المكدوس السوري الألماني

 

- مَيلّي لعنا أم فلان.

- لا والله اليوم ما فيي... بدي «حَنِّك» باذنجان.

لم أتساءل من قبل عن أصل مصطلح «التحنيك»، ولماذا يُستخدم في جزء واسع من المناطق السورية لوصف العملية الدقيقة التي يمر بها الباذنجان في طريقه لأن يصبح مكدوساً. تأتي هذه العملية بعد سلق الباذنجان وتصفيته من الماء وتركه قليلاً ليبرد، يُنزَع رأس الباذنجان الأخضر، ثم يُقبَضُ على حبة الباذنجان ويُضغَطُ بالإبهامين على آخر نقطة من العنق، تحديداً عن بداية التقاء عنق الباذنجانة مع جذعها، يُضغَطُ عليها بقدر مناسب من الشدة الكافية لإخراج الماء داخلها لكن مع الحفاظ على أحشائها. كما يمهد الإبهامان لشقّ فتحة في بطن الباذنجانة، ستُحشى من خلالها في مرحلة قادمة. توضع حبات الباذنجان المُملّحة  في مصفاة، وتغطى بقماشة وتُكبَسُ برخامة ثقيلة أو بلاطة أو حجر ذي وزن عال، أو حتى حجر متوسط الوزن مع جرة غاز فوقه، وذلك من أجل ضمان تصفية الباذنجان من كل الماء المتجمّع داخله. تُسمّى هذه العملية بالتحنيك، أو على الأقل هذه المفردة التي تستخدمها أمي في موسم المكدوس. تتنفس حبات الباذنجان الصعداء في صباح اليوم التالي، حين يُزَاحُ حجر الرخام من على ظهرها، وتبدأ بالتحضّر لاستقبال كمية جيدة من الفليفلة والثوم والجوز. أما تحضير الحشوة، فهو قصة أخرى عن إبداع العقل البشري في توليف الطعمات مع بعضها وطريقة تحضيرها.

يتذكر أغلب السوريين اللاجئين والمهاجرين موسم المكدوس وتحضيره بأدق تفاصيله، ومثل العديد من المأكولات والأطباق الأخرى في المطبخ السوري، فإن لها طقوساً مقدسة وذكريات تتقاسمها الذاكرة الجمعية للسوريين. يترافق طقس تحضير المكدوس في نهاية الصيف مع العودة إلى المدارس، وهو موسم شراء مستلزمات المدارس ومستلزمات المونة بكميات كبيرة وأثمان مرتفعة، ومن من بينها الجوز وزيت الزيتون والفليفلة الحمراء والثوم التي كانت تثقل كاهل العائلات السورية حتى عندما كانت أسعارها رخيصة، وذلك مقارنة بأسعارها الحالية في سوريا، والتي جعلت من المكدوس أكلة يحلم بها جزء كبير من العائلات في سوريا بسبب عدم القدرة على تحمل تكاليف تحضيرها. والمفارقة المؤلمة أن المكدوس الذي غاب عن موائد كثير من السوريين داخل البلد في السنوات الأخيرة، حضر بأشكال وأنواع مختلفة في الأسواق العربية في ألمانيا، وصار متوفراً للشراء على رفوف المحلات وعبر الإنترنت أو من خلال تصنيعه في البيوت.

يتوفر المكدوس الجاهز كما تتوفر المواد الأخرى في المحلات العربية، ويوجد العديد من الأنواع، منها المصنوع في سوريا والمستورد عن طريق شركات ألمانية، ومنها ما هو مصنوع في تركيا من قبل سوريين نقلوا أعمالهم إليها، ومنها ما هو مصنوع في لبنان أيضاً. وتتراوح الأسعار بين 3 و7 يورو بحسب الجودة، وهذه الأنواع هي حلّ سريع ومناسب ومتوفر دائماً في الأسواق، لكن النوعية لا يمكن مقارنتها بالمكدوس البيتي؛ المُصنوع في البيوت، والذي انتشرت العديد من الإعلانات الترويجية له في الأسواق الإلكترونية على فيسبوك، خاصة خلال موسم المكدوس في الشهرين الماضيين كما كان على روزنامة المونة السورية. تأتي هذه الإعلانات من مناطق مختلفة في ألمانيا، وتتضمن عروضاً بتصنيع المكدوس في البيت وإرساله عبر البريد إلى أي مكان في ألمانيا.

