النقطة العمياء عند ماركس

أنيا مولينبيلت (1945)، كاتبة وسياسية هولندية، وإحدى رائدات الموجة النسوية الثانية التي عمّت في ستينات وسبعينات القرن العشرين. صدر كتابها الأهم من دون خجل عام 1976، الذي كتبت فيه عن حياتها الشخصية، وحاولت من خلاله تسييس الشخصيّ عند المرأة. كانت أنيا مولينبيلت عضوةً في مجلس الشيوخ نيابة عن الحزب الاشتراكي (2003 حتى 2011). ناصرت القضية الفلسطينية. وقد سبق أن نشرت الجمهورية مقالتيها «ماذا تعرف النسويات عن الحب؟» و«الرجولة كمشكلة». وننشر لها اليوم مقالة «النقطة العمياء عند ماركس» التي صدرت ضمن كتابها: النِسوية تعود من حيث لم تذهب (2017)، وتمَّت ترجمتها عن اللغة الهولندية.

*****

للعمل مكانة مركزية في النِسوية والاشتراكية على حد سواء. بيد أن النظرة إلى العمل تختلف حسب النظّارة النسوية أو الاشتراكية التي ننظر من خلالها. ومن الأهمية بمكان أن نتكلم عن التقسيم بين عمل ضمن سوق العمل، وبين عمل غير مأجور، ولا يقدّره أحد، ويعتمد على إعادة الإنتاج.

دعونا نبدأ بطرح التساؤل حول الخيارات المتوفرة والتي تساعد النساء على الجمع بين الحياة الأسرية والعمل المأجور. لم يكن الخيار متاحاً لأمي، فلا أحد كان يتوقع منها أن تعمل. ولا كانت خادمتها تملك الخيار، فهي مجبرة على العمل. أما نساء جيلي والجيل الذي بعدي، فتتوفر لدى معظمنا(!) خيارات عديدة.

لدى نساء هذا العصر ثلاثة نماذج لهندسة حياتهن. أولاً، أن يكون راتب الشريك كافياً بحيث تتمكن المرأة من البقاء مع الأطفال في المنزل. ولكن هذا يُبقي على عدم استقلالية النساء المادية، ويزيد من صعوبة الحصول على عمل عند الرغبة أو حين تتطلب الحاجة.

ثانياً، أن تختار المرأة طريق العمل عندما تكون حاصلة على الشهادات المطلوبة وليس لديها أطفال. أما إذا رغبت بالإنجاب، فعليها أن تكسب ما يكفي لتستأجر خادمة تتولى عنها جزءاً من مهامها الأسرية. ويالها من محظوظة حين يكون شريكها مستعداً لحمل جزء من مسؤولية العناية بالأطفال. ولطالما عانت النساء العاملات مِن همِّ إثبات قدرتهن على إنجاز العمل الذي يقوم به الرجل الناجح، من دون السند البدهي الذي يتلقاه هو عادة. وهكذا تتعرض المرأة إلى خطر الإصابة بالاحتراق النفسي.

ثالثاً، الخيار الأكثر شعبية في منطقتنا هو دوام جزئي يتيح وقتاً كافياً للعناية بأمور البيت والأطفال. إنه نظام «الأسرة ذات الراتب والنصف»، وهو منتشر على نطاق واسع في هولندا. أما سلبياته فتتجلى في أن صاحبات الدوام الجزئي قلّما يتمكنَّ من استثمار إمكانياتهنّ بشكل كامل، ولا يترقينَ على سلّم العمل، وفي الغالب لا يكسبنَ ما يكفي من المال كي يعشنَ مستقلّات إذا احتاج الأمر. وجميعنا يعلم بأن إيجاد التوازن بين نظامين متنافرين صعبٌ للغاية: الأطفال والأسرة من جهة، والعمل من جهة أخرى. يتطلب الأمر كثيراً من التنظيم، وستكونين محظوظة عندما لا يمرض طفلكِ كثيراً ولا يحتاج إلى اهتمام إضافي.

