المعارضة والثورة وما بعدهما

 

يحاول هذا النص أن يُسائل المنطق الائتلافي الذي هيمن على السياسة المعارضة السورية خلال العقدين الأخيرين، عبر تتبّع أبرز نقاط خطّه الزمني قبل وخلال الثورة، كما يسعى لتلمّس ملامح بعض الظواهر التي تولّدت عن هذا المنطق الائتلافي المديد، أو رافقته وغذّته وتغذّت منه. 

القاسم المشترك الأكبر 

كان العمل على تشكيل جبهة، أو مظلة، تجمع أكبر عدد من المتباينين، أحزاباً وأفراداً ومجموعات، هو المهيمن على النشاط السياسي المعارض خلال العقد الأول من القرن الحالي، أي منذ ربيع دمشق (2000-2001)، مروراً بإعلان دمشق خريف 2005، وهو المظلة السياسية الأكبر للمعارضة السورية في فترة ما قبل الثورة. لم يكن هذا النموذج من العمل المُعارض مقتصراً على سوريا، إذ ظهر في عدد من الدول العربية الأخرى، مثل لبنان ومصر. علّة وجود هذه الائتلافات كانت الاشتراك بقراءة مُتجاوِزة لاختلاف الجذور الفكرية، قوامها أن الصراع مع هذا النظام ليس صراع أفكار ولا تفاصيل ولا سلوكيات محددة، ولا حتى «الاستبداد» لوحده، بل مشكلة جذرية مع مفهوم للسلطة قائم على مُلكية البلد وخصخصة الدولة، أي «سوريا الأسد»، بوصفها استعصاءاً تاريخياً لا يمكن تجاوزه دون تغيير جذري وعميق في سلوك النظام (أو دون إسقاطه، اعتباراً من 2011). وقد عُدّت هذه القراءة قاسماً مشتركاً أكبر بين عدد من الأحزاب والأفراد والجمعيات، ونُظر إلى جمع أكبر عدد ممكن، من أوسع تنوّع ممكن، من الأفراد والأحزاب على أنه جهد رمزي ثمين.

وعدا انطلاقه من قناعة راسخة بهذا القاسم المشترك الأكبر، تغذّى النموذج الائتلافي من ظروف السياسة والفكر في العقد السابق، من ذمّ للإيديولوجيا والتنظيم (بشكل مبالغ في استعراضيته في بعض الأحيان) وتقديم شخصية «المثقف المستقل» -الذي يوفّر له النموذج الائتلافي فرصة لأن يكون في نشاط جماعي فضفاض، أقل ثقلاً من الانضباط الحزبي، مع الاحتفاظ بفردانيته واستقلاليته- على شخصية «المؤدلج» (ولعلّ بعض الناشطين في تلك الفترة يتذكر كيف كان «مؤدلج» نعتاً أشبه بالشتيمة، وما زال..). كما أن ظروف القمع الشديد وصعوبة النشاط العلني أو الفكري أو البحثي أدّت لأن تكون الحياة الفكرية السياسية متمحورةً حول نقاشات مجرّدة عن الاستبداد والديمقراطية، ضمن جو من الاهتمام بالنقاشات الفكرية عن الإسلام والحداثة والتعاطي مع التراث، وسؤال الدولة والدين والهويّة. كلّ ذلك وسط خطاب أوسع يستقي تعابيره بشكل أساسي من قواميس حقوق الإنسان والمجتمع المدني، خطاب «واقعي» من حيث وضوحه في أنه بعيد جداً في موازين القِوى عن أن يُشكّل تحدّياً كبديل، وبالتالي هو في حِلّ من أن يضع أدبيات وبرامج عن كيف يجب أن يُمارس الحكم في سوريا أبعد من أفكار عامة، قيميّة أكثر من كونها برامجية، عن الديمقراطية كنظام حكم (دون الدخول كثيراً في أيّ نوعٍ من أنواع الديمقراطية، ولماذا)؛ وعن مكافحة الفساد والنهب المترافقين مع التسلّط كمحور اجتماعي- اقتصادي وحيد في بلد كان يعيش تحوّلات اجتماعية كُبرى لم تنل بالكاد اهتماماً على مستوى السياسة المعارِضة. 

