النموذج السوري في التوثيق الرقمي

ليس فقط من أجل الحفظ يقوم الأرشيف السوري بالاحتفاظ بملايين الفيديوهات التي توثق أحداث الثورة السورية. ليس هناك صندوق، تمتلك مؤسسة بعينها مفتاحه، يخزّن تلك اللحظات التي غيرت حياة الكثيرين. بالعكس، يمكننا تخيل الأرشيف السوري كمكتبة ضخمة تضم آلاف الوثائق التي تتراكب معاً لتروي قصة عشر سنوات منذ انطلاق الثورة في سوريا.

في هذا الحوار، يمرّ هادي خطيب، الصحفي السوري ومدير مؤسسة الأرشيف السوري، على فكرة وعمل الأرشيف السوري في ملء وتنضيد رفوف تلك المكتبة، مكتبة وثائق الحكاية.

أود أن أبدأ حوارنا بالتهنئة على التنويه الذي صدر عن مجلة تايم مؤخراً لك ولعملك، رغم أننا لسنا بحاجة لإشارة مجلة، مهما كانت مرموقة، للانتباه للدور المركزي الذي يلعبه الأرشيف السوري ضمن المجال التوثيقي السوري.

شكراً جزيلاً. أتمنى أن يكون ذلك قد سلّط الضوء على العمل التوثيقي في سوريا من خلال الأرشيف السوري، وعلى القضية السورية بشكل عام.

هناك مؤشرات متطابقة ومتراكمة على مدى السنوات الماضية، تُظهر أن النموذج السوري لا سوابق له في التوثيق، سواءً على صعيد الكم (عدد الوثائق) ولا على صعيد النوع (الرقمنة). أين الإيجابيات والتحديات في هذا النموذج غير المسبوق؟

هذا صحيح. هناك كم هائل جداً من التوثيقات، أكانت مستندات أو صوراً أو مقاطع الفيديو ضمن القضية السورية، وهذا يعكس، قبل كل شيء، كماً هائلاً جداً من الانتهاكات على مدى السنوات العشر الأخيرة. كمية التوثيق ضخمة فعلاً. لو جمعنا مثلاً عدد كل مقاطع الفيديو المتوفّرة في السياق السوري سنجد أنها أكثر من عشر سنوات بكثير، حرفياً. لا سوابق تاريخية لهذا الكم من التوثيق، وهذا يجعل القضية السورية مرجعية تأسيسية في هذا المجال، فعلى أي متخصص في التوثيق أن ينظر في القضية السورية، وأن يرى كيف عمل السوريون على توثيق قضيتهم، وكيف قاوموا كل التحديات خلال السنوات الأخيرة، وكيف هم مستمرون في عملهم. هناك أيضاً نموذج سوري للتعاون المنظماتي، وللاستفادة من التكنولوجيا في التوثيق.