باختصار: لم يسبق أن كان لدى النساء كلّ هذه الخيارات، فبإمكانهنَّ اختيار المشكلة التي يفضّلنها على غيرها. والرجال يحسبون هذا امتيازاً خاصاً بالنساء، لأنهم يظنون بأن النساء غير مُطالبات بدوام كامل أو بكسب أكبر قدرٍ من المال. وهم محقّون في ذلك. غير أن الخيار الوحيد والبدهي لمعظم الرجال، ما زال غير متاح لغالبية النساء: العمل طوال النهار، بينما يدبّر الشريك كل أمور المنزل. نادراً ما نجد رجلاً يقدّم للمرأة ما تقدمه النساء دائماً للرجال.

ولكن لماذا ما زال الأمر صعباً حتى الآن؟

أرى أربعة أسباب:

1- أسلوب التفكير المتأصل حول الرجولة والأنوثة، والأفكار الراسخة تحت طبقة رقيقة من المساواة. على سبيل المثال، يفكّر الناس بأن الرجولة لا تسمح بأن تقضي الوقت بأعمال تافهة كتنظيف المطبخ وشراء الحفوضات، وأن النساء هنَّ المسؤولات الأساسيات عن تدبير أمور المنزل وحين يمرض الطفل.

المواقف تختلف بشكل واضح فيما بينها. الرجل يرجع بعد عمله إلى المنزل ولديه إحساسٌ بأنه قام بواجبه تجاه أسرته ويستحق الآن الراحة والاهتمام. أما المرأة التي تعود بعد يوم عمل، تشعر بأن وظيفتها تؤثر سلباً على مقدار الاهتمام الذي تتلقاه أسرتها، وبأن من واجبها التعويض. يجب ألا يعاني أطفالها من كون أمهم تعمل خارج المنزل. وهكذا نلاحظ بأن الإنجاز ذاته يؤدي إلى سلوك مختلف عند الرجال والنساء. طالما ما زلنا نؤمن في أعماقنا بأن النساء هنَّ المسؤولات عن سعادة الجميع والعناية بهم، لن تكون ثمة قِسمة عادلة.

2- كما يتعلق الأمر بفكرتنا حول اختيار الشريك التي ما زلنا نؤمن بها سراً رغم تحررنا. في العلاقة الغيرية غالباً ما يكون الرجل هو الأكبر سناً والسبّاق في سوق العمل. وعندما يفكر الزوجان مَن الذي سيبقى في المنزل ليعتني بالأطفال، سوف يقع الخيار على الشخص صاحب الراتب الأقل، أي المرأة. لم يعد غريباً أن تتواعد المرأة مع رجل أقل تعليماً ودخلاً، غير أن الأمر ما زال نادراً. في غالب الأحيان يكون من الأفضل اقتصادياً أن يواصل صاحب الدخل الأعلى عمله، لا بل أن يزيد ساعات إضافية، بعد قدوم الأطفال. أعني الرجل.

3- ومن الطبيعي أن تلعب الأفكار الكلاسيكية حول الرجولة والأنوثة دوراً في سوق العمل. لا يثق رؤساء العمل بالنساء كموظفات، لأنهن يحبلنَ فجأة ويمكثنَ في المنزل عندما يمرض الطفل. وبما أن الأدوار غير مقسّمة بشكل عادل، فهم محقون إلى حدٍّ ما. ليس غريباً إذن أن يعادل دخل النساء الصغيرات دخل الرجال، وأن يتراجع فجأة عندما يصبحن أمهات.

4- ما زال عالم العمل المأجور يعتبر إعادة الإنتاج مسألة خصوصية يتوجب على الناس تنظيمها بأنفسهم. فقط عندما يكون ثمة حاجة إلى النساء كقوة عاملة، يتحسّنُ نظام الحضانات فجأة، غير أنه يُلغى مجدداً حين يحتاجون إرسال المرأة إلى منزلها. عالم العمل المأجور لا يعتبر الرجال مسؤولين عن الأطفال، لذلك ليس لدينا تسهيلات للآباء الحديثين من أجل التوفيق بين عملهم والأبوة.

إن الفصل بين العمل المأجور والعمل المنزلي غير المأجور ليس من تبعات التصنيع والرأسمالية فحسب، وإنما نابع من رؤوسنا أيضاً. فنحن نعتبر العمل المأجور مساهمة اجتماعية، أما الإنجاب فهو مسألة شخصية. ومع ذلك نعلم جميعاً بأن العالم والرأسمالية لن يكونا على ما يرام في حال امتنعت النساء عن إنجاب الأطفال. نقرأ في الجرائد بأن المتزوجين صاروا يترددون طويلاً قبل إنجاب الأطفال، وبخاصة عندما لا يكون لديهم عقد عمل ثابت أو القدرة على شراء بيت. ويصل الأمر ببعضهم أن يَعدِل عن الفكرة نهائياً. لا بدّ حينها أن تظهر قضية شيخوخة السكان من جديد.