عدا الأخوان المسلمين، الموجودين تنظيمياً خارج البلد، كان هناك أحزاب، أو بقايا أحزاب، خارجة من السرداب الطويل من القمع والتنكيل الذي عنته عقود الثمانينات والتسعينات وهي منهكة ومتقادمة تنظيمياً وفكرياً، تعاني نزيفاً شديداً من الأعضاء نحو «الاستقلالية» أو نحو الانسحاب الكامل من السياسة. وقد دخلت الأحزاب ضمن التركيبة الائتلافية، نفسياً وفكرياً، ثم تنظيمياً، منذ اللحظات الأولى لتولّي بشار الأسد السلطة خلفاً لأبيه، كمخرج من أزمتها الداخلية، وكمحاولة للمشاركة الإيجابية في جمع الناس بعد تفريقهم الطويل، حتى لو على محاضرة يحضرها عشرات الأشخاص في بيت أو مكتب، ما لم يكن قليلاً أبداً في واقع الخنق الأمني الشديد الذي يعانيه الناس.

كان النموذج الائتلافي ما يزال هو المهيمن حين اندلعت الثورة في آذار 2011، رغم أن المظلة القائمة، إعلان دمشق، لم تكن في أحسن حالاتها، إذ كانت قد عانت خلافات عاصفة وانسحابات بعد أقل من عامين من تشكيلها، ولاقت خيانة مزدوجة من الأخوان المسلمين، مرةً حين انتقلوا من العمل المفترض على ملاقاتها نحو تشكيل «جبهة الخلاص» مع عبد الحليم خدّام عام 2006؛ ومرة أخرى حين أعلنت الجماعة عن تجميد معارضتها للنظام «تقديراً لمواقفه خلال الحرب الإسرائيلية على غزّة» عام 2009 في الوقت الذي كانت قيادة إعلان دمشق قابعة في سجون النظام. لم يكن النموذج الائتلافي قد أنجز الكثير خلال نصف العقد السابق للثورة، أكثر من اجتماع كثيرين مختلفين على الاتفاق -مؤقتاً- على أهمية وضرورة اجتماعهم. مع ذلك، شكّلت لحظة الثورة دفعاً كبيراً للمنطق الائتلافي، إذ كان من المنطقي أن يتبنّاه عشرات الآلاف من الداخلين إلى الشأن العام في اللحظة الثورية، فضلاً عن الناشطين المعارضين: هذه أول فرصة حقيقية للتخلّص من «سوريا الأسد»، الاستعصاء التاريخي الشنيع، وثمة احتمالات لحصول ذلك خلال أسابيع أو أشهر، وبالتالي فمن المنطقي الاعتقاد بأن الاحتشاد لتسريع فكّ هذا الاستعصاء، ووضع الفروقات البينية جانباً، يوفّر دماً ومعاناة، ويمكن معالجة هذه الخلافات، الثانوية بالمقارنة مع التناقض الأولي مع النظام، في خضم الواقع الجديد بعد التخلّص من النظام الأسدي.

ضمن المنطق الائتلافي، القائم على القاسم المشترك الأكبر، تأسست الغالبية العظمى من مبادرات العمل الجماعي، من التنسيقيات واتحاداتها، وصولاً إلى هيئة التنسيق والمجلس الوطني ثم الائتلاف، والهيئة العليا للمفاوضات بعدها. جميعها ارتكزت على إنكار عميق للإيديولوجيا والخلافات الإيديولوجية، والمُكابرة على الاختلافات بشكل اقترب في لحظات كثيرة من العداء الصارخ للسياسة، وللثقافة أيضاً. حتى الأسلمة، حين حصلت، كانت وفق تكتيكٍ معادٍ لفظياً للسياسة ومُدين للاختلاف والسجال.. ممارسة السلطة وفق إيديولوجيا إسلامية، واحتلال الفضاء العام بالكامل من قِبل رموز ورايات الحركات الإسلامية الحركية، ثم الجهادية، لم يكن -وفقاً لمنفذيها- برنامجاً سياسياً لحزب أو فصيل، بل كان تطبيقاً لـ«إسلام السوريين»، حسب الخطاب التسويغي. 