يضم الأرشيف السوري حالياً أكثر من ثلاثة ملايين سجلّ، ما بين فيديوهات وصور ووثائق أخرى، تم أخذها بشكل مباشر من أفراد أو مجموعات سورية عملت على التوثيق. وكما ذكرت، لهذه الكثافة في التصوير والمصوِّرين ملامح إيجابية وتحديات. ومن الملامح الإيجابية أننا، حين بدأنا العمل على مشروع الذاكرة في 2018، كانت الفكرة أن نسأل المصورين السوريين الذين بدأوا بتوثيق المظاهرات والانتهاكات في سوريا عام 2011. جزء من مشروع الذاكرة هو معرفة من الذين قاموا بتوثيق تلك المرحلة. وحين نسأل أي مصور لماذا أمسك بالكاميرا ولماذا نزل للشارع ولماذا صوّر ووثق، كان الجواب دائماً موحّداً على اختلاف المناطق والمحافظات: محاولة لمنع تكرار ما حصل في حماة في الثمانينات عبر توثيق ما يجري. لقد قام السوريون حينها بما يشبه البث الحيّ المباشر للانتهاكات التي تجري في سوريا، بدءاً من المظاهرات وعمليات قمعها، ثم تسارع وتيرة العنف، وصولاً لتعدد الأطراف المرتكبة للانتهاكات. هذا كان من الفوارق الإيجابية في سوريا. من الفوارق الإيجابية أن عمل السوريين التوثيقي كان منظماً بشكل سهّل تصنيف المعلومات وتسهيل الوصول إليها افتراضياً مقارنةً بسياقات أخرى عديدة، أكان في اليمن أو السودان، أو حتى في سياقات غربية مثل الاحتجاجات الأميركية. في سوريا انتظم العمل التوثيقي منذ البداية على شكل مجموعات، هي التنسيقيات، التي كانت تقدم تقسيماً للعمل على الصعيد الجغرافي يصل أحياناً إلى مستوى الأحياء، وعملت على التصوير والتوثيق والنشر على وسائل التواصل الاجتماعي. من الفوارق الإيجابية أيضاً ان الكم الهائل من المعلومات يعني كماً هائلاً من الأدلة البصرية، وهذا موضوع شديد الأهمية، لأن الحكومة السورية حالياً، ومعها الحكومة الروسية، هم حالياً في موقع قوة، ويسيطرون على أغلب المناطق، ويقومون بتدمير كل الأدلة التي توثق انتهاكاتهم ضد المدنيين. آخر موضوع حصل في هذا الصدد كان تفجير مشفى الكهف في كفر زيتا، وقد نشروا فيديو عن ذلك. الآن لا يوجد مشفى اسمه الكهف. ماذا يعني ذلك لنا نحن السوريين؟ لقد كان هناك مشفى، وقام بعمل كبير، وتعرض عدة مرات للقصف، والآن لم يعد لدينا وصول إلى هذا المكان وتم تفجيره لمسح وجوده. يبقى لدينا مقاطع الفيديو والصور وكل أنواع المستندات، بالإضافة للشهود الذين عايشوا مشفى الكهف وما جرى فيه. وهذا مثال من ضمن أمثلة كثيرة جداً يُعمَل على مسحها من الوجود. لقد عايش السوريون ما جرى، وشهدوا عليه وصوّروه، وقدّموا ذلك لمن يهمهم الأمر من أفراد ومنظمات.

من الإيجابيات أيضاً ان تتوفر دلائل ملموسة وواضحة، كهذا الكم من التوثيق، تُستخدم لدحض السردية البديلة التي تحاول تقديمها الحكومتان السورية والروسية أو أي جهة أخرى مرتكبة للانتهاكات. فهذه الجهات تعمل على نشر سردية مغلوطة لكل ما جرى لتبرئة نفسها وتذنيب ضحاياها، ولذلك فمن الحيوي توافر الأدلة ضد هذه السرديات المغلوطة. في الأرشيف السوري نحن معنيون جداً بأن نبني سردية موثَّقة بالدليل، وقابلة للإثبات الواضح.

أما التحديات، فأولها أن هذا الكم الهائل من المعلومات يحتاج لفريق كبير جداً لتصنيفها وتنظيمها وجمعها في مكان واحد وجعلها سهلة الوصول والاستخدام، أكان لنا كسوريين أو للمنظمات الدولية ولكل المهتمين بالقضية السورية. من الشائع أن نسمع كلاماً من قبيل أن عدد المنظمات الحقوقية السورية كبير جداً، وربما يُشاع لغط من قبيل «ماذا يفعلون أصلاً». في المقابل، ما أراه أن عدد المنظمات الحقوقية السورية وعدد العاملين فيها قليل جداً بالنظر إلى الحجم الهائل من الانتهاكات المرتكبة خلال عشر سنوات، والحجم الهائل للمواد التوثيقية الموجودة. نحتاج عدداً أكبر بكثير من الأفراد والمنظمات، ونحتاج قدراً أكبر من التعاون في سبيل تنظيم هذه المعلومات. فالهدف ليس فقط تكديس المعلومات وتركها، بل جعلها قابلة للاستخدام الآن.

التحدي الثاني هو طبيعة المواد. فهي فيديو وصور ومستندات. جل ما نعمل عليه هو مواد رقمية، قابلة للتلف بسهولة، وهي مخزنة على أجهزة كمبيوتر قابلة للتلف بسهولة أيضاً. للمواد الرقمية عمر معين، أكانت مخزنة على كمبيوتر أو سيرفر أو على كاميرا أو على موبايل. هناك كمية كبيرة من المواد تُفقَد بسرعة، وهذا يؤدي لفقدان أدلة، وقد يؤدي لمشاكل في مسار العمل على العدالة والمحاسبة.

