الناي السحري

شاعَ الحديث عمّا يسمى «تأثير موتسارت» منذ بداية عقد التسعينات، خَرَجَت دراساتٌ وتجارب تصرُّ على أن الاستماع إلى موسيقى المؤلف النمساوي الشهير يؤثر على أداء الدماغ ويحسِّنُ وظائف معينة، ودراساتٌ أخرى ظهرت فيما بعد لتنفي مزاعم الأولى.

في ذكرى عيد ميلاده الـ 262، التي مرَّت منذ أيام قليلة، تبرَّعَ كل من المشاركين في الملف بأن يجرِّبَ تأثير موتسارت، على طريقته، عبر كتابة نص تحت تأثير مباشر لإحدى مقطوعاته، لذلك يُنصَحُ بقراءة كل نص مع المقطع المختار المرافق له، عدا مقالة: «لماذا يتوجب على المرء أن يكره موتسارت؟»، التي يُفضَّلُ أن تُقرأ بعيداً عن أعمال صاحب المناسبة.

W. A. Mozart - KV 620 - Die Zauberflöte (The magic flute)

أطفو بذراعي، في المياه التي تملأ هذا الحوض، أطفو على ظهري، أرى ذراعيَّ تعومان مثل الجيلي فيش، مفرودتان كمن يستسلم في حقل، ذَهَبَ لحمي عني، والمياه ليست مالحة وليس لها مذاق، أرى بندقيتي تطفو بعيداً عني ممتلئة بالماء، لا يمكن لخشبها أن يشتعل، لكنني لا زلت أصدق ستة أِشياء مستحيلة تحدث قبل الإفطار.

أنزلُ درجات السلم الكهربائي المعطل، تؤلمني ساقي وأنا أطويها، أرى أربعة رجال نحيلين وفارعي الطول، بجفون واضحة ولحىً سوداء وشائبة، فأفكر أنني لم أر لحية رزينة منذ فترة. يقف الرجال أسفل الدرج بكلابياتهم البنية والبيج، وفوقها ستر قصيرة، ينتظرون نزولي ليصعدوا، وببنما أنزل يبتسم لي أحدهم ويطيل النظر إليّ، وعبر هذه الابتسامة أسمع اللهجة الحورانية الأحبَّ إلى قلبي، أخرج من الباب ومعي هذه الابتسامة وأفكر أنني نزلتُ هذا الدرج البارحة واليوم الذي قبله ولم يقف الرجال بانتظار نزولي.

أرفعُ صوت الموسيقى حال خروجي من باب المبنى، وأقف لأشتري مشطاً لحبيبي حين يأتي، أمشط شعر حبيبي من الدم والتراب أنظر إلى المشط فيبدو مجرد طين، أنظر داخل أصابعي فأرى الدماء، وأستيقظ من البرد.

أخرجُ بقميص نومي وأمرُّ من الباحة المكشوفة: قدماي حافيتان وغبار باحة الدار الإسمنتية يُبيّضُ كعبي. أقفُ على باب الدار وأنظر إلى صفٍ من الخيام الفارغة يحركها هواء الصباح البارد أمام الأبنية الإسمنتية، وأمام كل خيمة ترتفع عالياً زهرة ضخمة بنفسجية بلون الكمد: لون الصغير الذي لم يتفتح.

تتمايل الأزهار البنفسجية الضخمة مع الريح بسيقانها الثخينة العارية من أي أوراق، ومن بعيد، أرى رجلاً يثبّت نظره عليّ، أثبتُ نظري عليه حتى أقطع المطعم ويصبح خلف ظهري، أنظرُ خلفي وأراني وقد أصبحت خلف ظهره. أقتربُ من الحديقة وأرى رجلاً آخر يجلس على السور ويدير ظهره لي، أقترب من العربة وأطلب من البائع أن يبيعني السكر وأصنع له حفرة بكفي بالقدر الذي أريد، وأنظر الى ظهر الرجل المهموم الذي لا يمكنني الاقتراب منه، وأشعر بظهره يصنع حفرةً في صدري.

