالم الإسلام السنّي المركزَ الحضاري والقيادةَ السياسية والوجهة التاريخية، وهذا خلافاً للإسلام الشيعي الذي تطور له مركز وقيادة ووجهة منذ الثورة الإيرانية قبل نحو أربعة عقود. في الخلفية تعثّرٌ أطول أمداً في انخراط مجتمعات المسلمين في العالم الحديث بأثر مركب من ركود مديد دام قروناً، ومن الرضة الاستعمارية، وتعثّرُ انتقال عالم الشرق الأوسط العربي والإسلامي إلى ما بعد الاستعمار بفعل تضافر كل من توضع الحوض النفطي في المنطقة، ثم الواقعة الإسرائيلية التي نالت رعاية غربية متعددة الأوجه، وألحقت بالمركز العربي للإسلام هزائم مشهودة. هزيمة القومية العربية في حرب 1967 وعلى مدار عقد السبعينات ثبتت الشرط الاستعماري القديم في صيغة مموهة، ووضعت الإسلاميين، السنيين بطبيعة الحال، في موقع منازع على القيادة الفكرية والسياسية في مجتمعاتنا.

اكتسبت المظلومية السنيّة زخماً أقوى بعد الاحتلال الأميركي للعراق وحلول حكم شيعي صريح محل حكم صدام، واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، ثم الثورة السورية والاستهداف التمييزي للبيئات السنيّة على يد الدولة الأسدية.

السلفية الجهادية هي الطائفة التي وضعت يدها على هذه المظلومية وحولتها إلى حجر الأساس في نظرتها إلى العالم. وهذا لأنه تطور لدى السلفيين الجهاديين أكثر من غيرهم، ومنذ المختبر الأفغاني الذي التقى فيه إسلاميون من عشرات البلدان الإسلامية في ثمانينات القرن العشرين، ضربٌ من «وعي تاريخي» عالمي الأبعاد (الجهاد الأفغاني ظاهرة معولمة تكوينياً، أفغانستان ساحتها، أكثر مما هي ظاهرة أفغانية)، مع حسٍّ محتدٍّ بفقدان القيادة والمركز وبالحاجة إليهما، زاده حدة أن إيران بلد مجاور، وكانت شهدت ثورة ناجحة للتو، وقام الحكم فيها على المعتقد الشيعي؛ زاد من حدته كذلك واقعة أن الجهاد الأفغاني كان اندراجاً عنيفاً في العلاقة بين امبراطوريتين كبريين عنيفتين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. جرى مدّ المظلومية إلى الوراء في الزمان لتبدأ على الأقل من إلغاء الخلافة عام 1923، وجرى تشميلها المسلمين عموماً، والسنيين بخاصة. ومع ذلك المد وهذا التوسيع جرى توسيع الأعداء ليشمل دولنا المعاصرة كلها وعلى قدم سواء، وجميع التيارات الفكرية والسياسية غير الإسلامية، فضلاً بالطبع عن الغرب وروسيا. وفي الوقت نفسه جرى ركْزُ لواء العداء في الدين، فنحن مظلومون لا لشيء إلا لأننا مسلمون، وهم ظالمون يكيدون لنا، لا لشيء إلا لأنهم يهود وصليبيون أو عملاء لهم. صار الإسلام موقع التباعد الأقصى عن المركز الحديث للعالم، الغرب (هذا يفسر أن العدمية في مجالنا الجغرافي الثقافي تأخذ شكلاً إسلامياً: الإله الذي تتطلع إلى قتله ليس «الله»، ولا يقيم في السماء، بل في... البيت الأبيض). ولا يعود إشغال الإسلام موقع التباعد الأقصى عن الغرب إلى الإسلاميين وحدهم. الواقع أن الاستشراق، بعد كل تفهم محتمل، يجعل من الإسلام عالماً غريباً، آخر. إنه يصدر عن فعل إبعاد تأسيسي، سابق حتى لظهوره (ينظر مثلاً كتيب مكسيم ردونسون: جاذبية الإسلام)، متصل بواقعة القدوم المتأخر للإسلام إلى «العالم القديم». القرآن غير موجود في ما تسمّيه طُرفةٌ سورية «أعمال الله الكاملة»، التي تقتصر على التوراة والإنجيل، العهدين القديم والجديد. إسلامياً، يجري استبعاد العهدين من الأعمال الكاملة لله، بذريعة التحريف، ليكون القرآن كتاب الله الوحيد.

كان لمثقفين مسلمين دور في التفكير بالنهضة، أي محاولة فهم لماذا تعثرنا وكيف ننهض مثل غيرنا، لكن بفعل تراكم التباعد تغيب هذه الإشكالية عن تفكير الإسلاميين اليوم، بمن فيهم الإسلاميون السياسيون. قوة الغرب وتفوقه وتفتحه ليست موضع تفكّر، دع عنك أن تكون موضع تعلّم. مشكلات الغرب أيضاً (وعلائم انكفائه اليوم) ليست موضع تفكّر بفعل اعتبار الغرب ذاته، في كل أحواله وأطواره، هو المشكلة. هذا يضع الإسلاميين خارج أي جهود لإصلاح العالم، أو العمل مع آخرين لمقاومة الظلم ومن أجل عالم أكثر عدالة.

الخطاب السلفي الجهادي الذي مزج في الساحة الأفغانية بين الوهابية السعودية (معادية للشيعة) والقطبية المصرية (الشيعة غائبون من أفق تفكيرها)، يماهي بين السنيين وبين المسلمين ككل، فيُكفِّر الشيعة وأي مذاهب غير سنيّة أخرى. كما جرى اعتبار العالم كله شريكاً في الظالمية ضد المسلمين، وخصوصاً بطبيعة الحال «التحالف اليهودي الصليبي»، أي الغرب. وأضفى الجهاديون صفة نسقية بالغة الصلابة والاتساق على ظالمية أولئك الأعداء ومظلوميتنا، بما يرسخ يقين مستهلكي هذا الخطاب بأن العدو الغربي لا يفعل شيئاً غير الكيد لنا والعدوان علينا، وأن هذا نابع من تكوينه بالذات. وبالمقابل لا تكاد تكون لنا صفة أخرى، إلى جانب كوننا مجاهدين محتملين ضد الظلم، غير كوننا مظلومين. ثم أن معظم المسلمين بالذات متواطئون أو خانعون وفق هذه السردية، ليس حكوماتهم فقط، بل عامة المسلمين بالذات ممن ينبغي تعليمهم وتوجيههم و«سوقهم إلى الجنة بالسلاسل» (حسب أبي محمد العدناني، ناطق داعش الذي قتل عام 2016).

أما الظلم ذاته فلا يكون هنا تمييزاً محتملاً ضد المسلمين نعترضُ عليه باسم رفض التمييز، فينفتح على دعوةٍ إلى المساواة أو تصوّرٍ للعدالة عابرٍ للمجتمعات والأديان، بل هو وضعنا البائس الحالي، منظوراً إليه حصراً كفعل فاعلٍ واعٍ مغرض، معادٍ جوهرياً يستهدفنا كمسلمين: الغرب أو «التحالف اليهودي الصليبي».

