المغراقة: حينما يصبح القاتل بطلاً

إلى روح إسراء غريب

قرب قرية كفر يحمول في ريف إدلب، ثمة أرض منخفضة يطلق عليها اسم «المغراقة»، ويُقال أنها سُميّت كذلك لأنها أغرقت مئات الأشخاص والحيوانات والسيارات عبر تاريخها، ذلك أن ترابها هشٌّ يسهل الغوص فيه. تمتلئ المغراقة بالماء في فصل الشتاء، وتظهر خباياها عندما تجفّ في الصيف، لذلك كنتُ أصرُّ على المشي نحوها والتأمل بالحفرة المقعّرة والبحث عن تلك الخبايا.

بعد قيام الثورة السورية، أصبح الطريق الذي يحاذي المغراقة مزدحماً بالنازحين والمهجّرين من بيوتهم، ولطالما سقطت أمتعتهم وحاجياتهم وأحياناً أولادهم من فوق الدراجات المحمّلة فوق طاقتها. خلال إحدى زياراتي للمغراقة، ظهر لي من بعيد دفترٌ يعبث الهواء بصفحاته، حتى تكاد أن تتمزق وتطير؛ لا أعلم كيف وصل الدفتر إلى هناك، إلا أني ممتنة للقدر الذي جمعني بصفحاته.

الدفتر مؤلفٌ من مئتين وخمس عشرة صفحة، وهو عبارة مذكرات لصبية إدلبيةٍ اسمها فاطمة حسب ما كتبت على الصفحة الأولى. لا تفاصيل أخرى عنها، لكن يبدو من تسلسل الأحداث أنها امرأة ثلاثينية، عاشت أو ربما ما زالت تعيش في مجتمع ذكوري يرى أن القتل وسيلة لحفظ الشرف عبر غسل العار. قرأتُ كل ما كتبت في دفترها، وسأروي لكم بعضه هنا. وقد حاولت أثناء كتابتي أن أغيّر كل الأسماء الواردة في المقاطع التي اخترتها، مع المحافظة على خصوصية وروح فاطمة في كل مفردة. في الصفحة الخمسين، تروي فاطمة عن جريمتي شرف شهدتهما خلال حياتها، بين عامي 1994 و2001.

*****

إنها التاسعة ليلاً، الخامس من حزيران عام 1994، يمتزج صوت الرصاص في الخارج مع عويل النساء وبكاء الأطفال. خِلتُ أن أمّ أحدهم قد وضعت أحد أبنائها الأشقياء في الماكينة الضخمة ذات العجلات المسننة، والمعروفة بين أهالي القرى في إدلب بمحلجة القطن. كان صاحب المحلجة يجوب الشوارع، فتتلقفه السيدات لتدوير الملابس والأغطية القديمة، وتحويلها إلى «حشوات» لوسائد النوم أو الجلوس. تبرع السيدات السوريات عامة والريفيات خاصة في تدوير الأشياء، فعلبة الشامبو البلاستيكية تُستخدم للزيت بعد استخدام السائل، وعُلَب اللبن المجفف تصبح أوانيَ إمّا لزراعة الحبق أو لحفظ البرغل والأرز والعدس. اعتادت الأمهات في قريتي أن يهدّدنَ أولادهنَّ الأشقياء بالتوقف عن المشاغبة وإلا سيضعونهم في المحلجة. كذلك أمي كانت تستخدم الأسلوب ذاته، وتخلق لنا أجواء رعب حقيقية عوضاً عن فيلم الرعب الوحيد الذي كان يُعرضُ على القناة الثانية مساء كل جمعة. لم يُسمح لنا أن نتابع القناة الثانية، خشية أن يمر مشهد شربٍ للخمر الذي اعتاد مدرسو اللغة الإنكليزية أن يترجموه لعصير، أو مشهد قُبلة!