كان ماركس ابنَ عصره وكانت قضية المرأة تهمّه. وقد رأى كيف كان الأطفال والنساء يُستغَلّون، وكم تأذّت الحياة الأُسرية جرّاء ذلك. كما فهم أهمية استرداد القوة العاملة لعافيتها. ولكن في النظرية الماركسية بقيت هناك فجوة غامضة بين لحظة عودة العامل إلى منزله وهو حامل مرتبه، وبين اليوم التالي حين يذهب ليبيع قوّته الإنتاجية. هذه الفترة يُطلق عليها «الاستهلاك»، وبهذه الطريقة يتم إخفاء بأن علبة الحساء أصبحت قابلة للاستهلاك بفضل العمل المُضاف، أي العمل المنزلي. لم ينكر ماركس أبداً بأن الاستهلاك وإعادة إنتاج القوة العاملة هما وجهان للظاهرة نفسها، فهو يكتب في الرأسمال:

«لا يهم أن يقوم العامل باستهلاكه الفردي من أجل نفسه أو من أجل الرأسمالي. فالاستهلاك الذي تقوم به حيوانات النقل ليس عنصراً أقل ضرورة في عملية الإنتاج لأن الحيوانات تستمتع بما تلتهمه. الحفاظ المستمر على الطبقة العاملة وإعادة إنتاجها هما شرطا إعادة إنتاج الرأسمال. يستطيع الرأسمالي ترك الأمر لغريزة البقاء والتكاثر عند العمال، وأن يكتفي بحصر استهلاكهم الفردي ضمن الضروري».

هذه نقطة عمياء مثيرة للاهتمام. إذ أن الرأسمالي غير قادر على ترك إعادة الإنتاج لغريزة البقاء، فالأمر يحتاج إلى النساء. في الواقع ثمة صراع دائم بين الرأسماليين والحركات العمّالية، مثلًا حول المرتّب الذي يحتاجه العامل ليسدّ رمق أسرته. كما يدور صراع بين الرأسماليين الأفراد والرأسمالية بشكل عام حول الجهة التي ستتكبد مصاريف إعادة الإنتاج، وما زال هذا الصراع راهناً حتى الآن. من مصلحة كل رأسمالي أن يستثمر أقل ما يمكن في إعادة الإنتاج، لأنه ضروري ولكنه غير مربح. وبما أن كثيرين نَفَقوا أثناء حقبة الاستغلال الأولى، فقد تم التوصل إلى تسوية بعد صراع مرير، وحصل الرجال أخيراً على دخل لإعالة أسرهم. وقد كان متوسط عمر العمّال منخفضاً، ونسبة الوفيات بين الأطفال مرتفعة، ومع ذلك بدا واضحاً بأن الرأسماليين سيحاولون دوماً تكليف الدولة بمصاريف إعادة الإنتاج. بمعنى آخر: عبر الضرائب التي يدفعها المواطنون، وليس عن طريق الشركات. وهكذا صارت العناية الصحية من مهام الدولة، والتعليم الإلزامي أمراً بدهياً. وقد خبِرنا «دولة الرعاية» التي تهدف إلى تشكيل نظام ضمان جماعي على مستوى الدولة، بغرض مساعدة الأشخاص غير المنتجين مثل العاطلين عن العمل والشيوخ والمرضى. بيد أن حقبتنا النيوليبرالية عكفت على هدم دولة الرعاية منذ بضعة عقود.