صحيح أن البُنى الائتلافية خلال الثورة، المجلس الوطني والائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات، تعرّضت لكثير من الهجوم من قِبل جمهور الثورة منذ اللحظة الأولى، وأنها، باستثناء الشهور الأولى من وجود المجلس الوطني، لم تَحُز إجماعات كبيرة على شرعيتها ودورها، لكن الجزء من العطالة النابع أصلاً عن المنطق الائتلافي-الرمزي الذي حكم إنتاجها، والذي تسبب أيضاً بقدر كبير من التدخّل الخارجي في تركيبتها وعملها تحت عنوان «التوسعة» و«تمثيل الجميع» و«وحدة المعارضة»، كما حصل في محطات عديدة مع المجلس الوطني والائتلاف، لم يُنقَد كفايةً. ليس فقط ذلك، إذ أن عدداً كبيراً من المبادرات السياسية التي ظهرت إما لنقد البُنى الموجودة، أو لـ«التأكيد على ثوابت الثورة»، أو لتقديم مرجعيات أخلاقية ثورية، أو قراءات موضوعية، كانت كلّها منصبّة على القاسم المشترك الأكبر ذاته، وإن قدّمت نفسها على أنها قادرة على فهمه، أو قراءته، أو الدفاع عنه، أفضل من غيرها. 

وبنظرة إلى المجال الثوري الأوسع من البُنى السياسية، يمكن القول إن المنطق الائتلافي، القائم على جمع أكبر عدد من المختلفين حول الثورة كقاسم مشترك أكبر، تعمّقَ، مع هول المجازر وشدّة العنف الإبادي الذي وجّهه النظام نحو المنتفضين وبيئاتهم الاجتماعية، نحو تقديم الثورة بحد ذاتها كإيديولوجيا متكاملة، وهوية (لا)سياسية تشرح نفسها بنفسها، وكل التباينات الفكرية والإيديولوجية موجودة خارجها، ومن السهل أن يُنظر إلى أي تعبير ذي صبغة إيديولوجية على أنه تشويش على وضوح فكرة الثورة (مجدداً، ما عدا الإسلاميين، الذين استطاعوا دوماً تمرير أجندتهم الإيديولوجية على أنها «ثقافة الناس»). شاع أيضاً، ضمن إيديولوجيا الثورة، أن يتم استنكار أي إشارة لتباينات جغرافية أو اجتماعية (ريف- مدينة، طَبقة، منطقة) كونها تعبيرات «مناطقية» ذميمة، حتى لو كانت الإشارة على صعيد محاولة الفهم السوسيولوجي لظواهر محدّدة، وتفريق مضرّ بالثورة حتماً، وإن لم يشمل الاستنكارُ الإشارة للفروقات الطائفية في أغلب الأحيان. 

 لم تخلُ أي سنة من سنوات الثورة من استقطابات حادّة في الرأي العام الثوري، منها سجالات السلميّة والسلاح؛ التدخّل الخارجي ورفضه؛ والعلمانيّة والتديّن، الحاضر الأبرز -الاستقطاب الذي حاول مع 2011 أن يبني قاسماً مشتركاً أكبر اسمه «الدولة المدنيّة»، مصطلح لا يعني شيئاً ويعني أشياء كثيرة في آنٍ معاً، «الدّال الفارغ»-؛ لكن أياً منها لم يُسائِل بشكل جدّي النموذج الائتلافي القائم على الثورة، بل أكّد عليه في الحقيقة عبر استخدام منطق الطعن في «ثورية» الخصم، أو الحكم عليه بأنه خارج الثورة.