خرج أبي مسرعاً ليعرف مصدر إطلاق الرصاص، ووقفت أمي في الشارع مع الجارات ينتظرن الخبر. بعد نصف ساعة، عاد أبي متجهماً، وتجاهل معظمَ أسئلة أمي عن قصة أصوات الرصاص والبكاء. إلا أن إصرار أمي دفعه لأن يطلب منا الذهاب للغرفة الأخرى، فقد اعتاد ألّا يروي أمامنا الأحاديث الجادّة، المتعلقة غالباً بالسياسة أو بالقصص الخارجة عن المألوف التي تحصل بالقرية، كأن تحبَّ إحداهنّ أحدهم، أو ترفض زواج ابن عمها لأنها «رايدة». يتم تداول كلمة «رايدة» بمعنى أنها راغبة في شاب معين بطريقة الغمز واللمز، وعادة ما يشار لتلك الفتاة بأن والديها لم يُحسنا تربيتها. غادرنا الغرفة أنا وأخي علي، واختبأنا خلف الباب لنسترق السمع ونعلم تفاصيل هذه القصة الغامضة التي بدت شيقة؛ «أحمد السلوى قتل ابنته وصال لأن مهند ابن أبي محمد، من الحارة القبلية، "طفّ" عليها»؛ أنهى أبي عبارته على وقع شهقة أمي من هول ما سمعَت.

بقيتُ واقفةً أنتظرُ أن يكمل أبي حديثه، لأن «الطفّ» هو القفز من فوق السور لدخول بيت أحدهم، وإدراكي لذلك الفعل وقتها كان ينمُّ عن أن فاعله سارق؛ لكن لمَ يقتل أحمد ابنته إذن؟! من أجل سارق؟! بعد سنوات أدركت أن عبارة «طفّ عليها» تعني في القاموس الإدلبي أنه دخل إلى بيتها خلسةً، من أجل أن يقابلها أو يقبّلها أو يمارس الجنس معها.

خلال إحدى سهرات لعب الورق، غلب أحمد خصمه، وبدأ بإغاظته والضحك لخسارته، فما كان من الخصم إلّا أن عيّره بابنته وصال، لأن أهل القرية يقولون إنّ مهند يأوي إلى غرفتها كل ليلة عبر الحائط الغربي المُطِلّ على كروم الزيتون. جُنّ أحمد وكذَّبَ الرجل، إلّا أنّ الثاني راهنه على أن كل سكان القرية يعلمون بالأمر، ويخشون البوح به لتجنب غضب أحمد، الذي يملك مسدساً باعتباره مخبراً للأمن السياسي في مدينة إدلب.

جرً أحمد شعر وصال، وسحلها من بيتهم حتى بيت مهند، تمزقت ثيابها على القار الخشن وبرز معظم جسدها، إلّا أن أحداً من المارة لم يتدخل ليوقفه، فتصرّفه برأيهم شأنٌ عائليٌ داخلي. يتناقض في قريتي مفهوما الشأن الداخلي والخارجي، فأحمد الذي يقتل ابنته لشأن داخلي، يفعل هذا لإثبات فحولته أمام المجتمع الخارجي المتمثّل في أهل القرية والقرى المحيطة. لعلها إحدى امتيازات الرجل في مجتمع ذكوري، أنه يمسك بمفاتيح الداخل والخارج ليوصد أبوابهما أو يشرعها متى احتاجت فحولته. كانت وصال تستنجد بكل من يمرّ بها، إلّا أن ذلك لم يشفع لها عند أبيها ورجال القرية، ونسائها أيضاً، اللاتي وقفنَ يبصقنَ عليها وسط نظرات الرضى من أزواجهنّ. حينما وصلا إلى أمام بيت مهنّد، عند حظيرة الأغنام، أطلق ثلاث رصاصات نحوَ رأسها، ارتجفت لآخر مرة ثم فارقت الحياة. غطَّسَ أحمد يده اليمنى بدمها، ثم ركل رأسها برجله، وبصق عليها، ومشى. وحينما عاد إلى بيته، طبع كفّه على الحائط الإسمنتي بجانب الباب الرئيسي للبيت، ليعلم كل من يزورهم أنه غسل عاره.