المظلومية عنصر بارز في وعي الذات الخاص بالإسلاميين عموماً، وفي نظرتهم إلى العالم. وهو ما قد ينطبق على الإسلاميين السوريين أكثر من غيرهم. في المظلومية هنا عنصر واقعي يتمثل في النظام الأسدي وحربين كبيرتين كلفتا بيئات سنيّة الكثير، وفيها توسع الفقر وأوجه تمييز وحرمانات اجتماعية متنوعة، يضاعفها افتقار سكان هذه البيئات إلى شبكة محسوبية تسعف في تأمين خدمات وتسهيلات حيوية لمحتاجين لهما (الحصول على وظيفة، على رخصة سكن، على وثيقة سفر...). وهذا بخاصة في بلدات وأحياء مجاورة للمدن، يحتد وعيها بالفقر والحرمان مما قد تلحظه في مراكز المدن أو ضواحيها الميسورة من بحبوحة ويسر. بيد أن في المظلومية مكون خيالي كبير، يسند الظلم إلى عداوة «نصيرية» جوهرية للإسلام والمسلمين، ويستذكر وقائع من أزمنة الاستعمار، وعوْداً إلى زمن الحروب الصليبية، مع افتراض استمرارية جوهرية، فضلاً عن أمة مسلمين متخيلة، مستمرة بدورها. هذه العنصر الخيالي هو «الوعي» الذي ينتجه الإسلاميون كـ «طليعة» إسلامية أو نُخب تعمل على بناء مجتمعاتها الخاصة أو «انتخاب» فرقتها الناجية.

من غير المحتمل أن هناك جماعات دون سرديات مظلومية، بمكون خيالي كبير، وقد يكون هاذياً. النازيون بالذات طوروا سردية مظلومية ألمانية، أسندت «طعنة في الظهر» تعرضت لها ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وتمخضت عن معاهدة فرساي التي نزعت سلاح ألمانيا، إلى تحالف يهودي بلشفي يذكر بتحالف السلفيين الجهاديين الصليبي اليهودي. وتعيش إسرائيل على مظلومية دائمة، وراثية بتعبير زغمونت باومان، تشغل هي، وليس اليهودية، موقع العقيدة المشرعة، أو «دين الدولة». ولعله يمكن القول استناداً إلى المثال الإسرائيلي إن المظلومية هي العقيدة المُشرِّعة لفرقة الإسلاميين، دين الطائفة أو الطوائف. ولعلَّ هذا العنصر الخيالي يساعد على تحمل وضعنا المذل الذي لا يُطاق ولا نعرف كيفية الخروج منه، وذلك عبر تحويله إلى لوم لغيرِ شرير متآمر وإلى تظلِّم منه. فإذا كان العالم كله شريراً متآمراً لا يكف عن الكيد لنا، كان حالنا البائس أقل إذلالاً مما هو في الواقع، فأنقذ ذلك شيئاً من كرامتنا.

أول مفعول للمظلومية هو الالتصاق بالذات وتعذّر مراجعة الذات أو العمل على إصلاحها وتغيير ما بها، والإحساس بغيرنا والتضامن معه. موت الضمير أو ضموره على ما حاولتُ أن أُظهِرَ في مكان آخر (مقالتي: «الضمير الخارجي»). تُولّدُ المظلومية في النفس استعداداً سلبياً عدائياً حيال العالم، وتُعفي النفسَ المظلومةَ من الالتزام بضوابط مشتركة للسلوك والتفاعل مع الغير. وربما نشمت بما يحدث من سوء لغيرنا، سراً إن لم يكن علناً، هذا حين لا نبادر نحن بالذات إلى إيقاع السوء. وبين الفرح بما يصيب الغير من كوارث، وبين العمل على إيقاع الكوارث بالغير، لا نكاد نفعل خيراً لغير أشباهنا. وهذا مناقض لمبدأ «مكارم الأخلاق». مكارم الأخلاق هي إعانة الغريب، عابر السبيل، أو ابن السبيل، حسب التعبير القرآني. فإذا استبعدنا إعانة الغريب فتحنا باباً لتغريب القريب، لاعتباره غريباً كي لا نُعينَه، فلا يبقى ثمة ما يعوق حجب العون عن القريب أيضاً بذريعة أنه ليس قريباً كفاية: ليس مسلماً حقاً، لا يقول مثل قولنا تماماً أو لا يفعل مثلما نفعل، ما يسوّغُ لنا استبعاده.

والواقع أن في أخلاقيات الجماعات كلها تناقض بين مبدأ «مكارم الأخلاق»، عون الغريب و«ابن السبيل»، وبين مقتضيات بناء الجماعة وتكاتفها وتمايزها المكوِّن عن الغير، الغريب. أياً يكن مبدأ تكوّنِ الجماعة، فإن أخلاقياتها توابع لمقتضيات تمايز وتماسك هذه الجماعة، ومواجهة ما تتعرض له ضغوط. فإذا تصورنا حزباً للحب وحزباً آخر للكره في مجتمع لا حرية للأحزاب العاطفية فيه، فإنه يرجح لمقتضيات وحدة كل منهما أن تدفع حزب الحب إلى تطوير حسٍّ بالكراهية لمن ليسوا منه (مناقضاً بذلك مبدأه المعلن)، بينما سيحتاج حزب الكره إلى رعاية الحب بين أعضائه كي يتماسك، ويكون فعالاً في أداء رسالته المتمثلة في الكره. وفي الحالين يُعاد تعريف الحب والكره على نحو يجعلهما متوافقين مع «خط الحزب»، مثلما يعيد الإسلاميون صنع الإسلام عل نحو يتيح اشتقاق أنفسهم منه اشتقاقاً منطقياً.

والمقصد من هذا المثال المفرط التبسيط أن المعنى الذي يفترض أن اجتماعنا قام عليه، لن يلبث أن يصير تابعاً للاجتماع ومقتضياته، وبخاصة في أوضاع صراعية يرتفع الطلب فيها على التمايز والتماسك. هذه نقطة أساسية في تصوري، تغيب عن تفكير معظم من يتناولون الحركات السياسية والاجتماعية، ممن يقعون ضحايا ما تقوله هذه الجماعات عن نفسها، أو يُحِلّونَ انجذابهم إلى عقائدها المعلنة أو نفورهم منها محلَّ الجهدِ اللازم لفهم ديناميكية الجماعات في أوضاع صراعية. وكمثال، فقد تسنى لي أن ألحظَ من تجاربنا الحزبية، وقد كنتُ ضمن بعضها لوقت لا بأس به، وعلى حوافها لوقت ما، أن حصر الخير بالجماعة فاعل هنا، وأن لدينا ضروباً من عقيدة الولاء والبراء تختلف باختلاف المنظمات والأحزاب. والأساس هنا أيضاً هو تغلب مقتضيات تمايز المنظمة وفاعليتها المفترضة على قِيَمها المعلنة.

الغرض من هذا الاستطراد فيما يخصّ الإسلاميين التحول عند النظر إليهم إلى ديناميكية تشكّلِ الجماعات الإسلامية، وشروط هذا التشكل وحقوله الفعلية، وليس حصراً إلى المبدأ أو المعنى الذي تفضّل هذه الجماعات تعريف نفسها به. في عين الناظر، هذا هو المعنى الخارجي إن جاز التعبير، فيما المعنى الداخلي يتصل بتصور هذه الجماعة أو تلك لذاتها وموقعها ودورها، فيختلف بين داعش وجبهة النصرة، وبين هذه وأحرار الشام مثلاً أو جيش الإسلام، وبين أي منها والإخوان المسلمين. تعمل كل واحدة منها على تبرير وجودها، وهو ما لا يمكن أن يقوم على المعنى الخارجي الواحد (الإسلام)، بالتركيز على فكرة تميزها عن غيرها، وتسوّغ لها حصر الخير في داخلها. وهذه الفكرة التي قد يستعصي إدراكها على غير شركاء التكوين والذاكرة، هي التي تصبح مبدأ التماسك الداخلي الذي قد يدخلها في حرب مع جماعة إسلامية أخرى. المجموعات التي تقدَّمَ ذكرها للتو كلها إسلامية، وسنيّة، و(باستثناء الإخوان) سلفية، وجهادية أو مجاهدة. وأقرُّ أني شخصياً لا أحيطُ بحقيقة اختلافاتها عن بعضها، وقد بلغت في حالات متعددة حدّ الحرب. ظاهرة كهذه سبق أن شوهد ما يشبهها في أواسط المنظمات الفلسطينية بين أواخر ستينات أواخر سبعينات القرن العشرين، وكذلك بصورة ما بين المنظمات الشيوعية السورية في الفترة نفسها.      