وقد يكون من الممكن النظر إلى إعادة احتلال النظام لحلب الشرقية في النصف الثاني من عام 2016 على أنه محطة ازدادت فيها إيديولوجيا الثورة لا سياسيةً بعدها، وصولاً إلى اليوم. قبل سقوط حلب لم تكن أمور الثورة على ما يُرام، فدرجة الاستباحة والقتل والتدمير التي مارسها النظام وحلفاؤها مثيرة للهلع، وأحوال المناطق الخارجة عن سيطرته يُرثى لها بين القصف الجوي المستمر، والفوضى، والعوَز، وتصاعد مشاريع سلطوية عدوانية شرِهة فيها، وكانت موازين القِوى مائلة لصالح النظام بطريقة ساحقة، خصوصاً إثر المجزرة الكيماوية في الغوطة في آب 2013، لكن رغم تلك الأوضاع كانت هناك قاعدة موضوعية للتفكير بأن تغيّرات سريعة أو قصيرة الأمد يمكن أن تحصل بشكل مؤثّر في موازين القِوى لصالح الثورة، وبالتالي فمن الحصيف المحافظة على إجماع فوق-سياسي طالما أن فكّ الاستعصاء التاريخي ما زال، رغم الصعوبات، احتمالاً قائماً. مع التدخّل الروسي، ثم مع سقوط حلب، بات الهدف المباشر، سقوط النظام، أبعد وأكثر تعقيداً، وازدادت الأوضاع الميدانية والسياسية سوءاً. في هذا الطور، أصبحت إيديولوجيا الثورة قائمة على تمترُس، نبيل المقاصد، كوّنَهُ إعلان رفضٍ غاضب للتخلي عن القضية، وتمسّك لا عودة منه بعداء وجودي مع النظام الأسدي، لكنه شبه عقيم سياسياً، وأقرب للميتافيزيقيا من قربه للسياسة، كونه يقرن التمسّك بالقضية بتطهّر وتجريد هارب من التفكير في التكتيك والاستراتيجية، ويعتبر سؤال الجدوى والمعنى والأسلوب والأدوات إعادة تموضع انهزامية. 

"ياسمين فنري"

"ياسمين فنري"

آثار المنطق الائتلافي المديد

قبل المضيّ في قراءة التوابع التي ترتّبت على المنطق الائتلافي المديد في الساحة العامّة السورية، يتوجّب تقديم استدراكين. الأول يودّ أن يؤكد أن الساحة العامة السياسية هي بنت ظروفها، المبنية على قمع شديد قبل الثورة، وعنف إبادي بعد اندلاعها. لا تودّ هذه السطور أن تفترض وضوحاً مرتاحاً بأثر رجعي، بل على العكس تماماً، تصرّ على التذكير بأن كل ممارساتنا العامة كانت على إيقاع المجازر المتتالية، بحجم وسرعة أكبر من قدرة أي ساحة عامة على الاستيعاب، وما زلنا تحت التأثير الصارخ لهذا الإيقاع القاتل، وبالتالي يستحيل افتراض وجود أذهان صافية وشروط مريحة ووقت ومجال لبناء عمل سياسي ضمن الشرط السوري، وإن كان من المفيد، رغم الصعوبة الجمّة، محاولة أخذ مسافة من أنفسنا بين الحين والآخر وتفحّص حالنا من خارج شرطنا اليومي -ضرب من الخروج من بين الأشجار كي نتمكن من رؤية الغابة-. الاستدراك الثاني هو أن الوعي لمشاكل المنطق الائتلافي لا يلغي منطقيته، بل حتميته، في ظروف معينة؛ إذ أن الحصول على إجماعات تمهيدية، خاصة على الشؤون الوطنية و«شروط اللعبة السياسية» هو حاجة أساسية لأي ممارسة ديمقراطية. لكن من المستحسن ألا يكون المنطق الائتلافي التوافقي هو المهيمن على الساحة، وألا يُعتبر أن بناء أعرض جبهات ممكنة، مكوّنة من أكبر عدد من المختلفين، هو النموذج الأوحد في العمل السياسي. كما يُستحسن ألا تدوم اللحظات الائتلافية طويلاً.

