المُغيَّبون والمصير السوري

 

توشك سبع سنوات أن تنقضي على تغييب سميرة ورزان ووائل وناظم في دوما في الشهر الأخير من 2013. وقعت أشياء كثيرة ورهيبة خلال هذه السنوات السبعة، إلى درجة تجعل شرح ما جرى مهمة مستحيلة لو تسنّت فرصة الشرح لأحد الغائبين. تنطلق هذه المقالة من افتراض أن قصة الأربعة تمثل بقدر طيب القصة السورية العامة، قصة الثورة المستحيلة التي دُمِّرَت تدميراً مستحيلاً. القصة التي سنحتاج لسنوات طويلة قبل أن نستطيع شرحها لأنفسنا.

يمكن تَبيُّنُ ثلاثة أوجه للصفة التمثيلية لقصة المُغيَّبَتين والمُغيَّبَين: الغياب ومجهولية المصير، تمزّق الأهل، الحرمان من حداد.

الغياب

من المحتمل بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن نحو 100 ألف من السوريين مُغيَّبون لا يُعلَم لهم مصير، مرّت على بعضهم سنوات أطول من سنوات غياب سميرة ورزان ووائل وناظم، دون أن يعلم أهاليهم شيئاً عنهم، ولا يُحتمَل لمن ظلوا أحياء منهم أنهم يعلمون عن أهاليهم. لكن هذا الشكل الأبرز للغياب لا يستبعد أشكالاً أخرى، منها أولاً التغييب من الحياة، وهو ما كان مصير نصف مليون على الأقل. هذا رقم يتمسّك به من يخشون المبالغة في غياب إحصاءات موثوقة منذ توقفت الأمم المتحدة في مطلع 2014 عن القيام بذلك. هناك من يتكلمون على مليون أو أكثر من الضحايا، وفي كل حال يمسّ هذا الغياب النهائي بأشكاله المختلفة نسبة عالية من السوريين مساساً مباشراً، ولم يسبق لحدث في تاريخ سورية خلال قرن أن كان شاملاً بهذا الاتساع والعمق والامتداد الزمني.

وغير المغيبين والضحايا، هناك المعتقلون الذين يعلم أهلوهم مصيرهم، موزعين على أرخبيل من الأجهزة والسجون. هذا شكل مخفف من الغياب نسبياً، أخذاً بالاعتبار لمقاييس أوزان الغياب في السلطنة الأسدية.

وقد يمكن التفكير في اللاجئين، وهم فوق ثلاثة ملايين ونصف في تركيا، ونحو مليون في لبنان، وفوق ستمائة ألف في الأردن، ونحو مليون في أوروبا، وقد يبلغ نصف مليون عدد من تناثروا في القريب والبعيد من البلدان، من مصر والعراق إلى أميركا واليابان والصومال والبرازيل؛ أقول قد يمكن التفكير في ذلك كشكل آخر من الغياب. غياب عن البلد، وإن عاد على بشار الأسد بـ«مجتمع متجانس»، وغياب عن الجيران والأصدقاء وذوي القربى، وعن بيئة الذكريات.

لكن أشكال الغياب هذه كلها هي الأوجه الأكثر درامية لتغييب الفاعلية أو الحضور النشط في الحياة العامة في البلد، الحياة الغائبة هي ذاتها. كانت الثورة السورية جهداً من أجل الحضور، أن يُرى الناس ويروا بعضهم، وأن تكون لهم كلمة ويمثلوا أنفسهم. وعلى فوضويتها الهائلة، حققت الثورة السورية حضوراً بالاسم والكلمة والدور لملايين الناس. وهو حضور طفح على الدوام على أشكال التنظيم والتعبير المتاحة، وضاع.  

يختلف تغييب سميرة ورزان ووائل وناظم في أن مُغيِّبَهم ليس المُغيِّبَ العام، بل هو تشكيلٌ حضر بفعل الثورة، قبل أن ينتج مقادير كبيرة من الغياب وأجهزة التغييب وينجح في التطور إلى مافيا دينية تجمع بين الجريمة والثروة، وقبل أن تنتهي دوما التي كانت عاصمته إلى الغمر والتغييب من جديد مثل كل شيء في مملكة الأسديين، وقبل أن ينتهي  التشكيل ذاته إلى شكل يشبهه من تغييب الذات بالعمل كقوة مرتزقة لحساب الحكومة التركية. وما يجعل من تغييب رزان، من بين الأربعة، تمثيلياً بصورة مضاعفة أنها كانت توثّق جرائم النظام و«شهداء ثورة الكرامة» بالأسماء، أي كانت تحرس ذكراهم وتعمل على إبقائهم حاضرين. وهذا فراغٌ لم يُتدارك، وهو يجعل جريمة جيش الإسلام جريمة بحق أهالي كل من وثقت رزان ومركز توثيق الانتهاكات اعتقالهم واستشهادهم.