111120-web.jpg

خبز البريتزل الألماني والمكدوس السوري في لوحة للفنان كيفان الكرجوسلي
خبز البريتزل الألماني والمكدوس السوري في لوحة للفنان كيفان الكرجوسلي

يفوق المكدوس البيتي طعمَ وجودةَ المكدوس المعلّب، لأنه طازج، يمكن صناعته حسب الطلب والذوق الخاص، مع جوز أكثر أو ثوم أكثر أو أي طلبات أخرى، كما يمكن الاستفادة من العروض التشجيعية التي يتم التنافس فيها بين مُصنّعي المكدوس في البيوت؛ مثلاً «اطلب خمسة كيلو وكلفة الشحن علينا» أو «اطلب 10 كيلو واحصل على كيلو إضافي مجاناً» وغيرها من العروض المنافسة. يتراوح سعر كيلو المكدوس البيتي من 7 إلى 10 يورو، ويضاف إليها 1.50 إلى 2.00 يورو إذا طُلب مع (إكسترا) جوز، وهو السعر الصافي تقريباً لأنه يُباع دون الزيت المضاف له، بحيث يقوم المشتري بإضافة الزيت الذي يريده، وهذا أفضل طبعاً من حيث الطعم، لأن المكدوس المعلّب المتوفر في الأسواق يحفظ غالباً في زيت الذرة أو زيت عباد الشمس المخلوط مع القليل من زيت الزيتون.

عندما حاولنا التقصي عن مصدر الباذنجان الصغير المخصص للمكدوس، الذي يصعب العثور عليه في ألمانيا، تنوعت إجابات أصحاب المحلّات، فمنه ما يُستورَد من الأردن، أو إسبانيا، أو تركيا التي تُعَدُّ المصدر الأساسي لاستيراد الباذنجان الصغير. يشعر المستهلك السوري في ألمانيا بالحيرة أمام هذا الكم من الخيارات والعروض المتنوعة، وصار بالإمكان الإعتماد على ترشيحات الأصدقاء الذين جربوا من قبل التعامل مع أحد مصنعي المكدوس في ألمانيا، وهنّ في غالبيتهنّ نساء وربّات بيوت، يصنعن المكدوس البيتي ويعتمدنَ على البيع عبر فيسبوك حسب الطلب. وللأسف، فإن محاولاتنا للحديث مع مصنعي/ات المكدوس البيتي باءت بالفشل، بسبب خشيتهنّ من التحدث للصحافة عن عملهنّ الذي يكون في معظم الحالات غير مرخص، ويُعَدُّ «عملاً بالأسود»، لا سيما وأن مصدر دخلهنّ لا يعتمد على المكدوس فحسب، بل إن أغلب الإعلانات تشمل أنواع أخرى من المونة البيتية، مثل الجبنة والزيتون والمربيات بأنواعها. 