تبدأ أولى مشاكل المنطق الائتلافي على قاسم مشترك أكبر في فهمه وتقديمه للديمقراطية. فالديمقراطية، كما نعرف من البُنى السياسية السورية خلال الثورة، هي كناية عن بلورة اتفاق مختلِفين أكثر من كونها آلية تنظيم اختلافهم، ما يجعل الاختلاف المطلوب من أجل حسن سير التوافق الائتلافي هو اختلاف مشهدي، وليس فكرياً أو عملياً: يساريون دائمو التعبير عن أن الإسلاميين أقرب لهم من اليساريين الموالين؛ إسلاميون حديثهم المفضل هو عن فارس الخوري؛ «أحرار الطائفة العلوية»؛ أكراد جيدون.. هذا مع تمثيل لـ«المرأة» تُراعى فيه نسب المحجبات وغير المحجبات حسب موازين الهيمنة ضمن المؤتلِفين. والاختلاف المشهدي هذا حسّاس، يفترض منك أن «تبدو»، ولكن ليس أن «تُمارس». هكذا، يجب أن تمارس مشهديتك كيساري، لكن لا أن تمارس سياستك كيساري، لأنك إن فعلت فستكون «إقصائياً». للمفارقة، مجدداً، هذا الشرط لا ينطبق على الإسلاميين، لأنهم لا يمارسون السياسة بل يتمسّكون بـ«دين الناس». 

أيضاً، تستدعي اختزالية المنطق الائتلافي للتعقيد السياسي في قاسم مشترك أكبر نزعات مُعادية للسياسة، وفي حال كون القاسم المشترك الأكبر ضرورة تاريخية وإنسانية فعلية، مثل التخلص من النظام الأسدي، يرفع القاسم المشترك الأكبر، الثورة، إلى مصاف المقدّس، ويتوافق مع نزعة قديمة وعميقة وعامة من العداء التقليدي للسياسة، واعتبارها بالتعريف شيئاً «قذراً» أو «ملتوياً» لا علاقة له بالثورة، التي هي نقاء وطهارة ووضوح لا يمكن أن يكون فيها شيء من «السياسة». على سبيل المثال، أحد رؤساء الائتلاف الوطني السابقين، معاذ الخطيب، صرّح مرّة ردّاً على انتقادات حادة لما اعتُبر خفّة وعدم انضباط في سلوكه السياسي أنه «يكره السياسة والسياسيين». والخطيب نفسه مثال على مشكلة أخرى تجد تحت المنطق الائتلافي ظلاً لها: افتراض أن هذا المنطق حلّ جيد للتواجد في عمل جماعي والحفاظ على «الاستقلالية» في آنٍ معاً. وقد تم التطرق سابقاً لظاهرة «المثقف المستقل» خلال عقد الألفينات، وهي ظاهرة استمرت وكانت لها آثار كارثية خلال الثورة، لأن المستقل «يفكر من رأسه»، وأمور مثل الانضباط والمأسسة لا تعنيه بشيء. هكذا، قدّم معاذ الخطيب مبادرات فيسبوكية دون أي عودة للمكتب التنفيذي للائتلاف الذي كان يرأسه، لأنه «مستقل»؛ وحضر مسؤولون في بُنى سياسية اجتماعات ولقاءات، وقدّموا تصريحات عامة «بصفتهم الشخصية» رغم رفض البُنى التي ينشطون فيها ذلك الحضور وعدم اتفاقها على إصدار هكذا تصريحات؛ ووجدنا مسؤولين مهمين في البُنى السياسية ذاتها، يرأسونها أو يديرون أجزاء مهمة منها صباحاً، ثم يكتبون مقالات تحليلية عن فشلها وقصورها مساءً، وكأنهم مراقبون خارجيون نقديون. 