أدخلُ إلى الصيدلية، فيكمل البائع تقشير التفاحة ويعطيني قسماً منها، وحين أضعها في فمي تنبعث رائحة البوفيدون، ألتفت خلفي فأرى الرجل من المطعم يضمد يده المحترقة فأخرج دون أن آخذ المسكّن، وأرى جارتنا مع ابنها أمام منزلهم.

يلهو الصبي بعصفورٍ ميت، أطلبُ منه أن يريني إياه فيتركني أحمله بيدي، أعرضُ عليه مبادلته بالسكر الملون الحلو وأخبره أنني سأطعمه لقطتي، ويرفض مبادلتي.

تنطفئ الكهرباء ، فتبتسم عيناي للظلام، وأشعر أنك قريب جداً وأنني أعرف كيف يبدو بيتك، وإن خرجتُ من الباب فلن يبعد حيّكَ سوى خطوات عن الحي الذي أقيم فيه، لكنني لا أفعل ذلك أبداً، لذا لا يمكننا أن نعرف فعلاً إن كنت حياً أم لا.
أحمل كتابك وأركض من سعادتي، أقف أمام أكوامٍ من الصخور الكبيرة الرمادية تخرج من بينها شجرة بنية ليس لها أوراق، وأفتح الكتاب على إحدى القصائد وأنظر إلى الكلمات المطبوعة، ألتقط صورةً لها مع الصخور لأرسلها لك، أنظر إلى الصورة التي التقطتها فأراها وقد أصبحت في يدي، وفوق الصخور أرى رسومات للبيوت الستة التي سكنتها موزعةً كل اثنين معاً، أنظر مجدداً إلى الصخور الحقيقية فأراك تجلس بضحكتك الحلوة.

فأدعك تضحك، وآخذ ضحكتك إلى قلبي، وأركض خفيفة نحو صخورٍ ثانية. أجلس على الأرض وأمسك بدبوسٍ صغير وأغزُّ التراب الباهت مرتين وأنظر إلى الكتاب، ثم أنظر إليك وأراك وأنت تشعر بالوخز في قدميك الحافيتين.

نجلسُ على المصطبة في الجامعة كي تعرّفني على فتاتك، أنظرُ إلى وجهها فأجده مليئاً بالبثور كما لو أن أحداً وخزه بدبوس، وبينما تتحدثان، أنظر إلى شعرها الملون فأرى وصلات الشعر واحدة متصلة بالثانية، وأنظر إليك وأشعر بالأسى لأجلك، ثم أدركُ أنك ترى شعرها وتتجاهله، ولا أعود أحسُّ بالأسى.

أجلسُ في مطعم صغير على الزاوية وعبر ضوء المطعم أراك تمر من أمام الزجاج، بذراعك السليمة تسند ذراعك المكسورة وتبدو تائهاً، أتحاشى النظر إليك فتختفي، ثم تعود وتمر من جانبي، كما لو أنك أردت إفزاعي. أسندُ رأسي على زجاج السيارة بعد أن قدمتُ قرباني ونذري، وأنظرُ إلى الظلام الذي تمشي فيه سيارتي فلا أرى أي نيرانٍ تشتعل.

يعمُّ السكون، وأرى أرواح الدبابات تصعد بيضاء مثل الطبشور من الإسفلت، فأركضُ في الشارع الفارغ، وأراها تهبط فوق السيارات المركونة قرب الأرصفة دون أن تصيبها بأذى. أتعثَّرُ وأقعُ على الأرض وتمشي الدبابة فوقي، فأشعر بمعدنها الثقيل يسحقُ خدي.

وأشعرُ بالقُبَل تلامس أهدابي، وقبل أن أفتح عيني كانت الغرفة تعوم في شرابٍ سكّري وردي ذائب اللون، كنت أتهادى في السرير مثل طحلبة، وأقول لا بأس سيعتقدون أن الشراب هو السبب، لكنها نعوتكَ المعلقة على الجدار، طحلبة لها انحناءات تنتظر سماع جذرها يتمزق.

يجيء الظلام ويجيء الضوء، ويعود الظلام ويجيء الضوء، ثم يعود الظلام ثم يأتي الضوء، وتفتح عينيك، وأغمضُ عيني.