النازحون من جحيم الشرق: إلى أين سنعود؟

 

«أنا مستحيل أرجع، هي بلدك مو بلدي... ارجعي لحالك!»، صرخت أُمنية، الطفلة ذات الثلاثة عشر ربيعاً، في وجه أمها حين كانت تتحدث عن رغبة العائلة في العودة إلى مدينة دير الزور عقب بدء عمليات استعادة السيطرة عليها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية منتصف العام الفائت.

نظرةُ رعبٍ ارتسمت على وجه الطفلة وهي تتذكر مشاهد الموت والدمار خلال السنوات التي عاشتها في المدينة قبل هروب العائلة منها منذ حوالي عامين، في رحلة قطعت خلالها مئات الكيلومترات، واستقرت في مدن ومخيمات عدة، لتواجه مختلف صنوف الموت على الطرقات، قبل أن تتمكن من الوصول للعاصمة دمشق والاستقرار في منزل صغير بمدينة جرمانا شرقها.

أما والدة أُمنية، فتشعرُ بأنها مُمزقةٌ بين عالمين، وبين رغبتين: العودة إلى مدينتها التي لا تتخيل حياتها بعيداً عنها، والتي تطلق عليها وصف «الكنز»، ولا تزال تراها كل يوم في أحلامها؛ والبقاء في دمشق التي قد تؤمّن حياة أكثر أماناً واستقراراً، وربما سعادة، لعائلتها.

خيار العودة

شهدت محافظة دير الزور أولى موجات النزوح منذ العام 2011 مع اندلاع المواجهات بين قوات النظام ومقاتلي المعارضة، وكان يُقدَّرُ عدد سكان مدينة دير الزور مركز المحافظة بحوالي نصف مليون نسمة، وعدد سكان المحافظة بأكملها حوالي مليون ونصف المليون شخص، وذلك قبل العام 2011.

وعلى مدار السنوات الفائتة نزح مئات الآلاف، وهو رقم يصعب تقديره بشكل دقيق مع غياب الإحصائيات الرسمية ذات الصلة، وتوجهوا للسكن في المدن الآمنة وعلى رأسها دمشق وريفها، حيث استقرت كثيرٌ من العائلات وبدأت ببناء حياة جديدة، إلى أن بدأت معارك قوات النظام وقوات سوريا الديموقراطية بهدف «تحرير» المحافظة من تنظيم الدولة الإسلامية، وبلغت ذروتها في شهر أيلول الماضي. حينها وجدت تلك العائلات نفسها أمام خيار جديد هو العودة لدير الزور، وهي رغبة والدة أُمنية الأولى.

رغبةٌ تشوبها كثيرٌ من المخاوف التي تقضّ مضجع السيدة الأربعينية: «هل نحن من سنعود فعلاً أم شخصيات جديدة نخال بأنها نحن؟ كل شيء تغير، أصبحنا كتلة من الأمراض النفسية والاجتماعية بسبب التشرد والنزوح والفقر، وربما الأهم: فقدان هوية العائلة بعد غياب معظم الرجال».

تقول السيدة إن الاعتقال والتغييب القسري والتجنيد، أو التعرض لصدمات نفسية عنيفة، أدت جميعها إلى غياب الرجال بشكل أو بآخر عن دورهم العائلي: «حافظنا على عائلتنا بمجهودنا الخاص، واليوم علينا اتخاذ قراراتنا المصيرية بأنفسنا أيضاً».

يشغل بال أم أُمنية كذلك موضوع هوية المدينة وسكانها، وأيضاً هوية من سيعودون إليها، «فأولادنا ما عادوا يشبهون دير الزور. تشكّلوا وفق الأماكن التي نزحنا إليها، حتى وإن بقينا فيها مدة قصيرة. تغيرت أنماط حياتهم، ملابسهم، عاداتهم، هواياتهم. حتى من بقي من سكانٍ داخل الدير، لا أدري إن كنا حقاً نعرفهم أو إن كنا سننسجم معاً. من بقي ينظر لمن خرج على أنه خائن تخلى عن المدينة». تُضيف: «بدير الزور كلشي انقلب، ويمكن بكرا نقتل بعض على أتفه سبب».