عدا العداء للسياسة، تنزع اختزالية المنطق الائتلافي، خاصةً في شرط كالسوري، لتغذية عداء، تقليدي هو الآخر، للثقافة. الاختزالية حكماً تسعى لـ «كسب الوقت» و«توفير الجهود»، وبالتالي فإن التفكير والتحليل والتفكيك و«التنظير» (الكلمة الملعونة) هي لزوم ما لا يلزم.. الاختزالية تحب الحركة وليس التفكير، والفعل وليس القول، و«أسوأ مقاتل في الخنادق أفضل من أفهم سياسي في الفنادق» وأقوال من هذا القبيل. ومن السهل أن يجد المرء تعبيرات شديدة الكره والذّم لـ«المثقف» أو «المثقفين» بوصفهم مصدر موبقات كبرى، ومتسببين بآفات لا تُطاق، على ما يبدو. 

المنطق الائتلافي المديد، الذي صار إيديولوجيا الثورة لاحقاً، بافتراضه دوماً أن لدى جذريي العداء لنظام الأسد على اختلافهم، حكماً، قضية مشتركة، يُصر على الجمع الرمزي بين جهات وحساسيات وأفكار لم يعد ممكناً أن تكون في مكانٍ واحد -بافتراض أنه كان من المنطقي التفكير، قبل تعقّد الأمور وتراكم المعايشات السلبية، أن هناك قضية مشتركة حكماً- وهو ما فَرَضَ، اعتباراً من مرحلة معينة، قدراً كبيراً من العطالة، فالانشغال بالتأكيد على الثورية، ومقاومة الإخراج من الثورة، أو العمل على تأكيد خروج ذلك الآخر من الثورة، يُعطّل التفكير والبحث عن باراديغم جديد للتنظيم والعمل. وكما يجمع هذا الإطار الائتلافي القسري، رمزياً على الأقل، من لا يجوز ولا يفيد أن يُجمعوا، فإنه يترك خارجه ويعزل ويُعادي من لا يجب أن يُعادى. 

بات في إيديولوجيا الثورة، والمنطق الائتلافي الذي نبعت منه، كمون مُكابر على الإجابة على أبسط وأول أسئلة  السياسة: من هو صديقك، ومن هو حليفك، ومن هو خصمك، ومن هو عدوّك، وأيّ من هذه ظرفية وموضعية ومؤقتة، وأيها دائمة؟ 

بضعة أسطر عن «التيار الثالث» 

ليس لتعبير «التيار الثالث» سمعة حسنة في السياق السوري ضمن جمهور الثورة. فهو يُشير إلى مخيالٍ عن طبقات وسطى ووسطى عُليا مدينية اتخذت موقفاً سلبياً من الثورة، أو يشير لمواقف سياسية تمييعية أو «حيادية» هي، في سياق كالسوري، انحياز متذاكٍ للأقوى والأقدر على الأذى. لم يُخترع هذا المخيال، ولم يأتِ من وهم، بل إنه مبني على وقائع موجودة. لكن خطاب إيديولوجيا الثورة، خصوصاً في السنوات الأخيرة، مع تحوّل معارك الإيديولوجيا الثورية إلى معارك رمزية بشكل أساسي، تُقاس فيها الجذرية الثورية بمدى القدرة والرغبة على خوضها، أسرف في استخدام مفهوم «التيار الثالث» وخلط فيه النماذج المذكورة أعلاه مع قطاعات واسعة جداً من السوريين، داخل وخارج سوريا، لم تعد تجد نفسها، أو لم تجد نفسها يوماً، داخل إيديولوجيا الثورة، لأسباب أكثر وأعقد من أن تُختزل لتُزدرى، دون أن يعني ذلك أنهم أقرب لنظام الأسد، أو مستعدين لأن يكونوا موالين للنظام بأي شكل من الأشكال. ربما يشعرون أن الثورة، خصوصاً في طورها المسلح، لم تُنصفهم، أو لم تحمِهم، أو ظلمتهم، أو آذتهم؛ أو ربما لم يعودوا قادرين على رؤية أن هناك ثورة في البلد خلف كل التعقيدات والانكسارات والتدخّلات والاحتلالات والركام والموت. ثمة حاجة لفرز هذه الفئة الشعبية الواسعة والانفتاح عليها واعتبارها حقل عمل سياسي يجب ألا يُترك فارغاً، ولا يجوز أن يُسلّم بالمجان لبشار الأسد وتكتيكاته الملتوية في الإمساك بهم، كما ينبغي خلق رموز ولغة جديدة للتعاطي معها، بدل تحويلها لآخر سلبي يُحقّر ويوبّخ من قِبل الجذرية الثورية، في فعل مؤذٍ سياسياً، ولا يفيد إلا في المزيد من الغرق في الإحساس بالحق المطلق والوحدة الخانقة، ومن المؤسف القول إن هناك ظاهرة مؤلمة من الوقوع في غرام حالة «القلّة الناجية» وسط محيط من «التيار ثالثيين» المتخاذلين ضمن أوساط الجذرية الثورة. وهي حالة من المنطقي أن تحصل، بل من اللا منطقي ألا تحصل، لكن هذا لا يمنع كونها غير صحّية. 