تكررت في السنوات الأخيرة حالات قيام منصات كبرى، مثل يوتيوب أو فيسبوك، بحذف محتوى سوري منشور لديها، أكان بسبب تعديلات في سياساتها أو نتيجة حملات إبلاغ، ومن المعلوم أن للأرشيف السوري دوراً كبيراً في العمل على استعادة وثائق هامة فُقِدت بهذا الشكل. هل لك أن تحدثنا عن جهد الاستعادة هذا؟

هذا الموضوع بدأ منذ بداية الثورة، ولم تكن البداية مع موجات الحذف التي قامت بها الشركات المالكة لوسائل التواصل الاجتماعي باستخدام خاصيات الذكاء الاصطناعي، بل بدأت كنتيجة لحملات إبلاغ منظمة تستهدف ناشطين أو صحفيين أو وكالات أو صفحات إخبارية معينة. وهذا أدى لضياع جزء كبير من المحتوى الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

عام 2017 دخل على الخط موضوع آخر، وهو استخدام شركات وسائل التواصل الاجتماعي لخاصيات الذكاء الاصطناعي لتحديد المواد البصرية التي قد تعارض سياسات المحتوى الخاصة بهذه الشركات (مناهضة المحتوى العنيف، الإرهابي، المزيف، البروباغندا السياسية). وبذلك، تم حذف عدد من الصفحات والقنوات الإخبارية المهمة في السياق السوري، ومنها قناة شام الإخبارية، وقناة أوغاريت، وفلاش، وقناة مركز توثيق الانتهاكات في سوريا، وغيرها، وذلك بسبب «مخالفتها لسياسات إدارة المحتوى» إذ اعتُبر هذا المحتوى «عنيفاً» وغير مرتبط بالدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا ناتج عن عدم فهم للسياق السوري. أدى ذلك لفقدان مئات آلاف المواد البصرية. 

أمام ذلك، حاولنا في الأرشيف السوري التواصل بداية مع غوغل، ولم تنجح هذه التواصلات الأولى، ولاحقاً تمكّنّا، بالتعاون مع منظمات أخرى، من التواصل مع أشخاص نافذين في مواقع صنع القرار في يوتيوب، وعملنا على شرح ما يجري في سوريا، وأهمية هذه الوثائق البصرية في توثيق انتهاكات لحقوق الإنسان، وأن حضورها على وسائل التواصل الاجتماعي مهم لتسهيل وصول السوريين إليها، وامتلاكها للبنية التحتية التقنية اللازمة لنشر هذه الصور ومقاطع الفيديو. أمام ذلك، طولبنا بتقديم وثائق تدل على أن هذه القنوات وهذه الوثائق هي جهات حقوقية أو إعلامية عاملة فعلاً على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، ولأننا كنا نؤرشف المحتوى بشكل يومي ونصنّفه، تمكّنّا من تقديم معلومات وإثباتات حول أهمية القنوات المحذوفة التابعة لمؤسسات حقوقية، وتمكّنّا أيضاً من التواصل مع أفراد وناشطين يُديرون صفحات وينشرون عليها، وطلبنا منهم أن يُرسِلوا لنا رسائل المخالفات التي كانوا يتلقَّونها عند نشر المحتوى، لنتمكن من الاطلاع عليها والعمل من أجل تلافيها.

ولكن، للأسف، لم نتمكن حتى الآن من الوصول لحل مستدام مع وسائل التواصل الاجتماعي يسهّل استرجاع المواد. فحتى الآن يتم التواصل بخصوص مواد أو قنوات معينة تُحذَف، ونتواصل مع المعنيّين لاسترجاعها، مضطرين لشرح كل السياق في كل مرة. أيضاً، ما زالت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتفتيش المحتوى عاملة، وبات أثرها أكبر بعد جائحة كورونا، إذ انخفضت ساعات دوام الموظفين المسؤولين عن سياسات المحتوى، وبالتالي انخفضت فعالية العامل البشري المصحِّح للدور الأوتوماتيكي للذكاء الاصطناعي. ما زال هناك كمية كبيرة من المحتوى المحذوف، ولم نتمكن بعد من استرجاعه بسبب صعوبة وبطء التواصل مع المعنيين. أيضاً، نعاني من مشكلة التغيرات السريعة في سياسات المحتوى لدى هذه الشركات، وانعدام حساسيتها تجاه متطلبات التوثيق الحقوقي، فهي في النهاية شركات ربحية، وهذا الجانب هو ما يشكّل أولوية العمل لديهم. كما تتلقى هذه الشركات ضغوطات كبيرة من الحكومات، خصوصاً الحكومات الأوروبية، التي تحرص على مطالبة الشركات المالكة لوسائل التواصل بحذف المحتوى العنفي. 