مخاوف وهواجس لا يبدو أنها تعني النظام السوري في شيء، مع دفعه المستمر لعودة نازحي دير الزور إلى المحافظة، لا بل وإجباره الموظفين الحكوميين على ذلك. فمنذ بوادر تقدم قوات النظام والتشكيلات المساندة لها في المحافظة على حساب تواجد تنظيم الدولة الإسلامية، بدأت ماكينة النظام الإعلامية بالترويج لإنجازاته في بسط الأمان والاستقرار في المدينة وريفها الغربي وعودة المئات إليها، وبشكل مشابه تحدثت قوات سوريا الديموقراطية عن عودة الآلاف إلى قرى شرقي نهر الفرات بعد طرد مقاتلي تنظيم الدولة منها. هذه الدعوات والتصريحات تجاهلت، على الأقل، الدمار الهائل في المدينة، والذي تشكل نسبته بين كامل وجزئي ما لا يقل عن 40% وفق تقرير صادر عن البنك الدولي في تموز 2017، وهو دمارٌ لن يسمح لكثيرين ببدء حياة جديدة مستقرة هناك.

خلال الفترة نفسها، أعلن مجلس الوزراء السوري عن خطة لعودة الموظفين الحكوميين إلى دير الزور، وإعادة تفعيل المؤسسات الاقتصادية والخدمية على اختلافها، وهو ما بدأ تطبيقه بالفعل منذ بداية العام مع إجبار عشرات الموظفين على العودة تحت طائلة التهديد بالفصل من الوظيفة.

مالك، 30 عاماً، هو أحد هؤلاء الموظفين الذين اضطروا للعودة إلى مدينة دير الزور، ويتحدث عن واقع المدينة الحالي، حيث «لا كهرباء ولا مياه، ودمارٌ يغطي معظم الشوارع والمنازل التي نُهِبَت كل محتوياتها، في حين تتركز مؤسسات الدولة السورية في مساحة ضيقة جداً حيث يتوجب علينا الحضور اليومي. هو رجوعٌ خارجٌ عن إطار رغباتنا الشخصية، وما هو إلا وسيلة دعائية جديدة للنظام وانتصاراته».

الاعتقالُ بتهمة الانتماء السابق لتنظيم الدولة الإسلامية هو أحد منغصات العائدين إلى دير الزور أيضاً، إذ يؤكد مالك تسجيلَ عدّة حالات توقيفٍ لرجال وسيدات عاشوا سابقاً تحت حكم تنظيم الدولة قبل الفرار منه، واليوم هم متهمون لدى النظام بالإرهاب والانتماء لتنظيمات مسلحة، ويواجهون احتمال قضاء سنوات في السجن، والتحويل لمحكمة الإرهاب أو المحكمة الميدانية العسكرية.

عائلات الرقة أيضاً

هذا التقلب الذي تعيشه عائلة أمّ أُمنية، تتشارك به معظم العائلات النازحة خاصة من شرق البلاد والمقيمة في دمشق، والتي تترقب بشكل يومي أخبار المعارك في مدنها وقراها لتعلم إن كانت العودة مُمكنة أم لا.

تتأرجح أم أمجد من مدينة الرقة بين شعورين متناقضين: الرغبة بالعودة، ومشاعر الخوف والقلق وعدم الإحساس بالأمان.

عائلة أم أمجد نزحت من الرقة منذ حوالي أربع سنوات، وتعيش اليوم في حي الزاهرة القديمة في دمشق، حيث تعمل في صناعة وبيع بعض المنتوجات اليدوية، ويكمل طفلاها دراستهما في إحدى المدارس الحكومية.

تتمنى أم أمجد أيضاً أن تُتاح لها فرصة العودة للرقة، رغم أنها تراها حلماً بعيد التحقيق، على الأقل في الوقت الراهن: «أحلم أن أعود إلى منزلي، إلى أصائص الورد على شرفتي، وزيارة قبور أهلي. وسيارتنا. أحلمُ أن نعود عائلة واحدة كبيرة. الرقة هي أمي، وطريقي. عندما أشعر بالقلق ويتعذر عليّ النوم ليلاً، أستحضرُ زوايا منزلي فيها لأشعر بالأمان».

