الميادين: الحياة على ضفاف الموت

 

بعد أن أضحت أغلب أحياء مدينة دير الزور جبهات قتال منذ العام 2012، أصبحت مدينة الميادين في ريف دير الزور المركز الحيوي للمحافظة، واستمر ذلك بعد سيطرة داعش على معظم المحافظة خلال العام 2014. كان شارع الجيش وسط المدينة شريان الحياة فيها، يعجّ بالحياة والنداءات التي تخبر المارة بأثمان البضائع وأوصافها، لكنه في الشهرين الأخيرين، شهري تموز وآب من العام 2017، بات أقل ضجيجاً وازدحاماً، وبضائعه أقلّ تنوعاً بما في ذلك الخضار والفاكهة التي لم يبقَ من أنواعها الكثيرة سوى القليل.

أبو حسان، الرجل الخمسيني الذي لا يزال مقيماً في الميادين، يقول عبر الهاتف: «لم تعد حتى حلوى الأطفال متوفرة، إذ فُقِدَت من المحلات شأنها شأن كثيرٍ من المواد التجارية والخضروات، وإن وجدت فإنها تكون بأسعار غالية جداً، وليس بمقدوري تأمينها. منذ بداية شهر آب الماضي والمحلات شبه فارغة، والبضائع التي تتوفر تصل أثمانها إلى أضعاف ما كانت عليه في الشهرين السادس والسابع من العام الجاري نفسه، فكيلو البطاطا الواحد بألف ومئتي ليرة والطماطم ألفي ليرة، والطحين نادر والسكر قليل ولحم الدجاج مفقود، الأسواق خاوية على عروشها».

بعد أن نجح النظام في الأشهر الماضية بالتقدم على عدة جبهات، والحصول على مكاسب على عدة أصعدة من خلال اتفاقيات خفض التوتر في عدة مناطق من سورية، وضع نصب عينيه السيطرة على دير الزور، فانتهج أسلوب الحصار الخانق على المحافظة عبر قطع الطرق البرية والمنافذ الإنسانية، مما خلّفَ نقصاً حاداً في البضائع والخضار ومستلزمات الحياة داخل المحافظة، الأمر الذي زاد معاناة فوق معاناة سكان المحافظة.

خلت أسواق الميادين من البضائع، وكذلك خلت من شبّانها، فبعد الصفعات المتتالية لتنظيم داعش في أكثر من منطقة أبرزها الموصل والرقة، وما تعرض له من خسائر في العتاد والجند، أعلن في أغلب مدن وبلدات وقرى دير الزور عن قرار التجنيد الإجباري والنفير العام، وحدَّدَ الأعمار بين 20 و30 عام. جاء القرار كالصاعقة على أهالي الميادين، حالهم حال أهالي المناطق الباقية الرافضين ضمنياً لتنظيم داعش، وخلَّفَ حالةً من التخبط في المدينة التي شهدت حالة هروب لم تشهدها من قبل لأعداد كبيرة من شبابها خوفاً من أن يزجّهم التنظيم في معاركه.

أبو خالد الذي لا يزال مقيماً في مدينة الميادين بعد أن استطاع تسفير ابنه خالد إلى تركيا، وبالتواصل معه عبر ابنه خالد، استطعتُ الحصول على دقائق لألقي عليه التحية وأسأله عن أحواله فردَّ قائلاً: «لم أتوقع يوماً أن أفرح لبعد ابني عني، لكنني اليوم أشعر بالسعادة لأن خالد أصبح خارج نطاق سيطرة التنظيم. بعد صدور القرار بيوم واحد اتصلت بأخي المقيم في إحدى دول الخليج وطلبتُ منه مبلغاً من المال يسعفني في إنقاذ خالد، لم تتأخر النقود بالوصول، ولله الحمد استطعت تجهيزه وترحيله. لا أستطيع تحمل تكلفة السفر لكل العائلة، وإلا ما بقيت ساعة واحدة هنا، الحمد لله».