فإذا فكرنا في القضية السورية كقضية حضور أو خروج من الغياب، فإن المافيا الدينية التي غيبت الأربعة هي بمثابة استمرار للنظام كقوة تغييب.

التمزّق الأهلي

التشتت الذي لحق بأسر سميرة ورزان ووائل وناظم ليس متصلاً حصراً بواقعة تغييبهم. التغييب والتشتت وجهان لعملية التحطيم الاجتماعي على يد النظام وأشباهه.

أول ما يظهر التمزّق الأهلي في سورية يظهر كتمزّق أُسري. تفرُّقُ شمل العوائل في بلدان متعددة مواجَهين على نحو متفرق صعوبات مختلفة، مع تعذر اجتماعهم بفعل «أزمة اللاجئين»، وتحول اللاجئين السوريين إلى فئة عالمية مثيرة للريبة، وترك مصير الملايين منهم بين أيدي دول متعددة، دون مركز موحد أو خطة موحدة للتعامل مع قضيتهم. في الأسرة الواحدة هناك اليوم لاجئون في ثلاثة بلدان أو أربعة وأكثر، ولا يتسنى لكثيرين زيارة بعضهم لأسباب قانونية أو مادية. هذا مرتبط باختلاف فترات اللجوء: كلما كان اللجوء متأخراً تعذَّرَ انضمام أحدث اللاجئين لمن سبقوهم؛ يتعلق كذلك بتعدد سبل اللجوء: «شرعي» عبر المنظمة الدولية للهجرة أو قنصليات البلدان المعنية، أم عبر موجات اللجوء من تركيا إلى اليونان عبر البلقان إلى غرب أوروبا، أم بحراً من سواحل شمال أفريقية. وما قد يميز خبرة اللجوء السوري هو أن تمزق العائلات لا يبدو متجهاً إلى التئام، حتى بعد ست أو سبع أو ثماني سنوات من اللجوء.

كأهلٍ لسميرة، نتوزّع بين سورية ولبنان وعدة بلدان أوروبية. وهو حال أُسَرِ رزان ووائل وناظم. التمزّق الاجتماعي السوري مُكوَّن من ملايين القصص المماثلة.

وهو جزء من تمزق عام، تفاقمَ بعد الثورة والحرب، لكن أهلنة المجتمع السوري سبقت ذلك بسنين وعقود. بالمعنى الدقيق للكلمة، لم يكن ثمة مجتمع سوري متفاعل خلال الحقبة الأسدية، كان ثمة مجتمعات أهلية تتخارج باطراد وتقل تفاعلاتها، وفق النموذج السلطاني التقليدي، وهذا بفعل تقدم العلاقات السلطانية القائمة على التبعية الشخصية وضرب من المللية الضمنية ولاهوت الحكم الأبدي. يمكن القول أن التمزق الأهلي اللاحق للثورة، وأن «الحرب الأهلية السورية» بالذات، هما معاً استئنافٌ لأهلَنة سابقة طالت الدولة والمجتمع.

ما استجدَّ بعد تعمُّمِ الحرب في البر السوري هو وقوع حروب أهلية متعددة ضمن حربنا العامة التي أخذت تكف عن كونها حرباً سورية سورية بدءاً من النصف الثاني من العام 2012. كان جيش الإسلام قوة حرب أهلية في الغوطة الشرقية وفي مجتمع دوما المحلي نفسه، وليس فقط ضد الناشطين الديمقراطيين في الثورة. التشكيلات السلفية كلها لم تكون قوى في حرب أهلية عامة في سورية فقط، وإنما قوى حرب أهلية في الثورة وضدها، وقوى تمزق أهلي بالمعنى العائلي المباشر، كما بمعنى تمزق نسيج المجتمعات المحلية التي سيطرت عليها. دوما أيضاً مثال كبير.

وتمزق سورية إلى ثلاثة أو أربع سوريات اليوم، مع تعذر الحركة بينها، يجعل التواصل بين العائلات والأقارب متعذراً. في آب من هذا العام اعتُقِلَت امرأة في دوما لأنه كانت تتصل عبر النت ببعض ذوي قرباها المهجرين في الشمال الذي تسيطر عليه تركيا.