أيضاً تعاني أم أمجد من معضلة الانتماء: «إلى أين ننتمي اليوم؟ إلى الرقة؟ إلى دمشق؟ أشعرُ وكأننا بدو رُحَّل، حقائبنا دائماً مجهزة لأي رحيل مفاجئ. اقتُلِعنا من جذورنا، ولا أدري إن كانت العودة كفيلة بغرس تلك الجذور من جديد، خاصة بعد سنوات قضيناها خارج مدينتنا. الذكريات أمر سهل على الأغلب، وأظن بأن الواقع مغايرٌ تماماً لأحلامنا».

لا تعتقد أم أمجد أن العودة خيار مُتاحٌ بسهولة وسرعة، فشوارع المدينة تحمل كافة أنواع الأخطار بين جنباتها وعلى رأسها الألغام، ولا زالت مليئة بالركام، مع تقديرات محلية بوصول نسبة الدمار إلى 70%، كما تغيب الخدمات الأساسية وعلى رأسها الماء والكهرباء.

صعوباتٌ جعلت عودة نازحي الرقة تتم بشكل تدريجي وبطيء حتى اليوم، مع غياب دعوات النظام السوري لإعادة النازحين على غرار محافظة دير الزور، إذ تسيطر قوات سوريا الديموقراطية ومجلس الرقة المدني على المدينة.

كذلك تخشى أم أمجد أن يتحول سكان الرقة إلى وسيلة جديدة للصراع وتصفية الحسابات بين أطراف النزاع المختلفة: «نريد ضمانات بألّا تعود الحرب للاندلاع، ونريد أن نعلم من هي السلطة التي ستستلم زمام الأمور، وما هو دورنا في الفترة القادمة. لا نريد ان نكون وقوداً لحرب جديدة».

ماذا عن البقاء والنسيان؟

أما خيار البقاء في دمشق، فهو أيضاً ليس بتلك السهولة أو البديهية رغم إيجابياته، كما تقول أم أُمنية: «أشعرُ أن أولادي هنا باتوا أقوياء، وأصبحت لديهم كثير من الفُرص الجديدة. العودة إلى دير الزور قد تعني رجوعهم خطوات للوراء. لكن الوضع المادي هو سيد الموقف اليوم».

العائلة لا زالت قادرة حتى اليوم على تحمل أعباء وتكاليف السكن في دمشق، وهو ترفٌ لا تحظى به معظم العائلات النازحة في العاصمة «التي لا ترحم». ورغم ذلك لا تعرف السيدة إلى أي مدىً يمكنهم الاستمرار في الحياة في العاصمة مع زيادة تكاليف الحياة يوماً بعد آخر، إذ تدفع العائلة كل شهر 20 ألف ليرة سورية، حوالي 40 دولاراً، أجرة المنزل الصغير المؤلف من غرفتين، والذي يفتقد أبسط المتطلبات كالجدران المطلية والأرضية المبلطة وتجهيزات المطبخ والحمام، وتتدبر أمورها من عمل الأمّ الذي يدرُّ عليها دخلاً شهرياً يقارب الخمسين ألف ليرة.

لا يعني ذلك بالضرورة قدرة كافة العائلات النازحة على تدبير معيشتها. الحياة في أدنى مستوياتها في ضواحي دمشق تتطلب ما لا يقل عن خمسين ألف ليرة سورية شهرياً، وهو مبلغ يزداد مع ازدياد عدد أفراد الأسرة وخاصة الأطفال. أُسَرٌ بأكملها اليوم لا تجد مورد رزق ثابت، وتعتمد على أعمال يومية أو على حوالات غير ثابتة من أقارب مقيمين خارج البلاد. النزوح أيضاً يعني الاضطرار لاستئجار منزل مهما صغر، ما يشكّل أعباء مادية إضافية.