بيد أن هناك مشتركاً بين الجماعات الإسلامية يتمثل في «نظرة إلى العالم» تشكلُ المظلوميةُ حجرَ الأساس فيها. هذا الأساس جامع، عابر للجماعات، وهو دين طوائف الإسلاميين كما تقدم القول.

هنا، في الإسلام الحركي المعاصر، عند الطوائف الإسلامية وأمرائها وشرعييها، بلغ إخضاع المعنى الخارجي للمعنى الداخلي، أي التطييف، درجة متقدمة من المذهبة والانغلاق، تكرَّسَ في عقيدة الولاء والبراء السلفية. ولا يبدو أنه تعاكس هذه النزعة المذهبية المغلقة في أوساط الإسلاميين نزعة غيرية تعمل على فتح الجماعات على ما يغايرها، أو حتى على بعضها. بحدود ما أعلم ليس هناك نقد إسلامي لتكوين الضمير الإسلاموي المعاصر (إسلاموي هنا نسبة إلى إسلامي، التي هي نسبة إلى إسلام، وليست تعبيراً تحقيرياً أو مشككاً بنسبة الإسلاميين إلى الإسلام).

والواقع أننا في القرآن ذاته نتبين الأثر المتعاضد لكل من المظلومية («الذين أخرجوا من ديارهم») ومقتضيات بناء الجماعة في المرحلة المدنية من دعوة نبي الإسلام. في مكة لدينا دعوة أخلاقية تُعنى بابن السبيل، مدرجة في سياق واحدي ومَعادي، أما في المدينة فالكلام القرآني أميلُ إلى الغضب والنقمة، وإلى حصر الخير بالجماعة المسلمة الناشئة، واستبعاد من يُشَكُّ بتمام ولائهم: المنافقين. وآيات العذاب الأبدي والخلود في النار أكثر تواتراً في هذا الطور ما بعد المظلومي. (لعل في هذا ما يدعو إلى التفكير في أن إبراء هؤلاء المعذبين الأبديين شرط لازم من أجل استبعاد التعذيب الدنيوي وسلام إسلامي مع النفس ومع الغير. التوعد بعذاب أبدي لا يمكن أن يتوافق مع سلام النفوس، السلام فيها والسلام بينها).     

ويتصل بالالتصاق بالنفس، في المقام الثاني، التعارض الجوهري بين المظلومية والانعتاق، أي التحرر من قيودنا الداخلية. المظلومية تحتل النفس، تملؤها وتغلقها أو تُصمِّتها، فلا تنشغل بغير نفسها. الانعتاق بالعكس هو انفساح النفس وإعادة ترتيب البيت الداخلي على نحو أفسح، وهو ما لا يتأتي دون نزاع مع النفس ومساءلة لها وتفحص مستمر لما يعتمل فيها. ننعتق فقط بقدر ما ننازع أنفسنا، ونعمل على الترحيب بغيرنا في أنفسنا، وهو ما يقتضي ترحيب أنفسنا أو توسيعها. المظلوميُّ عبدٌ لمظلوميته، وهذه تقوده في اتجاه الانغلاق على النفس أو العدوان على الغير. فإذا كان التفكير الإسلامي المعاصر لا يعرض تجارب انعتاقية، فلأن ركونه إلى المظلومية يغذي فيه واحداً من هذين الميلين أو كليهما: الانغلاق و/أو العدوان. ما يغيب في الإسلامية المعاصرة هو، وينبغي لذلك أن يكون مفارقة كبيرة، التجربة الإيمانية، وما تبثه في النفس من صفاء وسكينة، وسلام. لا يصدر تفكير الإسلاميين عن صدور منشرحة، بل بالأحرى عن نفوس منجرحة. ومقابل «إدارة التوحش» التي تسند نفسها إلى دين المسلمين، لا نجد إرادة تأنسن إسلامية تُعرِّف نفسها بمواجهة تلك الإدارة.

وللمظلومية مفعول ثالث يتمثل في انعكاف المظلوميين على جماعتهم وانعزالهم عن غيرهم وعدم إحساسهم بغيرهم. يمكن أن تتشكل جبهات من المظلومين، لكن لا تتشكل جبهات من المظلوميِّين، فقط تنافسٌ على المظلومية، على من هو الضحية الحقيقية، ومن ناله الظلم أكثر من غيره. المظلوميون هم مظلومون تضخم العنصر الخيالي في ظُلامتهم إلى درجة الهذيان، فجعلوا من المظلومية هوية لهم أو تعريفاً لأنفسهم يبقى صحيحاً مهما فعلوا. جنون المظلومية هذا مُميِّزٌ للإسلاميين في عمومهم، وللجهاديين منهم بخاصة.

تتوحد هذه الآثار الثلاثة للمظلومية الإسلامية: الالتصاق بالذات، الانعزال عن الغير، تعذر الانعتاق، في مفعول واحد: الأنانية، «الأنانية الحلال» إن جاز التعبير. أنا مظلوم، أعرّفُ نفسي بمظلوميتي، إذن أندار إلى نفسي ولا أرجو الخير إلا لها، لا أشكر من يحسن إلي (كل ما أناله  حقي، بل بعض منه)، ولا ألوم نفسي على أذىً أُلحِقهُ بغيري (أنا عادلٌ مهما فعلت). أصير متوحشاً، وأدعو للتوحش، ولا أزال أراني أهدى الهداة.

وكلما ركنتُ بقوة أشد إلى المظلومية وسعتُ دوائر الغير الخارجي والغريب، لتشمل الغير المحلي غير المسلم، أو المسلم بصورة مغايرة، فضلاً عن جميع غير المسلمين، فضلاً كذلك عن العالم كله. فضلاً عن أولئك الذين يبدون ظاهرياً منا ومثلنا، لكنهم ليسوا في حقيقة الأمر مثلنا بقدر ما ينبغي أن يكونوا. بل إن هؤلاء أعدى علينا من الأعداء لأنهم «يُلبِسون» علينا، نحن المسلمين الحقيقيين، وعلى الناس. لذلك يجب أن «نطهر» صفوفنا أولاً. هنا نبلغ أعلى درجات الهذيان. وهنا تتلاقى الإسلامية المعاصرة كظاهرة انقسامية تطهرية، تمخَّضَ عنها عسر وجودنا في العالم الحديث، بتعريف النفس كنفس مظلومة يحدق بها الأعداء من الخارج والداخل. وهكذا ينزع الإسلاميون إلى التصرف كأقلية قلقة، مذعورة، بالغة الحساسية، ترى في كل حركة وسكنة انتهاكاً لها، لا تثق بنفسها ولا بأحد. 