إذاً، هذه الشركات تعمل على تطوير آليات الذكاء الاصطناعي للتصدي الأوتوماتيكي لاحتياجات سياساتها، ولتلافي الضغوطات عليها، وهذا التطوير يَتَتَبّع «المحتوى العنيف»، لكنه لا يميّز عنفاً مجّانياً أو تصويراً لحوادث عنف يعمل على توثيق هذه الحوادث، ولا يميز سياقات نشر (كالسياق السوري) عن سياقات أخرى. 

كيف برأيك يمكننا تلافي مشكلة المحتوى المحذوف وخطر فقدانه قبل الوصول لمرحلة مخاطبة شركات وسائل التواصل، والتي كما أشرت ليست مُجبَرة من حيث المبدأ على التعاون؟ ما هي الخطوات التي تنصح بها أفراداً ومجموعات سورية، راكمت خلال السنوات الماضية أرشيفاً بالغ الأهمية، لكنه يواجه خطر الفقدان، أكان بسبب وجوده فقط على سيرفرات شركات التواصل دون نُسَخ احتياطية، أو بسبب تلف الأجهزة التي تخزّنها؟

يحتاج هذا السؤال أولاً للتفكير في معنى كلمة «أرشيف». الأمثلة المذكورة، أي أفراد أو مجموعات لديها محتوى مخزّن، قد يكون على حساب فيسبوك أو دروبوكس أو غيرها، ومعرّض لفقدان الوصول بسبب الحذف أو لأي سبب آخر، هو في حالة ما دون الأرشيف. الأرشيف يقتضي محتوى يمكن للسوريين تصنيفه والبحث فيه والوصول إليه في أي وقت، الآن وفي المستقبل. وكيفية العمل على ذلك تختلف ما بين الأفراد من جهة، والمؤسسات من جهة أخرى، سيما وأن الأخيرة قد راكمت الآن سنوات من العمل والخبرة، وبات لديها بعض الموارد التي تساعدها على العمل على الموضوع.

بالنسبة للأفراد، قد لا يكون سهلاً توفير نُسَخ طويلة الأمد، ولذلك يجب الحرص على وجود عدة نسخ من المحتوى، وتخزينه في أماكن متعددة. ومع ذلك، فهو ليس حلاً طويل الأمد. أما بالنسبة للمؤسسات، فالعمل يجري الآن على سحب نُسَخ مما هو متوفر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتوفير نُسَخ رقمية متعددة في سيرفرات مختلفة وبسَعَة كبيرة، وأيضاً إنشاء نُسَخ على شرائط فيزيائية، تشكّل حلاً أكثر استدامة من النُّسَخ الرقمية البحتة. الأرشفة بالشرائط هو استراتيجية مستخدمة بشكل واسع على مستوى الشركات والمؤسسات.

لكن هذه الخطوات هي حلّ لمشكلة فقدان المحتوى، وهي تبقى على أهميتها مشكلة واحدة. نحتاج للعمل على مستوى أكبر من هذا، وتجاوز التفكير في فقدان المحتوى فقط نحو العمل على تسهيل الوصول إلى هذا المحتوى، والعمل على تصنيفه وترتيبه وجعله متاحاً للجهات العاملة على المواضيع الحقوقية وللباحثين والمهتمين. لا يكفي أن يحفظ الأفراد والمجموعات محتواهم ويَقُوه من الضياع فحسب، بل يجب العمل على بناء أرشيف مرتَّب ومصنَّف وممكن الوصول.

ولكن كيف يُدار هذا الموضوع؟ هل يجب أن يكون كل المحتوى الأرشيفي متاحاً لكل الناس برأيك وبرأي الأرشيف السوري؟ أم يجب أن يكون هناك تدرّجات وصول وشروط استخدام؟ في سؤالي هذا أفكر بحالة السجال الكبير حول صور قيصر، على سبيل المثال.

مثال صور قيصر، ومثال الفيديوهات الموجودة على يوتيوب أيضاً، مفيدة للتفكير في أهمية وجود مادة أرشيفية متاحة في سياق القضية السورية. كلاهما أدّيا لمعرفة أفضل لدى العالم حول ما يجري في سوريا، وشكّلا مادة إثباتية لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. هذا جانب إيجابي لوجودهما وإتاحتهما. ولكن، فيما عدا ذلك، ما هي القيمة المضافة لوجود هذه المواد متاحة لكل الناس؟ هذا سؤال جوهري، ويستحق أن نفكر به جميعاً. 