«دفعنا حوالي مليوني ليرة سورية كي نتمكن من الوصول إلى دمشق، ورأينا الموت بأعيننا داخل وخارج دير الزور. القصف من فوقنا، وتنظيم الدولة بيننا. رغم صعوبة الرحلة فالحياة في دمشق لا تقل صعوبة عنها. أتمنى العودة، والتي ستعني بالطبع توفير مبلغ الإيجار وتكاليف حياة يومية أقل مما هي عليه في العاصمة، لكنني لست واثقة من قدرتي على العثور على عمل هناك، كما أنني سأحتاج مبلغاً ليس قليلاً لإصلاح المنزل كي نتمكن من السكن فيه، وهو مبلغ لا أملكه اليوم، إذ يصعب عليّ توفير أي نقود مع مصروف العائلة الكبير».

الخياران أيضاً يشكلان مصدر قلق لأم أُمنية حيال أطفالها: «نتعرض هنا في دمشق أحياناً لمواقف عنصرية، فلا شكّ بأن بعض سكانها لا يرحبون كثيراً بالنازحين الذين ملؤوا المدينة وضواحيها وتسببوا في غلاء الأسعار ورفع الإيجارات وأيضاً تغيير طبيعة السكان بشكل أو بآخر. أما في الدير فسنعود من الصفر. لا مدارس. لا خدمات. لا نريد رفاهية، نريد فقط أن نفتح الصنبور لتتدفق المياه، وأن يخرج أولادنا ليعودوا سالمين. وأخشى ألا نحصل على ذلك».

تلك المواقف لا تقتصر على بعض الممارسات العنصرية في المدارس أو الشارع، فكثيرون من نازحي دير الزور بشكل خاص، وممن اتجهوا للسكن في ضواحي دمشق، يتحدثون عن رفع أصحاب المنازل مبالغ الإيجارات عند سماعهم بأن المستأجر من الدير، إذ يسود اعتقادٌ بأن أهالي هذه المحافظة هم من الطبقة الغنية، وهو أمرٌ ينطبق على عدد منهم بطبيعة الحال، وليس على الجميع. كما تضطر كثيرٌ من الأُسَر للانتظار أشهراً طويلة قبل الحصول على الموافقة الأمنية اللازمة لإكمال عقد الإيجار، والتي تزداد صعوبة استخراجها بشكل خاص للنازحين يوماً بعد آخر، حيث يحصلون في كثير من الأحيان على جواب الرفض دون تبيان الأسباب.

مخاوف أم أُمنية التي عبَّرَت عنها تتقاطع مع رغبات الأطفال وأمنياتهم بالبقاء، لا بل ورفضهم للعودة: «لا يوجد طفل ديري يحب دير الزور اليوم، فهي تمثل بالنسبة لهم رعب محاولات البقاء على قيد الحياة»، تضيف السيدة.

يتحدث أمجد ذو الستة عشر ربيعاً عن مشاعره تجاه الرقة: «عندما أرى صور الرقة اليوم عبر الإنترنت تنتابني مشاعر متناقضة. أحزن. أشتاق. لكن يستحيل أن أعود. الرقة باتت بالنسبة لي فكرة بعيدة. نسيتها. نسيت شكل الطرق والأبنية، وكل ما يمكنني التفكير فيه اليوم هو شكل الدمار. ما عدتُ أحلمُ بها».

وبشكل مشابه تقول آلاء شقيقة أمجد إنها لن تعود للرقة، حتى لو تحولت إلى جنّة: «يكفي ما عشناه، والصور التي نراها اليوم تخبرنا بأن مدينتنا لن تعود يوماً كما كانت».

خيارات عدة ترى أم أُمنية بأن أحلاها مرّ: «هنا سنموت وفي الدير سنموت. تغيّرَ معنى الموت بالنسبة لنا، وتحوَّلَ إلى حالة مادية يمكن لنا أن نقبض عليها بيدينا، إلى فرد من عائلتنا يعيش ويتقاسم معنا الطعام والشراب. أصبح الموت هو الوجه الثاني للحياة، وكل ما أتمناه، في حال كان الموت مصيرنا القريب، أن يكون موتاً جماعياً لا يستثني أحداً من أفراد عائلتي، لئلا يعيش متحسراً على خسارة جديدة تضاف لخساراتنا».