لماذا يهمني النظر في العمل القائم على إعادة الإنتاج، أي العناية بأفراد الأسرة والمسنين والأطفال؟ كنتُ قد ذكرت سبباً هاماً: عندما نعتبر هذا العمل نسائياً، ستتأثر المرأة سلباً، ولن يتحسن التوزيع بين العمل المأجور وغير المأجور أبداً، مما يزيد من خطر وقوعها في الفقر. لا بل أكثر من ذلك: في حال ربطنا الرعاية بالأنوثة، لن يقدّر أحد كل هذا العمل القائم على إعادة الإنتاج وسيبقى مجاناً. فضلاً عن تلقي النساء العاملات أجوراً منخفضة، والسبب هو قيامهن بأشغالٍ تشكل امتداداً للعمل المنزلي، أي لا تحتاج إلى شهادة: التنظيف ورعاية الأطفال والمسنين والمرضى.

كما أن لا أحد يقوم بالرعاية المنزلية سوى النساء. أما في قطاع التنظيف، فقد بدأت النساء يتقاسمن العمل مع المهاجرين الذين لا يملكون خياراً آخر. العملية تفاعلية: أجور العمل المرتبط بالأنوثة منخفضة، وبما أن الأجور منخفضة... يبقى هذا العمل نسائياً. هل تحتاجون إلى مثال؟ المعلمات في المدارس الابتدائية هم نساء بشكل أساسي. في السابق كان الأمر مختلفاً، إذ كان الرجال نشيطين في قطاع التعليم. من جاء أولاً: البيضة أم الدجاجة؟ هل تتلقى المعلمات أجراً منخفضاً لأنهنَّ نساء؟ أم أن النساء يعملن في قطاع التعليم، لأن الرجال لا يعملون مقابل أجر ضئيل؟ والرجال لا ينجذبون إلى العمل المعروف بـ«النسائي»؟ وهكذا تتشكل غيتوات نسائية في سوق العمل: التمريض، المحاسبة في السوبر ماركت (قد نرى شباباً صغاراً خلف الحاسبة، ولكننا لا نجد رجالاً بالغين يقومون بهذا العمل)، الحضانات، الرعاية المنزلية وإلى آخره. حالما تتحول المهنة إلى حصنٍ نسائي، يتعالى الرجال عليها، ويحسب رؤساء العمل بأن الرجال غير قادرين على هذا النوع من الأعمال. يجب أن نعي بأن أحكام القيمة هي سبب الانخفاض البدهي في أجور المهن التي تشكل امتداداً للعمل المنزلي.

كما تتعرض هذه المهن إلى تقشفٍ شديد. ولم يظهر اعتراض حقيقي ضد التقشف المبالغ به في قطاع الرعاية الصحية في هولندا، حيث أقيلت آلاف النساء دفعة واحدة. المرأة ضحية سهلة، لأنها لم تحصل على حقوق بسبب عملها الجزئي، مما يضطرها إلى الاعتماد مجدداً على مرتّب شريكها. في الواقع هذا الوضع لا يختلف كثيراً عن أيام زمان، حين كانت النساء يشكلن جيشاً احتياطياً للقوى العاملة يتم تجنيدهنَّ عند الحاجة، ويرسلن إلى منازلهن عندما تزول الضرورة. كنا نقول: «المرأة ككرسي قابل للطوي».

وقلما أدركنا، نحن اليساريون، كيفية توظيف النساء كمخزون احتياطي في أيام التقشف والأزمات. في أيام التراجع الاقتصادي تعتمد الأسرة على المرأة من أجل البقاء، فربّات المنزل يُقدّمنَ الطعام حتى ولو لم يكن هناك نقود كافية. المرونة الأنثوية، النابعة من قلب الضرورة، هي المسؤولة عن عدم اندلاع الثورات مع بداية كل حملة تقشفٍ جديدة، وعندما يتم إقالة أعداد هائلة من الناس وتُتخذ تدابير غير شعبية. هناك بعض الاستثناءات طبعاً، ففي 21 آذار 2017 خرج قرابة الـ 17.000 بلجيكي من شتى فروع الرعاية الصحية للتظاهر من أجل «ربيع غير ربحي».

الرجال ميّالون إلى إنكار مساهمة النساء الاقتصادية. السبب بسيط، فالرجال الرأسماليون والاشتراكيون يحبون أن تعتني النساء بهم. حتى في تلك الأيام كانوا يفضلون دخلاً واحداً للأسرة على تساوي الأجور بين الرجال والنساء. وما زال توزيع العمل غير المأجور مجحفاً حتى الآن، فالنساء الجديات بعملهن واللواتي لا يكتفين بساعات عمل محدودة، لا يجدن مخرجاً سوى الاعتماد على خادمة بالأجرة. إذ قلما تمكنت المرأة من الترقي على سلم العمل من دون مساعدة. وهكذا يصبح تقسيم العمل مسألة تحلّها النساء فيما بينهن، وليست قضية الرجال والنساء معاً.