هناك مصادر أخرى بديلة عن المكدوس المعلّب أو المكدوس البيتي المصنوع في ألمانيا، منها المكدوس البيتي المصنوع في سوريا والمستورد للسوق العربي في ألمانيا، وهي الطريقة التي يعتمدها المتجر الإلكتروني أونلاين بازار لاستيراد المكدوس من سوريا، وتحديداً من الشمال السوري، إلى ألمانيا عن طريق تركيا. بدأ المشروع من صناعة المكدوس، وتوسَّعَ ليشمل مأكولات سورية أخرى، يمكن توصيلها إلى كافة أنحاء أوروبا. وفي لقاء مع مدير المشروع عبد الرزاق نبهان، شرح لنا عن فكرة المشروع وأهميته: «يُشغِّلُ المشروع أكثر من 15 سيدة في إدلب، وبالتالي فهو مصدر دخل لعائلاتهنّ أيضاً، والذي يتراوح بين 200 و300 دولار كراتب شهري. الاعتماد على الأيدي العاملة في سوريا يحقق المكاسب للطرفين، فمن من جهة يتم تأمين مصدر دخل لسوريات وسوريين في الداخل، ومن جهة أخرى يتم توفير أعباء وتكاليف الأيدي العاملة في أوروبا. بالمناسبة، نحن نعتمد أيضاً على السوريين/ات في مهام أخرى قد لا تتعلق مباشرةً بتصنيع المكدوس، مثل المهام المكتبية والإدارية؛ مثلاً عندنا موظفة تعمل في مدرسة، وبعد الانتهاء من الدوام تعمل على إدارة صفحتنا على فيسبوك».

أما عن مصدر مسلتزمات تحضير المكدوس، يعتمد المشروع على الباذنجان المزروع في سوريا، وبالنسبة للجوز، أخبرنا نبهان أنه لا يتوفر بسهولة في أسواق الشمال السوري، وأنه يتم استيراده أحياناً من الخارج خصيصاً لتصنيع المكدوس. ولا شكّ أن تكاليف الشحن من الشمال السوري إلى ألمانيا عالية جداً، لكنها بحسب نبهان تظلّ أسهل من التعقيدات البيروقراطية في ألمانيا للحصول على رخصة وموافقة لتصنيع المكدوس، وتحمُّل تكاليف الأيدي العاملة والتأمين الصحي في ألمانيا. لكن بالمقابل، فإن هذا النوع من المشاريع يواجه العديد من التحديات والمخاطر، سببها بالدرجة الأولى الأوضاع غير المستقرة في الشمال السوري، فهي «تعتمد على الأوضاع العسكرية في المنطقة، كما أن مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية تضررت بسبب القصف والعمليات العسكرية، والآن بسبب الكورونا اضطر عدد كبير من العمال للتوقف عن العمل».

يوجد العديد من المتاجر الإلكترونية الأخرى التي بدأت مشاريع تجارية تعتمد على استيراد مواد غذائية سوريّة من الداخل السوري وبيعها في ألمانيا، ولا يقتصر الأمر على صناعة المكدوس فحسب، بل أيضاً تتضمن المتاجر الإلكترونية إمكانية استيراد مواد غذائية أخرى اعتاد السوريون عليها في نظامهم الغذائي، وفي الوقت ذاته تعد مصدراً جيداً للاستثمار والمشاريع التجارية. لكن الأمر الملفت للنظر، سواء كان المكدوس البيتي مصنعاً في ألمانيا أو مستورداً من سوريا، هو اعتماد أصحاب المشاريع هذه على عامل الثقة عند المستهلك السوري، والذي لا يحتاج لأي ملصقات شارحة للمنتج، أو المواد الداخلة في التصنيع أو أي ذكر لأية معايير صحية مطابقة لشهادات عالمية. أذكر شخصياً أنه حالما وصلني البريد، فتحتُ الكيس مباشرة، وتذوقت المكدوسة الأولى من الكمية المُرسَلة لي من أشخاص لا أعرفهم أبداً إلا من خلال محادثة واحدة. ما هو مصدر هذه الثقة بالمنتج البيتي؟ في حين أنني أمضي ساعات في السوبر ماركت الألماني وأنا أدقّق مكونات المنتجات الغذائية المصنعة بحسب المعايير العالمية؟ على ما يبدو، فإن صورة واحدة تذكرنا بالخيط المتسرب من مصفاة الباذنجان، دابغاً أرض الحديقة الخلفية، عند تحنيكه وكبسه، أو أن صورة واحدة لوعاء كبير من الفليفلة الحمراء المطحونة، كفيلة بأن تجعلنا نتجاهل المعايير الصحية من أجل مكدوسة على الفطور أو العشاء.