الظالمية والتألّه

يتمثل عنصر آخر في مساحة التقاطع بين ما تورثه عقيدة التوحيد من شعور بالاختيار والفضل، من اختصاص بالله، وبين المخيلة الامبراطورية والميراث الامبراطوري المدون في عقائدَ وشريعةٍ ورثها الإسلاميون.

رغم أن دعوة نبي الإسلام تدرج الدين الذي أتى به في سياق إبراهيمي، وتسند «كتاب الله»، مبدئياً، إلى كتبه السابقة ومرسليه المتقدمين على محمد، على ما سلسلهم كل من التوراة والإنجيل (الأعمال الكاملة للمؤلف السماوي)، إلا أن الله الواحد، خالق السموات والأرض والبشر، مالك يوم الدين، القوة المطلقة، القادرة على كل شيء، الفعالة لما تريد، اختراع إسلامي بقدر كبير. ليس من عدمٍ بطبيعة الحال، ولكن الهيكلة الإسلامية لتصور الله مختلفة عن إله اليهود الذي يميزهم عن غيرهم مبدئياً ونهائياً، ويقتصر عليهم، وعن إله المسيحية الذي افتدى البشر على الصليب. إله المسلمين لا يمكن أن يُصلب، وإن كان الإسلام هو الدين الذي ارتضاه للناس، فإن باب الدخول فيه مفتوح للجميع. وقد وعد الله المؤمنين وعوداً خاصة تميزهم عن غيرهم وتُفضِلهم على غيرهم، وبمكافآت لا تنقضي إن هم اعتصموا بحبله، وأرضوه (ورضاه ليس ميسور المنال)، واستشهدوا في سبيله. هذا الجانب يرفد البعد الخيالي للهوية الإسلامية فيفتحه على أفق أخروي. لدينا مثال عن القوة المطلقة، راسخ في عالمنا الثقافي والرمزي، معبر عنه بلغتنا، فهل يبقى بدون أثر على تصور القوي القادر بيننا، الحاكم؟ السيد؟

أجد مغرياً عند هذه النقطة التفكير، استناداً إلى مثال داعش المذهل، في تديين المفاهيم العلمانية في اتجاه معاكس لذلك الذي وصفه كارل شميت بخصوص كون مفهوم الدول السيدة علمنة لتصور الله. مفهوم الحاكمية الإلهية بالذات يتضمن تأثراً من قبل المودودي بالدولة السيدة الحديثة، وبخاصة بنموذجيها الشموليين، الشيوعي والنازي، وقد كانا ملء الأسماع والأبصار وقت طلع المودودي بنظريته عام 1941. المشترك بين نماذج الدولة هذه أنها «تنتخب» شعبها. ولعله يمكن تعريف السيادة بهذا الانتخاب الذي يتضمن تحديد من يجب قتله حسبما عرفها (السيادة) أشيل مبمبه. مفهوم النكروبوليتكس (سياسة الموت) المثير الذي بناه مبمبه على غرار مفهوم البيوبولتكس لفوكو (إحصاء السكان وتسجيلهم وضبط أجسادهم وتنظيم الصحة العامة والجنسانية... كمهمات لسلطة انضباطية منبثة في المجتمع، ولا تتركز حصراً في الدولة)، يحتاج إلى هذا البعد السياسي المتمثل في الانتخاب كمكمل للبعد القتلي للسيادة (فوكو يرفض مفهوم السيادة، ولا يرى السلطة مستقرة في الدولة). هذا أفق جدير بالاستكشاف في السياق السوري بخاصة، حيث تعرض الدولة والدين طاقات إبادية مميزة. في كل حال، تمسّ الحاجة إلى تفكير متجدد في العلاقة بين اللاهوت والسياسة إسلامياً.    

وفي تشابكه مع كلّ من المخيلة الامبراطورية الموروثة والمظلومية المعاصرة، يورث الاختصاص بالله استعداداً مميزاً للظلم، الظالمية العادلة في عين نفسها، أو الظالمية الحلال بدورها، المقدسة أو المكرمة. وهذا ضرب من الامبريالية المُحسِنة مع رسالة تحضيرية، من الصنف الذي برر الاستعمارُ الغربيُ الحديثُ نفسه به، وورثها ولم يرث غيرها الإسلام السياسي، وأكثر منه الإسلام الحربي أو الجهادي. ويثمر تفاعل المظلومية المعاصرة مع ما يبثه التوحيد من اختيار إلهي إقصاء العالمية كتنوع (مما خبرته امبراطوريات المسلمين مثل غيرها) لمصلحة العالمية كفرضٍ لواحد، وكاستغناء بما نملك، الله ذاته، عن كل شيء آخر، عن الناس كلهم. العدمية في صيغة «إرهاب» إبادي صارت ممكنة سلفاً على هذه الأرضية. هذا يتحقق عبر انقلاب الاختصاص بالله إلى ألوهية أو تألّه. يقين السلفيين الجهاديين بأن كلام الله واضح مباشر بسيط، وأنهم يعرفونه و«يطبقونه»، فيستنفدون الله ذاته في ما يقومون به من أفعال، وأنه لا يكاد يكون في الله فائض عما يقولونه ويقررونه هم، يضعهم هم في موقع الفاعل الحقيقي، إله الله نفسه، ويضع الله في موقع عبد عندهم. نحن حيال انقلاب تام هنا: بعد أن كان الله الذي ليس كمثله شيء (وإن يكن من جانب آخر خلق الإنسان على صورته) غير قابل للاحتواء، جرى احتواؤه في صيغة من الإسلام مفرطة التصلب، صار مسلماً كما سأقول للتو.

ونرى على هذا النحو إعادة تشكيل الله في صورة موازية لإعادة تشكيل الإسلام، وفي اتجاه انكفائي في الحالين يوافق حاجات ومطالب أقليات صغيرة هي طوائف الإسلاميين المعاصرة. الله الذي يمكن بناؤه من تألّه شرعيي منظمات الإسلاميين وأمرائها هو اختصاصيُ تعذيبٍ وقتل، أشبه بلواء في المخابرات الجوية الأسدية.

انقلاب الله إلى مسلم هو احتمال ممكن منذ وجدت صيغة من صيغ الإسلام تفترض علاقة مباشرة بالله بلا وسائط، فتنكر عملياً التأويل والتاريخ، والثقافة، وتفترض الله قريباً مقروءاً، ومنتهياً، نحيط بسيرته ونعرف ما يرضيه وما يثير غضبه، كأنما هو أكثر تناهياً من أي من الفانين من مخلوقاته. هذا أضيق بكثير من إله اليهود الطائفي، وإن ظل بلا ملامح خلافاً لإله المسيحيين المصلوب. أسلمة الله تكرست مذهبياً في الأشعرية التي جمعت، خلاف المعتزلة، بين إنكار خلق القرآن، أي رفض إدراج القرآن في التاريخية، والحد من تنزه الله وتعاليه عبر إنكار الأسباب وعقيدة التدخل الإلهي المستمر. وعبر حرفية الحنبلية ونزعتها التشريعية السلوكية الانضباطية، تطورت هذه الصيغة في الوهابية، قبل أن تبلغ أعلى مراحل التأله في السلفية الجهادية. ولأن هذه العقيدة منكِرةٌ للوسائط، أي للتأويل والثقافة والفن والتاريخ، ولأنه لا يقف بينها وبين الله المقروء المعلوم المحدود شيء، فإنها مهيئة للانقلاب من عبودية لله إلى استعباد الله، ومن طاعة للقدير إلى تطويع له. يبدو الإسلامي عبداً لله، لكن في الواقع يبدو الله والإسلامي معاً عبدين للإسلام، لإسلامٍ هو جسم محدود من معارف وقواعد يعرفها «الشرعيون» ويحيطون بها.