أعلن تنظيم داعش قرار النفير العام في الثالث من شهر آب الماضي، وبدأ بتطبيقه بعد أسبوع من إصداره، فسادت المدينة حالة من الاستنفار لعناصر التنظيم بحثاً عن الشبان لسوقهم إلى التجنيد، وتمت مداهمة عشرات البيوت في الميادين وريفها. بعض الأهالي قاموا بتسفير أبنائهم خارج مناطق سيطرة التنظيم عبر مهرّبين مختصين، وعائلاتٌ أخرى استطاعت تأمين تكاليف الرحلة فهربت بأكملها حتى لا يأخذ التنظيم أحد شبابها. نسبةٌ كبيرةٌ من العوائل قامت ببيع منازلها لتؤمن تكلفة الرحلة، إذ يتوجب على من يريد الخروج من مدينة الميادين باتجاه الحسكة دفع مبلغ يتراوح بين 100 و200 ألف ليرة سورية للشخص الواحد، وذلك حسب المهرب، حتى أن بعض المهربين يطلبون مبالغ كبيرة جداً تصل إلى 400 ألف ليرة سورية في حالة وجود مريض أو كبير في السن لا يستطيع السير.

أما العوائل التي لم تستطع تأمين المبلغ المطلوب لسفر أولادها، فقد لجأت إلى إبعادهم إلى مناطق تابعة للتنظيم لم يطبق فيها القرار، كالريف الشرقي لمحافظة الرقة، وبعض قرى الريف الغربي لدير الزور، مثل قرية الزغير والحوايج والخريطة والتبني والمسرب وغيرها.

أضاف قرار التجنيد الإجباري وما نتج عنه شرخاً جديداً في النسيج الاجتماعي المفتت أصلاً منذ سيطرة داعش على المنطقة، وأدى إلى تعطيل عجلة العمل الضعيفة بطبيعة الحال بسبب عدة عوامل لا تقتصر على فقدان اليد العاملة، فمنذ ما يقارب الأربعة أشهر ضخّ التنظيم في كثير من مناطق سيطرته العملة النقدية الخاصة به، ومنها الميادين، وأجبر التجار وأصحاب المحال والأهالي على التداول بها «دينار، درهم، فلس»، الأمر الذي عاد بخسارة كبيرة على التجار نتيجة التحويل من العملة السورية أو الدولار إلى العملة النقدية الخاصة بالتنظيم، وتقدّر الخسارة بـ 1 دولار لكل 10 دولارات، ما دفع عدداً كبيراً من التجار وأصحاب الأموال والمحلات إلى إخفاء أموالهم وإغلاق محلاتهم.

يقول أبو رامز الذي وصل إلى مدينة إدلب منذ ما يقرب الشهر قادماً من الميادين: «اضطررتُ لإغلاق وبيع مستودع الأدوية الصغير الذي كنت أملكه في الميادين، بعد أن أنهكتني الخسارات المترتبة على التحويل إلى عملة تنظيم داعش. كان يتوجب عليَّ تحويل مبالغ كبيرة بشكل أسبوعي إلى إدلب التي كنتُ أشتري منها الأدوية القادمة أصلاً من حلب ودمشق، لكن فرق العملة أثر كثيراً على عملي فقررت بيع المستودع والخروج من مناطق التنظيم».

يعيش أبناء الميادين في عزلة عن العالم، إلا من الأخبار القادمة من الأقارب والأبناء عن طريق الاتصال على الهواتف الثابتة من خارج الوطن، بعد أن حرَّمَ التنظيم التلفاز وأجهزة الاستقبال الفضائي، في ظلّ انقطاعٍ تامٍّ للكهرباء التي استعاضوا عنها بالمولدات، التي أصبحت بدورها دون نفع لكثيرٍ من الناس بسبب التضخم في أسعار الوقود في الآونة الأخيرة، إذ وصل سعر البنزين إلى 900 ليرة للتر الواحد، الأمر الذي ينهك كاهل نسبة كبيرة من أهالي المدينة الذين يعيشون ظروفاً اقتصادية اقتربت أو تجاوزت حدّ الفقر.