ولن تتحقق القِسمة العادلة، طالما أننا لا نعتبر إنجاب الأطفال مساهمة اجتماعية، وطالما ما زال دور الرجال ثانوياً بهذا الخصوص. يجب على الأحزاب والنقابات أن تدافع عن إمكانية التوفيق بين الإنتاج وإعادة الإنتاج. ولقد حان الوقت أن تتغير عقلية الرجال أنفسهم، وأن يدافعوا عن حقهم بإجازة الأبوة عندما يصبحون آباء. هذا المطلب يشكل جزءاً من نقاشنا حول تقصير عدد ساعات العمل. في بلجيكا يطالب حزب العمل اليساري بتقصير مدة العمل. وها هي حركة فيمّا، تجمّعُ النساء الكاثوليكيات، تكافح من أجل أسبوع العمل القصير.

على الاشتراكيين أن يدركوا إذن بأن الرأسمال الكبير يضاعف أرباحه بسبب وضع النساء، وبأن نفوذ النقابات في تدهور مستمر. ويعود هذا إلى عوامل مختلفة، منها العولمة وتصدير الشغل إلى بلاد الأجور المنخفضة. والعامل الثاني هو أن البروليتاريا لم تعد مؤلفة من رجال يشتغلون في الصناعة فقط، وإنما هي تشكيلة من «الموظفين المرنين» وأصحاب الأعمال الحرة الصغار والنساء صاحبات الدوام الجزئي. وجميعهم أشخاص يصعب تنظيمهم، إذ أن «البروليتاريا» الحالية لا تلتقي مع بعضها في المصنع. المستفيدون من رصّ الصفوف بغية تحسين ظروف العمل وتنظيم اقتصادي عادل للمجتمع، باتوا اليوم مشتتين جراء المنافسة واختلاف المصالح بين الرجال والنساء.

وكما قلت: القِسمة العادلة هي أكثر من مساواة بين الرجال والنساء. إذ ثمة مزايا كثيرة لأسبوع عملٍ بثلاثين ساعة تقريباً1. العاطلون عن العمل سوف يحصلون على فرصٍ جديدة، ولن يحتاج الموظفون المسنّون أن يرهقوا أنفسهم بغية الحفاظ على وظائفهم. كما لن نضطر بعد الآن للضغط على بعض الموظفين اقتصادياً (والنتيجة هي التغيب بسبب المرض)، ولن نجلب الاكتئاب للجزء الآخر من المجتمع جراء إبعادهنَّ عن العمل المفيد والمأجور. بيد أن الرأسمالي يفضل جيشاً من القوى العاملة يتحكم به حسب هواه. فعندما تكون هناك بطالة في المجتمع، لن يرفع الناس سقف مطالبهم. وبالنسبة للموظف كل شيء أفضل من العيش على مرتب البطالة، حتى ولو اضطر لقبول شروط عمل سيئة للغاية.

كما أن فقدان الوظائف جراء التقدم التكنولوجي والعولمة مشكلة اجتماعية تهمّنا جميعاً. وليس أمامنا سوى الكفاح إن أردنا تقصير أسبوع العمل للجميع، لأن الرأسمالية لا تقدم الهدايا مجاناً. باختصار: التوزيع العادل للعمل المأجور وغير المأجور هو قضية اشتراكية ونِسوية في آن، وعلينا مواجهتها سوية.

  • 1. أسبوع العمل الحالي في هولندا هو 42 ساعة وقد يعمل البعض 60 ساعة أو أكثر. والنساء يكتفين غالباً بعشرين ساعة عمل إلى جانب أعمالهن المنزلية. ولقد قدمت النسويات حججاً كثيرة لدعم مطالبتهن بثلاثين ساعة عمل للجميع، رجالاً ونساء، من بينها التي ذكرتها الكاتبة هنا. ولكن ثمة حججاً أخرى قدمتها النِسويات، من بينها حق الرجل (العاطفي) بقضاء وقت أطول مع أسرته وأطفاله [المترجمة].