تتصل أسلمة الله هذه بدافع أساسي عند الجماعات: تكريم الذات أو تشريفها. وهو في تقديري السبب وراء انتصار الأشعرية على المعتزلة. إله المعتزلة دستوري (ألزم نفسه بالعدل)، وميثاقه مع المسلمين تاريخي (خلق القرآن)، فيما الميثاق أبدي وأزلي عند الأشعري، الذي لا يلتزم إلهه بشيء.  

كان من شأن الوسائط، الثقافة والفن، والتأويل والفلسفة، والإيمان ذاته كفعل ثقة حي، أن يكون مساحة توازن تحول دون انقلاب المعبود إلى عبد والعبد إلى معبود، مساحة تحول دون أسلمة الله ودون تألّه المسلمين، وتجعل الله أفقاً للتعالي والغيرية والارتقاء. حين يجعل الإسلاميون من معتقدهم مطلقاً فوق كل وسائط، أي فوق مجال الإنسان، إنما يؤلّهون أنفسهم، فيكونون تماماً مثل من لا يؤمن بأي شيء على الإطلاق. ويفترض أن هذا امتياز لله وحده، فهو وحده من لا يؤمن بأي شيء، هذا استثناء مُعرِّف له. وبقدر ما يؤلّه الإسلامي نفسه، يُنصِّبُ نفسه سيداً وديّاناً للناس، فإنه يضع نفسه في موقع السيد العام والمُبيد العام، من يعلو فوق الناس كثيراً، ومن تنخفض حياة الناس أمامه كثيراً جداً، إلى ما لا نهاية. بشار الأسد هو المبيد العام في سورية لأنه لا يتقابل معه إلّا «اللا أحد»، وهو ما يقتضي إبادة كل أحد كمنهج لإنتاج اللا أحد. ومثل ذلك الإسلامي الذي ينفي التاريخ والبشرية في علاقته مع الله فينتهي إلى أن ينفي الله ويتألّه هو ذاته. فتوح المسلمين وامبراطورياتهم توفر تخيلاً للسلطة العالمية يستعاد بلا نهاية كتحقق للسيادة والسيطرة، كتألّه على الناس.    

وعبر الإخلاص لحرفيات النص، ولقواعد وشكليات طقسية وسلوكية وكلامية وقيافية، ما اختنق ومات في النفس هو البيت الداخلي أو الروح، وما عاش هو «الهوموإسلاميكس»، المبرمج على «الشريعة» والفاقد للحرية جذرياً (يراجع الفصل المعنون هوموإسلاميكس في كتابي: أساطير الآخرين).

عن مثل هذا التكوين الآلي تكلم دستويفسكي في مذكرات من البيت الميت: «ولم يكن [أكيم أكيموفيتش، نزيل معسكر الأشغال الشاقة سيبيريا، مع دستويفسكي نفسه بين 1849 و1854] بالمتدين كثيراً، لأن خضوعه الدائم للشكليات قد خنق جميع مواهبه الإنسانية، وكل عواطفه وميوله، سواء كانت طيبة أم خبيثة». هذا شخص يُؤمر، وينفذ ما يُؤمر به، وإن أمكن وصفه في سياقنا الإسلامي المعاصر بأنه كثيرُ التدين قليلُ الإيمان. وعلى نحو يذكر بحنه آرندت وكلامها على التفكير كحوار مع النفس (في آيخمان في القدس)، وعلى انعدام التفكير كجذر للشر، يضيف الروائي الروسي في وصف الشخص نفسه: «ثم إنه لم يكن يحب التفكير كثيراً. ولم تخطر له أهميته على البال أبداً، في حين أنه كان ينفذ القواعد التي فرضت عليه بدقة متناهية». دون تفكير، لكن مع «إخلاص أعمى للمراسم»، على ما يستطرد دستويفسكي، نحصل على القاتل المطيع، على آيخمان، وعلى السلفي الجهادي النمطي، المفتقر إلى لغة شخصية، والذي لا يتفوه بغير كليشيهات وصِيَغ جاهزة، وبدوره أيضاً يطيع ولا يفكر.

هذا ليس لتقريب السلفي الجهادي على نحو خاص من النازي، بل للقول إن الاعتماد على «ضمير خارجي»، في صورة عقيدة أو حزب أو قائد...، يقود إلى قتل التفكير والحياة الداخلية، والتحول المحتمل إلى آلات للشر.

وتسهم المخيلة الامبراطورية في الإجابة على سؤال يتواتر طرحه: ليس المسلمون وحدهم من تعرضوا لمظالم متنوعة، فلماذا يبدو أنهم، خلافاً لكثيرين غيرهم، يتفجرون ضد العالم من حولهم عنفاً بالغ التوحش؟ أعتقد أن تمفصل المظلومية مع الامبراطورية أساسيٌ هنا. المظلومية تعطينا شعوراً بالعدل مهما فعلنا، ومخيلتنا الامبريالية تشرّع لنا الركون إلى العنف والإخضاع وتنسب إليه قيمة إيجابية. ومن تمفصلهما نحصل على ما يمكن تسميته الامبريالية المقهورة التي لا تستطيع مقارعة الامبراطورية القاهرة جبهياً، فتجنح إلى «الإرهاب»، وهو من أنماط الإبادة المميز للتابعين The subaltern genocide، بتعبير آدم جونز في Genocide, A Comprehensive Introduction. جونز يمثل على ذلك بهجمات 11 أيلول 2001. لكنه يذكر أمثلة أخرى على إبادات قام بها التابعون (عموم الإبادات قام بها السادة، الدول أساساً ومن في حكمها) منها مذابح سكان هاييتي الملونين ضد البيض الفرنسيين عام 1804.

وخلاصة هذه الفقرة أن طوائف الإسلاميين تقوم على تفوقية إسلامية لا تغاير في شيء التفوقية البيضاء في أميركا: White Supremacy، وتحمل مثلها طاقة عنصرية وبرنامج إبادة محتملاً. لكن بما أنها وليدة ديناميكية تطييف، مفتقرة إلى الهيمنة، فإن تفوقيتها تنقلب إلى تشريع لعنف أعشى، تضررت منه مجتمعات المسلمين أكثر من غيرها.

الظلامية والاكتفاء الذاتي

مزيجُ المظلومية والاختصاص بالله يقود إلى تركيب نفسي سياسي خاص يمكن تسميته بالديْن الذاتي، ألا نكون مدينين لغير أنفسنا، وأن نجعل من هذا الديْن للنفس دِيناً: هذا هو جوهر دين الإسلاميين اليوم. ودون دين لأي كان لا يمكن أن تقوم التزامات حيال أي كان. نكون هنا في عالم الأنانية المحض، عالم أنا-وحدي (سوليبسيست)، لا وجود فيه لغيرنا، فلا التزامات حيال الغير ولا بأس باستغلال الغير. لا صداقة ممكنة هنا.