في تلك الليلة، أويتُ إلى سريري خائفة، وتأكدتُ أن النوافذ محكمة الإغلاق رغم حرارة الطقس، كي لا «يطفّ» عليَّ أحدهم ويذبحني أبي. ما زلت أذكر أنّ ما أرعبني أكثر هو فكرة أن يقتلني أبي، أن يقتل قطعةً من قلبه لأنّ أحدهم استشاط غيظاً جرّاء لعبة ورق، ووشى بي. خلال السنوات التالية، كنتُ أعترض حينما تنعت صديقة لي المجتمع الإدلبي بأنه أبوي، لأنّ في ذلك تجريداً للأبوّة من قداسة العاطفة، وكنتُ ولا أزال أفضّلُ أن أصفه بمجتمع سلطوي ذكوري. بعد يومين من الحادثة، سمعتُ خلسةً المتسولة أم مسعود تخبرُ والدَيّ، والأستاذ عبد الله مدّرس الفلسفة وزوجته اللذين قدما لزيارتنا، أن الطبيب الشرعي قال إن وصال لم تكن عذراء، وأنّ والد مهند علقّه بشجرة الجوز وسط بيتهم لثلاثة أيامٍ دون طعام أو شراب، لكن مهند أقسم أنّه كان يحدثّها فقط، ولم يرَ حتى شعرها. أضافت أم مسعود أنّ أم مهند أخبرتها بأنّ مهند كان يحب وصال، لكنّ والدها أصرّ على خطبتها من ابن عمها نايف. صُعقتُ بمداخلة الأستاذ عبد الله حينما استنكر تلك الجريمة، نعم لقد سمّاها جريمة، ولأول مرة سمعت أحداً يقول عن قتل وصال أنه جريمة! أبي وأمي وأم مسعود أيضاً استنكروا ما قال، وأثنوا على تصرّف أحمد لأنّ وصال «عايبة»، لكنّ الأستاذ عبد الله أجابهم: أقام أحمد خلال شبابه العديد من العلاقات غير الشرعية مع عاملات الجنس، لمَ لم يُقتل؟ تم توقيف أحمد السلوى ليوم واحد فقط، بسبب علاقته بالأمن السوري، وخرج بريئاً لأنّ القانون السوري يعتبر هذه الحالة «جريمة شرف»، وبالتالي يتم توقيف الفاعل لمدة قصيرة فقط. قُتلت وصال ولم يأبه أحد، ولم يتكلم أهل القرية عن الحادثة بعدها. لا أهمية لموت فتاةٍ في قريتي والقرى المجاورة، بل أصبح أحمد السلوى رمزاً للشهامة والبطولة بنظر معظم أهالي القرية، الذين حاولوا أيضاً حياكةَ المكائد للأستاذ عبد الله من أجل ترحيلِ ذاك الفاجر عن قريتهم.

أصبح اسمُ وصال وصمة عارٍ في القرية، وتجنبت كل النساء تسمية بناتهنّ به خشية أن تنتقل لعنتها لهنّ، فهنّ يُرِدنَ فقط «السترة». في ريف إدلب، يرتبط مفهوم السترة بالخنوع للذكر وعدم الحديث مع الأقرباء من الذكور، ومن ثم الزواج، حيث تنتظر الأمهات أمام غرفة النوم ليرينَ إشارة الشرف، وأن بناتهنّ عذارى.

بعد تلك الحادثة بسنوات عديدة انتقلتُ إلى المدينة من أجل إكمال المرحلة الثانوية، لكون تلك المدارس كانت حكراً على المدن، وهذا ما منع كثيراً من الآباء من إرسال بناتهنّ لإكمال تعليمهنّ. في ثانوية البنات، يتم فرز الطالبات على أساس المنشأ، فالصفوف مقسمةُ إلى شعبتين، الأولى لبنات «المدينة»، والثانية لبنات الريف الذي يضم الطوائف الدرزية والشيعية والمسيحية والسنية. في أول يوم لي بالثانوية، وقفت أنتظر الفرز كما يقف المجند لفرزه بعد دورة الأغرار، فصرخت الموجهة بأعلى صوتها «بنات المدينة إلى الشعبة الأولى في الصف الأخير يسار الممر، وبنات القرى إلى الشعبة الثانية في الصف الخامس يمين الممر». هذا الفرز الطبقي والمناطقي أدى إلى نشوء حالة من التعالي والحقد بين أهالي المدينة وأهالي القرى، والذي ظهر جلياً إبّان قيام الثورة السورية.

رغم أن الفتاة الريفية تجتاز عشرات الحواجز المجتمعية لتكمل تعليمها، فإنها تجد نفسها في مواجهة تصنيف زائف ومواجهات دينية عقائدية مع الشيعيات والدرزيات والمسيحيات اللاتي يُصنّفنَ أيضاً كبنات ريف. عُرِفَت الشعبة الثانية بتفوّق طالباتها، وكثرة خلافاتهنّ التي قد تصل إلى كسر زجاجة العصير على رأس إحدى الطالبات الشيعيات، بعد أن تسبّ أبي بكر أو عمر أو عائشة خلال خلافٍ بسيطٍ على القلم أو الممحاة. كانت الغالبية في الشعبة الثانية من البنات السنّيات والشيعيات، والقليل من الدرزيات، وفتاة مسيحية واحدة اسمها دينا. في الحقيقة، هذه الشعبة الواحدة مقسمة إلى كانتونات دينية منفصلة. يستطيع من يدخل الصف أن يميز كانتون الشيعة من طريقة لف غطاء الرأس التي كنَّ يعتمدنها كي يتميزن عن باقي الفتيات. أما إدارة المدرسة فكانت تحلّ تلك المشاكل سلمياً، حيث تردد المديرة أننا جميعنا عربٌ و مسلمون، ولا فرق بين عربي و أعجمي إلا بالتقوى، رغم أنّ دينا كانت مسيحية.