أعتقد بضرورة إتاحة الوصول لأرشيف محفوظ ومخزَّن ومنظَّم بأفضل طريقة ممكنة. لكن هذا الوصول يجب أن يكون محدداً، مع تدرّج في النفاذ والتخصصات، خصوصاً للمواد الحساسة، أو المفرطة العنف، أو التي تنتهك خصوصيات، أو تعرّض أشخاصاً للخطر. ما هي المواد التي يُراد الوصول إليها؟ ومن قِبَل من؟ ولأجل ماذا بالضبط؟ مثلاً، هناك عدد كبير من الصور والتسجيلات الموجودة بمتناول الكل على الإنترنت، تُعرّض أشخاصاً كثيرين موجودين الآن تحت سيطرة الحكومة السورية للخطر، إذ تكشف هويتهم وتكشف مشاركتهم في اعتصامات أو مظاهرات، أو تكشف قيامهم بأعمال تسجيل وتوثيق للانتهاكات، إلخ. يجب أن يكون عملنا مع الأرشيف منصبّاً على دعم مشاركته مع أشخاص محددين، لأهداف محددة، تكوّن قيمة مضافة للعمل في القضية السورية، مثل تمتين عمليات التوثيق، وبناء التقارير الحقوقية، وإطلاق حملات المناصرة.

لدينا أيضاً موضوع الذاكرة السورية وعلاقتها بالأرشيف. هذه الوثائق هي تأريخ ما حصل لهذا البلد ولأهله، ومن حق كل السوريين الوصول إليها، لأنها ذاكرتهم. لكن يجب أن يكون لهذا الوصول محددات يتفق عليها الجميع، أهمها أن لا تتسبب إتاحة مواد معينة للاستخدام بضرر من أي نوع بحق أناس آخرين، أكان ضرراً جسدياً أو نفسياً. 

على كل حال، أعلم أن هذا ليس جواباً حاسماً ولا كاملاً على نقاش بهذه الأهمية والتعقيد، ولكنها أفكار أولية.

في تعريف الأرشيف السوري لنفسه، نقرأ بين أهدافه «تقديم منهجية شفافة وقابلة للتكرار لجمع الوثائق البصرية من مناطق الصراع، حفظها، التحقق منها، وتحليلها». هلا حدثتنا عن هذه المنهجية، وعن قابليتها للتكرار؟ 

منهجيتنا لم تكن نتيجة عملنا لوحدنا، بل كان الوصول إليها نتيجة الجهد التوثيقي التراكمي الذي صنعه السوريون خلال السنوات الماضية. وبناءً على ذلك، بدأ عمل الأرشيف السوري في جمع المواد وحفظها والتحقق منها وتحليلها. وكما قلنا سابقاً، المثال السوري هو الأول من نوعه من حيث كمية المادة الرقمية التوثيقية المتوافرة، وبالطبع هناك أيضاً كمية كبيرة من المواد والأدلة، من تحليلات جنائية وشهود وغيرها، ولكن من الضروري أن نشير للأثر الكبير للميديا، للصورة والفيديو، في النموذج السوري، وهو أثر يُستخدَم في القضاء وفي بناء الملفات القضائية. لقد عمِلْنا في الأرشيف السوري، مثلاً، على استخدام هذه الأدلة في بناء قضية إثبات استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية وخان شيخون، وتقديم هذا الملف للمدّعي العام الألماني.

بطبيعة الحال، كان العمل دون منهجية مستحيلاً. لذلك عمِلْنا على تطوير منهجيتنا بالاستفادة من تعاونات مع مؤسسات أخرى، ومع خبراء ومختصين في هذا الشأن. وقد حاولنا أن تكون المنهجية شفافة قدر الإمكان، ونشرناها على موقعنا، كي يتمكن العاملون في سياقات أخرى من التعرف على كيفية عملنا في السياق السوري، وكيلا يُضطروا لأن يبدأوا من نقطة الصفر. ونفس طريقة العمل التي نعمل بها في الشأن السوري يتم العمل بها في أماكن أخرى من العالم، ونفس المشاكل والتحديات التي واجهتنا وتواجهنا في سوريا نجد الناشطين والمحامين في أماكن أخرى يواجهونها، مثل اليمن والسودان.