الحرمان من حداد

قد يمكن التفكير في التغييب القسري، أسميه الاغتياب، كمَرتبة وجودية ثالثة تضاف إلى الحياة والموت. من لا يُعلم مصيرهم يقيناً مثل سميرة ورزان ووائل وناظم لا يُعلم كيف يجري التفاعل معهم. لا نتواصل معهم ونطمئن عليهم مثل الأحياء، ولا نحدُّ عليهم ونودعهم مثل الراحلين. نبقى في حالة مستمرة من عدم اليقين، نتراوح بين أمل يائس وبين أسى لا يستطيع أن يكون نهائياً ليترك وراءه ندبة في القلب فحسب. هذا الحرمان من الأمل ومن الحداد معاً هو جريمة خاصة تكمل جريمة التغييب ذاتها، وليس ثمة قوانين لمقاضاة مرتكبيها.

خلافاً للموت الذي يبدأ كبيراً ثم يصغر بالتدريج بفعل طقوس العزاء والحداد، التغييب القسري يبدأ صغيراً ثم يكبر بلا توقف. ذلك أننا نكون في حالة إنكار في البداية، نتصور أن الكابوس لن يتأخر في أن ينجلي، لكنه يتأخر ويتأخر. التغييب حاضرٌ معنا في كل يوم وفي كل وقت، مشكل لهويتنا، متغلغل في يومياتنا.

في هذا الشأن يبدو مثال سميرة ورزان ووائل وناظم تمثيلياً. ليس فقط لأن أسراً كثيراً تشاركنا التجربة، ولكن لأنه حتى من علموا يقيناً بفقد أحبابهم، من رأوا أجسادهم المقتولة/ ضمن صور ملف قيصر مثلاً، لم يُتَح لهم توديعهم بصورة لائقة ولم يحصل كثيرون منهم على جثامينهم أو يرتبوا لهم جنازة أو يدفنوهم في قبور معلومة. وبقدر ما إن التغييب استعارةٌ لغياب واسع، فإن الحرمان من الحداد الواسم للتغييب هو شكل من حرمان أوسع من الحداد، من تسمية فقدنا وإشهاره وتمثيله. ويبدو أن افتقارنا إلى طقس يتيح تحييد تجارب الغياب السياسي الواسعة، مثلما يفعل الحداد الفردي، يُسهم في تداعي اجتماعيتنا كمجتمع، ويدفع إما إلى الانعكاف على النفس أو إلى البحث عن بيئات حياة جديدة تساعد على النسيان. ثم إنه حين يكون التغييب دينياً سياسياً، يكف طقس التعزية والحداد التقليديين، وهما دينيان بقدر كبير، عن أن يكونا صالحين. تَحوُّلُ الدين من مواسٍ عام إلى مؤذٍ عام (أو مؤذٍ عام مساعد)، هو من أوجه المحنة السورية التي تبحث عن رد. ولعله محفز لثورة روحية، تمس الحاجة إليها.

لكن هل يعود الحرمان من حداد فقط إلى عدم معرفتنا يقيناً بمصير أحبابنا؟ وهل العزاء والحداد ممكنان اليوم لو علمنا يقيناً أنه جرى قتلهم من قبل مافيا جيش الإسلام السلفية؟ يبدو ذلك متعذراً في تصوري. ليس فقط لأن الأذى والفقد وحرقة القلوب أكبر وأطول أمداً من أن تقبل تعزية وحداداً، ولا لأنه ليس هناك كلمات يمكن أن تُقال في شأن الجريمة المحتملة، وإنما كذلك لأنه لم يعد في الغالب ثمة مجتمعُ معزين وشركاءُ حداد، بفعل تحطم البيئات الاجتماعية والشتات، فضلاً عن فقدان الأجساد، أي غياب الدفن والقبر المعلوم.

قد يكون هذا مدخلاً للتفكير في جذرية وضعنا، بعد أن فقدنا من فقدنا، وتشتتنا في كل مكان، ويُكافَأ المجرمون والقتلة بأشكال من الحماية من حُماة مختلفين. لا يُعاقَب أحد، لا يُساءَل أحد، ولا يُثار سؤال العدالة.

عناصر الغياب والتمزق وامتناع التعزية والحداد ترسم لوحة قاتمة لخسارة كاملة. يفاقمها اليوم بؤس معيشي حاد ومجاعة مهددة: نحو 90% من السوريين تحت خط فقر محدد بدولارين أميركيين في اليوم، بحسب الأمم المتحدة. هذا موتٌ عام.  

وبعد هذا كله، لا نستطيع أن نَعِدَ أنفسنا، ولا يعدنا أحد، كأفراد وكأُسَر وكبلد، بأن الأسوأ قد وقع لنا سلفاً، وأن ما بعده سيكون أقلَّ سوءاً. باب الأسوأ من كل أسوأ لا يزال مفتوحاً.