وليس أفضل رد على ذلك أننا مدينون لغيرنا بالكثير، وهو صحيح قطعاً، ولكن أن العالم والوجود في هذا العالم كله دين ووفاء، وأن تكويناً نفسياً فكرياً أخلاقياً يقوم على أننا لا ندين لغيرنا هو طريق مستقيم نحو البدائية أو التوحش. والأمر مثير للسخرية، بل مهين، حين ننسب لأنفسنا أفضالاً، في عالم لا يكاد يكون لنا اليوم إسهام في غير رفع مستوى القسوة والتعصب فيه. المسلم الكريم هو من يتمرد على هذا التركيب الطائفي، الكاذب حتى قبل أن يكون منبعاً فياضاً للأنانية والقسوة.

الدين الذاتي هذا عنصر من عناصر مركب ثالث يمكن أن يساعد في شرح استحكام الأنانية بالإسلاميين: مركب الكبرياء ونزعة الاكتفاء الذاتي. جذور الكبرياء الإسلامية المعاصرة تمتد بدورها في تربة تتلاقى فيها أخيلة الامبراطورية مع الاختصاص بالله، وقد وجدت سنداً انفعالياً وتعزيزاً في المظلومية والنفس المُنجرِحَة. مظلومون ومستهدفون بالتمييز اليوم، نحن في الواقع «خير أمة أخرجت للناس»، أمة الله والمدافعون الوحيدون عن الله في عالم جاحد كافر. الله نفسه منا، هو ذاته مسلم. نحن الموعودون بوراثة الأرض، أو بِنِعمٍ لا تزول في السماء. وقد كنا بالفعل سادة العالم، وفتحنا أراضي واسعة بين الصين والأندلس، إلخ. فإذا استطعنا فعل ذلك يوماً، فلماذا لا نستطيع اليوم؟

ماذا يعني الاكتفاء الذاتي؟ يعني استغناءنا عن موارد فكرية وأخلاقية ورمزية مغايرة، كان يمكن أن تكون مُخصِبة ومُغيِرة. يعني بالضبط الظلامية. وهو يتحرك لدينا في مساحة تتجاوز تقرير أن كل ما لدينا خيرٌ إلى أن كل ما هو خيرٌ لدينا. التقرير الأول ضرب من التكريم الذاتي شائع بين الجماعات كلها، وإن اختلفت أسانيده بين السماء والأرض، أو الأسبقية والدم، أو التاريخ والقوة، فيما الثاني هو ضرب متوتر من الغرور والأنانية، يرفع الفروق بين الجماعات البشرية إلى مرتبة الفرق بين الإنسان والحيوان. العنصرية وحدها ما تقوم على أساس كهذا، وهي مفتوحة في كل أمثلتها المعروفة على الإبادة.

ظلامية الإسلاميين هي من صنف كل ما هو خير لدينا، أغنانا الله بالإسلام عن كل شيء سواه، على ما يقول الشيخ القرضاوي. غاية ما قد نأخذ من الغير هو تقنيات أو إجراءات. الإسلاميون إجرائيون متطرفون، يجعلون من «الإسلام» مبدأ الذاتية الوحيد، ويردون كل شيء آخر إلى إجراءات بلا روح. والمشكلة أن مبدأ الذاتية متشكل على يد هؤلاء الإجرائيين، الذين يراكمون  فقراً فكرياً وروحياً وأخلاقياً قاتلاً للذاتية. كان يمكن لإجرائيتنا أن تحظى ببعض الوجاهة لو كنا في نهوض فكري وثقافي، في إبداعية وتفتح آفاق. مزيج الإجرائية والفقر الفكري اليوم هو الطريق المَلَكية نحو البدائية والتوحش، وإن جاملنا النفس بأفضلية ذاتية لا يراها غيرنا.

ظلاميتنا كبرياء نفس جريحة، تخادع نفسها بالأفضلية لأنها لا تستطيع مواجهة بؤسها.

ليس هناك ما نحتاج إلى تعلمه من الغير. ما لدينا كاف، بل هو كل ما يلزم. هذه الظلامية قد تأخذ صيغة مقاتلة، فتحاول فرض ما لدينا على غيرنا، وهو منهج السلفية الجهادية. الاسم المستحق لمحاولة القوى الغربية المتفوقة فرض ما لديها على غيرها هو الامبريالية (واليمين الغربي المعاصر ليس بعيداً عن القول إن كل ما هو خير لدينا). ولا نحتاج إلى اسم آخر من أجل جهود الإسلاميين للقيام بالأمر نفسه، حتى لو كنا ننكر إن القوى الغربية متفوقة في الواقع في القوة والمعرفة الاقتصاد والعلوم المضبوطة والتكنولوجيا، والفنون، والفلسفة والتأمل الأخلاقي، خلافاً للإسلاميين. والحال أن إنكار ذلك كله صعب، بل مُهين.

والوجهة الوحيدة للاعتراض على هذا الواقع هي الدفاع عن الغيرية والمساواة، أي عن مستمر أخلاقي يتساوى فيه الناس كمختلفين وملتزمين حيال بعضهم، ويستطيعون العمل معاً من أجل رفع الظلم، عن الغير كما عن النفس. وهذا بالضبط هو ما يرفضه الإسلاميون. يواجهون امبريالية الغير بامبرياليتنا الخاصة، وليس بتحررية عامة وعدالة عامة.

ثم أن الاكتفاء الذاتي يحكم على تفكيرنا بأن يكون تكرارياً، نقول الأشياء ذاتها طوال الوقت. الثقافات تنتهي إلى التحجر حين تختار أن تكف عن التفاعل مع غيرها أو تضطر إلى ذلك. التفكير التكراري هو لا تفكير، وما نكرره ينقلب إلى كليشيهات خاوية من المعنى. وما كان فكراً رفيعاً يبتذل ويذبل إن لم ينعشه تفكير حي متجدد. الماركسية استعادت شيئاً من الجدة والحياة، بل من الكرامة، عندما لم تعد مفروضة كعقيدة رسمية ومختصرة في كليشيهات وأقوال محفوظة. لكن بالطبع لا شيء يقاوم فعل الزمن، وهو لن يعطي استثناءاً لشيء من معتقدات البشر، سواء عرَّفَت نفسها كدين أم فكر، ونسبت نفسها إلى السماء أم التاريخ.

ثم إنه يقترن بميلنا إلى تكرار الأشياء نفسها أن نتكرر نحن بالذات في نسخ متماثلة: فإذ كنا كلنا لا نكفّ عن قولِ وفعل ما يقرره قادتنا وعلماؤنا من مثال أصيل واجب التكرار، نؤول إلى نتماثل مع المثال ونفقد ما يميزنا، فلا تبقى فائدة في كثرتنا ولا ضرر من قلّتنا. على هذا النحو نحكم على أنفسنا بعدم اللزوم.

العدوان أو الظلم الحلال

الأثر الأهم للفعل المتعاضد لكل من المظلومية والاختصاص بالله والظلامية يتعدى ضمور حس الغيرية، إلى العدوان على الغير حيث أمكن، وإلى «إدارة التوحش»، على نحو أسهم بقوة في المحنة السورية المتمادية. من جهة ارتكب الإسلاميون (الذين يعيشون في عالم لا أحد غيرهم فيه) جرائم بحق جمهور الثائرين السوريين، رفعت عتبة التماهي بالثورة من قبل سوريين كثيرين يمقتون النظام. ومن جهة أخرى تسببوا بخسران الثورة السورية معظم المتعاطفين معها عبر العالم، وذلك عبر مثالهم العدائي المنفر، وعبر تهديداتهم الجوفاء للعالم (فتح روما...)، وقللت بشدة من حساسية كثيرين لما يصيب السوريين.