من الشائع أن يُردّ على هذا الكلام بقول إن مواقف هؤلاء من الثورة غير مُنصفة، فأي شيء يثير مخاوفهم أو يُشعرهم بالغبن لم يكن ذنب الثورة، بل نتيجة عوامل وظروف أخرى، أو تجاوزات، أو اضطرارات معينة. وقد يكون هذا الكلام صحيحاً، بقدر ما هو صحيحٌ أن أفعال داعش «لا تمثّل الإسلام»، أو أن «الشيوعية الحقّة لم تُطبّق في أيّ بلد» كما يدّعي شيوعيون كثر. ما يجمع هذه الأمثلة هو أن المدافعين عنها لديهم منطق مشروع للمرافعة عنها، لكن ترسيخها كحقائق يحتاج إيماناً من المتلقّي، والعمل السياسي قائم على خلق وتجديد وتحسين آليات وأدوات الإقناع وكسب المساحات، وليس على محاسبة ضعيفي الإيمان. 

ما بعد الثورة؟ 

يعترف كاتب هذه السطور بعدم راحته وهو يكتب «ما بعد الثورة»، وسبق، في تجارب لاستخدام العبارة مع أصدقاء، أن نتج عنه حزن وغضب واستنكار في كثير من الحالات، وربما وحدها المعرفة أو الثقة الشخصيتان منعت اعتباره «تكويعة استسلامية». وجزء كبير من عدم الارتياح مُحق، لأن التجرؤ على قول «ما بعد الثورة» يقتضي حكماً أسئلة مشروعة من نوع: متى انتهت الثورة إذن؟ ومن يمتلك الشرعية لإعلان ذلك أو تقريره؟ أو تأكيدات، نبيلة وإن سجالية، من نوع أن الثورة لا تنتهي إلا بانتصارها. وباستخدام المصطلح لا أقصد أن بحوزتي أجوبة على أي سؤال من الأسئلة، بل وأعترف بوضوح بإشكالية المصطلح وقصوره، خصوصاً وأنه قد يفهم كدعوة للتخلي عن الثورة، حين لا يُقصد منه ذلك أبداً، بل على العكس: من الضروري اعتبار الدفاع عن الثورة السورية ومشروعيتها، وخوض كل المعارك في كل الساحات من أجل الاستحواذ على رواية ما جرى في وجه كل محاولات الخطف التي تتعرض لها قصتنا، ركناً أساسياً من أركان السنوات الطويلة المقبلة، أياً كانت مآلات الأمور في الميدان.

لكني أقترح أن جزءاً، ولو بسيطاً، من عدم الراحة مع المصطلح قد يكون مفيداً من حيث استفزازه لجملة من المُكابرات باتت جزءاً جوهرياً من إيديولوجيا الثورة، ولا بد من استفزازها وتحدّيها لإنتاج أي عمل سياسي. 