الخلاف الوحيد مع الطالبات الدرزيات كان أثناء الغداء الجماعي الذي تقيمه المدرسة كل عام  لخلق الألفة بين الطالبات. تقصّدَت الطالبات السنيّات أن يحضرن الملوخية التي يدّعينَ أن الدرزيات لا يأكلنها لأن العجل المقدس تزحلق في حقل ملوخية. خلال الغداء، كان الأمر يتم بأنّ السنّيات لا يأكلن من طعام الشيعيات لأن الشيعة روافض، والشيعات لا يأكلنَ من طعام السنّيات لأن السنة نواصب، ولا من طعام المسيحية لأنّ دينا كانت ترسم الصليب فوق الطعام. هكذا كانت تمضي كل جلسات «الألفة» بين طالبات الريف، أمّا طالبات المدينة فكانت لهنَّ زاوية منفردة بعيداً عن جلسة «التراحم والتآلف» هذه.

في حصة الرياضة، أثناء تبديل الملابس كنا نختبئ جميعاً من دينا المسيحية لأنها إن رأت أي جزءٍ من جسدنا عارياً كأنما زَنينا، هكذا أخبرتنا أمهاتنا وجدّاتنا. تلك الحياة في المدرسة كانت قائمة على سوء الظن بالأخريات ومجموعة قصص وخرافات لا أصل لها، جعلت منا مقسمات نفسياً ومتقوقعات بخرافات جدّاتنا. خلال إحدى المرات، بينما كنت أرتدي لباس الرياضة، سمعت لأول مرة عن فتيات يختبئن خلف الصفوف أو في الحمامات أو خلف الستائر في غرفة تبديل الملابس ليقبّلن بعضهنّ. توجد هذه الحالات في الريف الإدلبي، دون إدراك البعد الجنساني لها، فالكبتُ والخوف من القتل، يترافقان مع رغبات الفتيات الجنسية، فيفضلنّ أن يعبِرنَ عن طاقاتهنّ بينهنّ، حيث لا يمكن أن يُشكّ بهن، وهناك سهولة في التواجد والوصول إلى بعضهنّ. لم أمتلك وقتها الجرأة أن أخبر والديّ، فرغم أنّ الانجذاب الطبيعي للجنس الآخر يحصل في سن المراهقة، إلا أنهما كانا يوصياني دائماً أن أُطرق رأسي حينما أمشي في الشارع كي لا يقع نظري على شاب، لأنّ النظر للذكر «زنى». كنتُ أخشى أيضاً أن أناقش الأمر مع صديقاتي، لأنهنّ سيطلبنَ مني أن أكثر من الصلاة لأنسى ما سمعت، فالسمع قد يتحول إلى مشاهد مُتخّيلة تترسخ في عقلي الباطن فأصبح مثلهنّ.

في صباح يوم الاثنين، الرابع من آذار عام 2002، تلت معلمة التربية العسكرية خلال الوقفة لتحية العلم أسماء الحاضرات، الكل موجودات إلا سناء، طالبة الثالث الثانوي، الشعبة الأولى. سناء هي الفتاة الوحيدة لوالديها، انتقلت منذ ثلاث سنوات فقط للعيش في سوريا، بعد أن قدمت عائلتها من السعودية. كنّا نتحلّق جميعاً حولها لتروي لنا عن «البويات»، أي الفتيات السعوديات اللواتي كنّ يرتدين ملابس رجالية داخل المدارس المخصصة حصراً للنساء، وكنّا جميعاً نفتح أفواهنا تعجباً مما نسمع. ورغم أنّها بمنتهى الرِقّة، إلّا أنّ معظم الطالبات كُنَّ يبتعدنَ عنها وعن صديقتها الوحيدة سُميّة، بعد أن تكررت الإشاعات حولهما في المدرسة أنهنّ مثليات. علِمَت هدى ابنة الموجهة من خلال أمها أن والدة سناء وجدتها مذبوحة في غرفتها، وقد اقتلعت شعرها بيديها. لم يشفع لسناء أنها ابنة مدينة، فقد قُتلت مثل وصال، وكأن كل الفروقات تتوحد أمام النيل من شرف العائلة.