في سياق آخر كان يمكن الكلام على إسلاموفوبيا هي الشكل الأبرز للعنصرية في عالم اليوم على ما يقول بحق غسان الحاج في كتابه الأخير (Debating Race: Is racism an environmental threat?، 2017)، سهّلت التواطؤ مع مصاب السوريين المديد. لكن من يشغلون أسوأ موقع للتحفظ على الإسلاموفوبيا هم إسلاميون لا يشعرون بدين لأحد في العالم، ولم يعبروا عن احترام لأحد في العالم قط.

هذا تركيبة فاسدة أخلاقياً وسيكولوجياً وسياسياً، تسببت بشرّ كثير للمسلمين وغيرهم، ولا يرد عليها بقول مبتذل يُعفي قائليه من التفكير: «الإسلام من ذلك براء».    

«الإسلام» من ذلك براء حقاً، ولكن لسبب منهجي عام، لا يختلف في شيء عن أن الماركسية براء من الغولاغ، والقومية براء من الهولوكوست، واليهودية براء من الصهيونية، والمسيحية براء من الحروب الصليبية وإبادة السكان الأصليين في «العالم الجديد». هذا السبب يتصل بأن العقائد «معان خارجية» تتقدم عليها في التأثير المعاني الداخلية المتصلة بتشكل منظمات الإسلاميين (أو الشيوعيين أو القوميين) ودولهم المعاصرة.

وذو دلالة أن من يقولون إن الإسلام براء هم بالضبط من يصرون على نسبة جرائم أية جماعات بشرية أخرى إلى عقائدها الفاسدة حصراً. هذا «ازدواج معايير»، نفاقٌ ببساطة. فقط على أرضية تفكير علماني، دنيوي وتاريخي، يمكن أن يكون دور العقائد، كل العقائد، في جرائم البشر مندرجاً في شيء أوسع من هذه العقائد نفسها. أما على أرضية معتقدية، فلن نجد غير الشهادات الطيبة بالنفس والسيئة بالغير. نكون هنا في عالم الديْن الذاتي. وهذا عالم للأنانية والعنصرية والقسوة.   

أُلحُّ بالمقابل على فكرة المظلومية وما يتصل بها لأنها تنقل النقاش إلى الحاضر التاريخي وحقوله وصراعاته وتركيباته النفسية والاجتماعية، فلا تحصره في الماضي وما ورثنا من جهة، ولا في المعتقدات المجردة وتصور الجماعات عن نفسها من جهة أخرى. ذلك أن المظلومية هي مساحة نفسية اجتماعية متولدة عن تقاطع الشروط «الموضوعية» الراهنة مع الاستعدادات الفكرية والسياسية الموروثة. يقيم الإسلاميون في المظلومية، إنها غريزتهم الأساسية، التي يُعاد تشكيل المعتقد الإسلامي ذاته عبر ضغوطها وتُدرَكُ «الشروط الموضوعية» ذاتها عبر تحريفاتها. المعتقد الإسلامي المتشكل عبر المظلومية هو، أُكرّر، دين طائفة الإسلاميين.

ومزيج المظلومية والامبريالية والنفس الجريحة المستسلمة لكبرياءٍ أجوف يبدو أنه يَحولُ دون ظهور أصوات إسلامية قوية تعترض على موت الغيرية في بيئاتنا. لسنا حتماً أسوأ من غيرنا ولا أشدَّ أنانية، لكن غياب أصوات غيرية أو اعتراضات مسموعة الصوت على المقدار الكبير من الشر الذي نحدثه في العالم يضعنا في موقع فكري نفسي أخلاقي غير محترم، ومن الأسوأ في عالم اليوم.    

وليس لتفوق الدولة الأسدية في الإجرام والتدمير، وليس لما تعرَّضَ له السوريون من خذلان دولي، أن يخفف من مسؤوليات إسلاميين متنوعين عن جانب من المحنة السورية. هناك جرائم موصوفة معروفة، وهناك تقييد اجتماعي وسياسي منتشر في مناطق سيطرة الإسلاميين، وهناك قبل كل شيء محنة تاريخية كبرى تتصاغر أمامها مِحَنُ الجيل الإسلامي الأول وأي أجيال إسلامية أخرى. هذه أزمة تأسيسية، يَُّرجحُ أن تفضي ويجب أن تفضي إلى إعادة تشكّل الثقافة والنظام الاجتماعي والسياسي، والأخلاقي والحقوقي والديني. والأرجح أن تكون حاسمة في شأن مستقبل طوائف الإسلاميين الناشئة، ودين الإسلام القديم ذاته.

المنهج والتعميم

في النهاية، هذه المقالة تحاول الإجابة على سؤال: لماذا ظهر الإسلاميون في سياق الثورة السورية كقوى تمييزية أنانية يتعذر العمل معهم من أجل قضية عامة؟ ما أقوله هو أنهم طوائف تنعكف على نفسها بصورة متشنجة، تحت تأثير مظلومية يلتقي فيها الواقعي بالخيالي، وتتلقى رفداً من مخيلة امبريالية ومن تكبّر واكتفاء ذاتي موروثين. هذه بنية متصلبة، زادتها صلابة تجارب التاريخ الحديث القاسية. ويبدو الإسلاميون أسراها، لا يتحكمون بها. أُخِذَ على الإخوان المسلمين السوريين مثلاً أنهم يحاولون احتلال أوسع مساحة ممكنة في الأجسام المعارضة السورية التي ظهرت بعد الثورة. أعتقد أنهم يفعلون ذلك بتوجيه من «دين المظلومية» الذي يتحكم بهم أكثر من العكس. الجماعة مفتقرون إلى الرؤية لأنهم مدينون كل الدين لدينهم هذا، لا يستطيعون مساءلته أو أخذ مسافة منه، أو تقمص غيرهم ومشاركته، أو الدخول في صداقة. ولا يستطيعون مساءلة مبدأ «الديْن الذاتي» الانعزالي. هذا يقتضي تفكيراً متجدداً، ولا يبدو أنهم قادرون إلى اليوم على ما يقتضيه التفكير من حوار مع النفس (آرندت) ومساءلة النفس.

ومعلوم من جهة أخرى أن السلفيين الجهاديين مضادون لـ «الرأي»، أي للتفكير، وأن كلامهم العام تكرار لمحفوظات سابقة، وأن السياسة لديهم تكنولوجيا حُكم هدفها إنتاج أناس متماثلين، لا يكفون عن قول وفعل الأشياء نفسها مدى الحياة.

هذا يوجب تفحُّصَ أُسسِ الضمير الإسلامي المعاصر، وليس فتح باب لبراءات واستثناءات من إسلام مثالي صالح لكل زمان ومكان، على ما يفعل جميع الإسلاميين. وحده ما يتغير هو ما يصلح لكل زمان ومكان. وباب الاستثناءات الذي يفتح الإسلاميون كي يحموا عقيدتهم الثابتة يتسع ليخرج جميع الإسلاميين، مجموعة مجموعة (داعش، ثم القاعدة، ثم الإخوان، ثم الصوفية، ثم تديّن العامة...) ، فلا يبقى غير إسلام مجرد، عاطل عن الفعل، مرفوع فوق رؤوس الناس أو فوق أناس بلا رؤوس. وفي الحالة القصوى نحصل على مسلمين سيئين كل السوء يقولون عن دينهم إنه صالح كل الصلاح!