المنطق القائم في الانضواء الثوري اليوم هو ابن 2011-2012، وكان منطقياً حينها: من المعقول التفكير بتخلّص سريع من النظام الأسدي، وكلما كان التخلّص أسرع كلما كانت الكلفة أخفض، ولذلك فالمطلوب هو توحيد الجهود والرموز والطاقات قدر الإمكان، وتأجيل السجالات إلى لحظة لاحقة. اليوم، في 2019، تراكمت طبقات وطبقات من التعقيدات والتغيّرات والخسارات، دون تغيّر نوعي لا في باراديغم التسييس الُمعارض الجذري، ولا في عمله على إنتاج رموز ومفاهيم وشعارات وبرامج أكثر راهنية. البلد اليوم مُدمّر وأهله بين مُهجّر داخل البلد وخارجه وبين رهينة لدى النظام الأسدي، وظهرت جملة من التعقيدات والوقائع التي لا تُقدّم إيديولوجيا الثورة أجوبة عنها. هناك قضية عداء جذري ولا عودة منه مع النظام الأسدي هي الأساس، وستبقى أساساً، ولن تتحول لا إلى تفصيل ولا إلى قضية ثانوية، لكن سقوط النظام كـ «لحظة الخلاص» ليس من الوارد أن يأتي قريباً، ومن الأسلم إعادة موضعة العداء الجذري للنظام في منطق مختلف عن افتراض «لحظة خلاص» واعتبار أن المرحلة المقبلة سباق تحمّل، وليس سباق سرعة؛ بالاستعارة من منطق الرياضيين.

وربما يمكننا وضع نقطة بداية لتغييرات منهجية عبر التصالح مع أن العداء الجذري لبشار الأسد، بحدّ ذاته، ليس قضية مشتركة بالضرورة. منذ زمن ليس بالقليل، وكثرة «الأعدقاء» داخل ما يٌفترض أنه الحقل الثوري تدفع كثيرين لتعريف ذاتهم بالسالب: أنا ثوري، ولكني ضد هذه الجهة (التي تعرّف عن نفسها كثورية)، وأعادي ذلك التوجّه (الذي يعرّف عن نفسه كثوري)، وأرفض هذا الخطاب (الذي يعبّر عن نفسه كجوهر الثورة شخصياً). ألا يعني هذا الأمر أن الثورة كهوية لم تعد تعني أكثر من تمسّك مُجرّد برموز وعبارات تعني أشياء مختلفة لجهات وأشخاص مختلفين، وقسم غير قليل منها بات ماضوياً للغاية ولا يقول شيئاً عن الحاضر ولا عن المستقبل؟ أليس من الأجدى لبعضنا إذاً تجاوز إيديولوجيا الثورة التي باتت تضعنا دوماً في خانة تعريف الذات بالسالب عبر، مثلاً، العودة إلى التوكيد على جذرية العداء للنظام الأسدي، مع تعريف سبب وغاية العداء على أساس فكري وقِيمي وبرامجي (ووضع الرموز والعبارات والدالاّت المُعبّرة بالإيجاب عن هذا التوجّه)، دون أي انشغال مبدئي بأن يكون هذا العداء قاسماً مشتركاً أكبر مع آخرين لا يحملون نفس المنطلقات ونفس القيم، بل ربما تكون مشكلتنا معهم من نفس جنس مشكلتنا مع بشار الأسد؟ 

ولعلّ من المفيد ختم هذا النص باستدراك ثالث يُضاف إلى الاستدراكين السابقين: عدا قسوة ظروفنا، من الضروري أخذ الحاجة للوقت بعين الاعتبار. جلد الذات والآخرين غير مفيد لأي شيء على الإطلاق، وبالذات غير مفيد كمحاولة لتجاوز الحاجة لمرور الوقت الكافي لتلمّس الذات والمحيط وفهمه، واستيعاب كل الهول الذي سُكب علينا، وما زال يُسكب. من الصعب الخروج بخلاصات واضحة عن كيف ستكون ملامح المرحلة المقبلة، وما هي الآليات التي يمكن العمل وفقها خلال المراحل المستقبلية. ريثما نأخذ وقتنا لنتنفس ونفهم ونستوعب، نحاول أن نفكر قدر استطاعتنا، ونبذل جهداً إضافياً لنكون حنونين على أنفسنا، وعلى بعضنا بعضاً.