في ظل الظروف الإنسانية المتردية التي يعيشها أهالي المدينة، تتوارد الأخبار من الخارج عن اقتراب قوى عديدة من دير الزور، قوات سوريا الديموقراطية وعمودها الفقري الوحدات الكردية، وقوات نظام الأسد مدعوماً بمليشيات أجنبية، بالإضافة إلى الأحاديث المتكررة عن احتمال تقدم بعض فصائل الجيش الحر أيضاً، فتعجّ المجالس ضمن غرف المنازل البعيدة عن مسامع التنظيم بالنقاشات حول المستقبل الغامض الذي يحتمل عدة خيارات.

ينقل لنا أبو ليث ما حدّثه به أخوه في الميادين عبر اتصالٍ جرى بينهما: «لا نعرف ماذا ينتظرنا، لكننا نعرف أن قوات سوريا الديموقراطية وقوات النظام لن يجلبا الخير لنا، وكلاهما أعداؤنا، ولذلك نتمنى أن يأخذ المدينة الجيش الحر، فمقاتلوه من أبنائنا وسنكون بأمان في حال سيطرتهم، أما النظام وقسد فسوف يظلموننا وربما يرتكبون مجازر بحقنا بتهمة الدعشنة الجاهزة لديهم. وبالمقابل يزيد التنظيم من ممارساته الأمنية منذ أن انسحب من الموصل وأجزاء من الرقة، فيكثّف عناصر جهاز الحسبة فرض المخالفات وملاحقة الناس على تطبيق قوانين التنظيم أكثر من ذي قبل، ويتعمد عناصر وأمراء التنظيم تطبيق العقوبات بكثرة في الساحات العامة في المدينة أو على أبواب المساجد بأسلوب يبعثون لنا من خلاله رسائل مضمونها أن العقاب بانتظار كل من تسوّلُ له نفسه الخروج عن التنظيم، الأمر الذي يعكس حالة التوتر التي يعيشها التنظيم ويزيد من خطورته على السكان».

أهالي الميادين محاصرون على الأرض من قبل النظام وداعش، والسماء تمطر على مدينتهم حمماً مصدرها طائرات التحالف الدولي والطائرات الروسية وطيران نظام الأسد، لتنال منهم نفسياً قبل أن تطأ قذائفها أجسادهم، إذ تتعرض المدينة، منذ أن قام التنظيم بنقل عدد من مكاتبه كديوان الزكاة الرئيسي وغيره إليها، لغارات مكثفة بمعدل 5 إلى 6 غارات يومياً، عدا عن التحليق المكثف والغارات الوهمية التي تخلّفُ الرعب في نفوس الأهالي الذين لاحول لهم ولا قوة، ويترافق كل ذلك مع نقص حاد في الكوادر الطبية نتيجة هروب الأطباء والفنيين بسبب ممارسات وقوانين داعش، وقلة المراكز الطبية والمستشفيات التي قام التنظيم بإغلاق بعضها، والاستيلاء على قسم كبير منها وجعلها خاصة به.

أدى ذلك إلى تردي الوضع الصحي العام في المدينة، وإلى وفاة عدة أشخاص فيها خلال الشهر الأخير من أصحاب الأمراض المزمنة وبعض الحالات الحرجة الناجمة عن القصف المتكرر، ولعل نساء المدينة هنّ الفئة الأكثر تضرراً وذلك بسبب عدم توفر الأطباء الأخصائيين بالأمراض النسائية بعد منع التنظيم الأطباء الذكور من مزاولة المهنة.

يعاني أبناء الميادين، وعموم أبناء دير الزور وريفها، بعيداً عن كاميرات وسائل الإعلام، ويتقاسم موتَهم تنظيمُ داعش ونظامُ الأسد والتحالفُ الدولي وروسيا، كلٌ يقاتل من أجل مشروعه وأهدافه، ولا أحد يفكر أو يريد أن يفكر في مصير عشرات آلاف العالقين بين النيران.