علمنا بعدها أنّ والد سناء ذبحها لأنّ أحد عمومتها شكّ بعلاقة تجمع بينها وبين شاب من المدينة. ذبحها والدها بسكين تقطيع اللحم، ولم يجهز عليها فاقتلعت شعر رأسها من شدة الألم حتى فارقت الحياة. حالها كحال وصال، لم يلقِ أحدُ بالاً لقصتها، وتمت تبرئة والدها الذي لم يُسجن أبداً، اعتماداً على «العذر المُحّل» الوارد في المادة 548 من قانون العقوبات السوري، والذي يعفي المجرم من القصاص في حال «فاجأَ» زوجته أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر. لم يكن قاضي المدينة وقتها عاجزاً عن تلفيق حالة شديدة الريبة، وتقدير حالة المفاجأة والصدمة اللتان اعتريتا الأب بعد رؤية ابنته في حالة «مريبة» لقاء خمسين ألف ليرة سورية، وهو سعر الرشوة المتداول في تلك الفترة لقضايا الشرف.

فُحِصَت عذرية سناء رغم قتلها، وأثبت التقرير أنها عذراء. بعد ثلاث سنوات، في شهر تموز عام 2005، هربت سُميّة يوم زفافها، وتركت رسالة ذكرت فيها أنها لا تستطيع تقبّلَ الرجال أو تَخيُّلَ نفسها معهم، وأنّ قلبها كُسِرَ يوم قُتلت سناء، فقد أحبتها، ولن تحبَّ بشراً بعدها. والدُ سناء الذي فقد عقله بعد حادثة ابنته، ورآه كل أهل المدينة مخموراً في الشوارع، وُجِدَ معلقاً بحبل يلفّ رقبته. تعددت الروايات حول موته، حيث قِيل إنه انتحر هرباً من عار جديد، أو أنّ أحدهم قتله، أو أنّه قتل نفسه دون أن يدرك ذلك. أماّ إخوته، فأقاموا له عزاءً لمدة ثلاثة أيام، وأخبروا كل المعزّين بأنهم اكتشفوا خيوط الجريمة، وأن أخاهم قد قُتل بفعل فاعل، وأن الأمن الجنائي يتابع التقصّي، و يبدو أنّه ما زال يتقصى حتى اللحظة دونما نتيجة.

عندما انتهى العزاء، وزّعوا شرائح اللحم بعجين إكراماً لروحه، لأنه شهيدٌ حسب روايتهم. يُتيح المجتمع كل الوسائل للذكور لممارسة سلطاتهم المطلقة، ويمنحهم صكوك الغفران، ليأتي القانون ويبرِّرَ جرائمهم بحجة الشرف. نظامٌ قائمٌ على تقية اجتماعية ورياء ديني وسلطة ذكورية، لا يمكن أن يبني دولة مهما جمّل قوانين أحواله الشخصية. الناس الأتقياء الذين يتجنبون الحديث عن وصال وسناء وسُميّة، هم أنفسهم الذين يترحّمون على روح والد سناء «الشهيد» كلما ذُكِر، رغم أنّه قاتٌلُ وسكّير؛ لكنّ ازدواجية المعايير في مجتمع إدلب الصغير، والتبرير الدائم للذكر مهما فعل، تمنع معظم الأدالبة من الإقرار بالحقيقة التي يعرفونها جيداً. وصال وسناء وربما سميّة، وآلافٌ من الأخريات، هنّ ضحايا ثقافة سلطوية، ترى المرأة «ملك يمين»، وتدفع الأمهات إلى أن يربين بناتهنّ على البصق على وصال وسناء وسُميّة، لنيل نظرة الرضى من أزواجهنّ. هنّ ضحايا قضاةٍ فاسدين، لا يتوانون عن إعداد سيناريوهات محاكة جيداً من أجل تبرير الجريمة للقاتل، وضحايا قانون العقوبات السوري الذي ألغى بعدها العذر المحلّ، لكنه أبقى على عذر «الشرف» الذي يخفّف عقوبة القاتل لتصبح سبع سنوات كحدّ أقصى، أو ليوم واحد إن كان القاتل مخبراً مثل أحمد، أو راشٍ مثل أبي سناء.