عبادة الإسلام هذه هي منهج الإسلاميين. وهذا المنهج إما أن يُرفض رفضاً خارجياً لا يؤثر عليه، أو يُعتنق من قبل الإسلاميين ويُطابَق مع الإسلام، كأنما هذا لا يتشكل بالتاريخ وتجارب المسلمين. وفي الحالين يبقى المنهج غير منقود.

وهذا ما حاول هذا التناول تداركه، بما قد يساعد على الخروج من تشكّي الإسلاميين من التعميم بحقهم باتجاه ما أرى أنه المنهج الجامع لهم.  

ما تريد هذه المقالة قوله هو أن المشكلة في المنهج، في تركيب نفسي فكري أخلاقي يشغل الدين الذاتي وعبادة الإسلام مركزه. أي عملياً عبادة الذات، والتقليل من شأن الغير جميعاً، عموم المسلمين مثل غيرهم.

وما يمكن استخلاصه من ذلك هو وجوب إعادة بناء الدين على الأخلاق، على ما ينسب إلى كانط فعله في إطار الفلسفة الأوروبية. أخلاقية كانط المجردة استبعدت السود، ولم تكن غيرية وشاملة بقدر ما تقول صيغه في نقد العقل العملي. هذه سمة عامة لليونيفرسالية (العالمية) الأوربية. مستعدة لفتح باب للاستثناءات، عملياً إن لم يكن نظرياً. لهذا فإن الدفاع عن الغيرية والمساواة معاً يبقى تطلعاً جامعاً، وأرضية أصلب لنقد وإدانة الطائفيين المبدئيين مثل الإسلاميين، والكونيين الزائفين مثل عموم الليبراليين الأوروبيين، وأكثر اليساريين.

في سياقنا المحسوس، تعني إعادة بناء الدين على أخلاقية الغيرية ثلاثة أشياء معاكسة للثالوث المظلم. أولها، التحوّل من اجترار المظلومية المتقوقعة على النفس إلى مقاومة الظلم وفق معايير عامة للعدالة ومناهضة التمييز. وفي هذا الشأن من المهم جداً تجنب صراع المظلوميات، والتنافس بين من منا هو الضحية أكثر من غيره، مما ينقل الصراع إلى أوساط الضحايا والمظلومين، بدل أن يصارعوا معاً ضد المعتدين والظالمين. وثانيها، تطوير مجال الإنسان الذي هو مجال الوسائط، مجال الثقافة والتاريخ، المتعدد والكثروي، والمتكون حول الأنسنة واستبعاد الظلم ومقاومته. ومن هذا اليوم حفزُ التفكير في قضايا الضمير وإعادة بناء ثقافتنا حول تجاربنا المعاصرة، وهي تصمد للمقارنة مع أي مواريث تاريخية، دينية أو غيرها، وتتفوق عليها. وثالثها المشاركة مع الغير والتعلم من الغير والأخذ والعطاء من الغير، ضداً على الامبريالية، والتألّه، وضداً على التبعية والعبودية والخضوع. الوجود في العالم هو دَين ووفاء، وأولئك الأخيار في عين أنفسهم، الذين لا يدينون إلا لأنفسهم، يتسببون بالأذى أكثر من غيرهم، وهم أجدر بالإدانة من غيرهم.

وفي النهاية نكون كغير إسلاميين في موقع أفضل بكثير لإدانة الظلم الإسلامي الحلال حين نقاوم ما يقع على الإسلاميين من ظلم، ونرفض المطابقة الحصرية بينهم وبين العدوان والتمييز، مما يبدو الطلب عليه مرتفعاً اليوم في دوائر يمينية ويسارية في الغرب. هذا خطأ، وهو يسهم في إغلاق دائرة الشر علينا جميعاً، نحن والإسلاميون والعالم. الاعتراض على نقد تمييزي للإسلاميين، وللإسلام، يبقى النهج التحرري الصحيح، وهو لا يقتضي بحال إغراق مظالم الإسلاميين وجرائمهم في نسبية مظلمة هي ذاتها. العنصرية هي استثناء الإسلاميين، وربما المسلمين، من مناهج الإنسانيات، وهي تمهد لإخراجهم من الإنسانية، وتالياً إباحتهم للإبادة. لكن ليس للاعتراض على ذلك أن يُميِّع الشكل الخاص للعداونية أو للظلم الإسلامي على ما حاولت هذه المقالة إضاءته، وتحديداً ما يتصل بتصوريّ الامبريالية المقهورة والديْن الذاتي. لدينا سلفاً تاريخ كاف وتجارب كافية لنقد جذري، لا يكون صوتَ نفس منجرحة أخرى.

السجين- السجّان

أختم بصورة يبدو لي أنها تمثل وضع الإسلاميين التاريخي المعاصر، صورة تشكيل جيش الإسلام في الغوطة الشرقية، السجين الذي هو سجان في الوقت نفسه. جيش الإسلام هو التشكيل السلفي العسكري أو «المجاهد» في الغوطة الشرقية المحاصرة. عمل على السيطرة على دوما وفرض صوته الواحد فيها منذ نشوئه على يد سجين سابق في صيدنايا، زهران علوش. شرعيُّه، سمير الكعكة، هو بدروه سجين سابق في صيدنايا.

وقت اختطف سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي كانت الغوطة الشرقية محاصرة حصاراً كلياً مطبقاُ منذ نحو شهرين. كان هذا التشكيل سجيناً، وهو ما لم يمنعه أن يكون سجاناً. عامي 2015 و2016 هما عاما فجور السجان-السجين، اعتقل وعذب واغتال وقتل واعتدى على متظاهرين وأعدم بأسلوب داعشي مقاتلاً ضد النظام في ساحة عامة، وعرض أسرى في أقفاص حديدية. هذا أسوأ وضع ممكن أخلاقياً وفكرياً ونفسياً. هذا بينما كان النظام لا يتوقف (وإلى اليوم) عن قصف دوما والغوطة الشرقية فتنزف دماء سكانها، بمن فيهم مقاتلون في جيش الإسلام. فلا هو وضع سجين يحلم بالحرية ويعمل من أجل الحرية مع غيره، ولا هو وضع سجّان يحاول أن يكون السيد الوحيد، ولا يرضى بسجّان منافس. جيش الإسلام متعايش مع السجّان الأسدي الأقوى، ولو تركه هذا بأمان في إمارته لكان محتملاً جداً أن يرضى هو بسيادة المملكة الأسدية.  

هنا تعارض عميق بين الوضع الفعلي وبين وعي هذا الوضع وضميره، مما هو سمة جوهرية للإسلاميين في عالمنا المعاصر: مسودون، مقهورون، لكنهم يتصرفون كمستبدين قاهرين، يرفضون المساواة مع غيرهم ولا يريدون أن يكون لهم شركاء. خاسرون محترفون، يتسببون بالخسارات الأكبر لأنفسهم ولغيرهم، ثم يشكون من كيد العالم ومؤامراته.

السجين السجّان، المظلوم الظالم أو الامبريالي المقهور، هو وجه أساسي لوضع العرب والمسلمين المعاصرين في العالم. نجمع الأسوأين: المظلومية والعدوان. وهو ما يقتضي، بين أشياء أخرى، تصفية حساب نهائية مع الامبراطورية وأشباحها في تفكيرنا ومخيلتنا.

لدينا دليل رمزي نهتدي به: ننحاز نهائياً للسجناء المضاعفين، المحاصرين حصاريْن، لرزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي.

ولسميرة الخليل التي هي فوق الحصارين سجينة العهدين، الأسدي والإسلامي.