الهروب

هل انتبهتم إلى أن عدد من يميلون إلى الهروب، من معارفنا، يرتفع باطراد؟ لا يتعلق الهروب الذي أتحدثُ عنه بالانتقال أو الهجرة إلى مدن أو بلاد أخرى، بعد توضيب حقائب السفر وإيقاف خط الانترنت وإلغاء الاشتراك في غاز التدفئة، ومغادرة البيت إلى أنطاليا أو بودروم، أو أي مكان آخر على الشريط الساحلي يمكن العيش فيه بصورة تليق بالبشر (الواقع أن من يفعلون هذا يزداد عددهم أيضاً كل يوم).

ما أقصده هو الإحساس بالابتعاد وأنتَ في مكانك نفسه، في بيتك، في روتين حياتك اليومية المعتاد. هو هروب روحي بسبب الضيق ذرعاً بما يحدث في البلد.

لأعبّر عن فكرتي بوضوح أكثر: ألا تسمعون، في الفترة الأخيرة، من معارفكم، بكثرة، جملاً من نوع: «توقفتُ عن متابعة الأخبار» أو «لم نعد نشتري جرائد» أو «دعكَ من ذلك، فقد توقفتُ عن متابعة الأحداث»؟ فأنا أسمعها ممن حولي بكثرة. أخذَ يستقرُّ في أذهان الناس الشعور بأن شيئاً لا يمكن أن يتغير أو ينصلح.

النتيجة الطبيعية لهذا الشعور بالعجز، لدى كثيرين، هي التملص من سواد السياسة وكلحتها، واللجوء إلى شواطئ آمنة، من خلال الاهتمام بالثقافة والفنون والسياحة، والسعي إلى عيش حياة مرفهة قدر المستطاع. ها نحن نغلق قنوات التلفزيون الإخبارية التي نعرف أنها منحازة وخاضعة للرقابة، ونبحث، على شبكة الإنترنت، عن تذاكر سفر رخيصة الثمن. نخطط لرحلات إلى اليونان أو فرنسا أو إيطاليا. نتخذ هوايات، ونهتم بالرسم. تتمحور حياتنا حول العائلة والأقارب والطعام الجيد والرياضة والسينما.

يقول لسان حال المواطن التركي من الطبقة الوسطى: «ما دامت الشروط غير قابلة للتغيير، فلأبحث عن وسائل العيش بمتعة أكثر».

إنه هروب مفهوم إلى أبعد الحدود. فلا تغضبوا على أحد إذا أراد، في شروط كهذه، أن يدفن رأسه في الرمل، ويستمتع بحياته.

ألم نمرَّ بحالة مماثلة بعد الانقلاب العسكري في 12 أيلول 1980؟

إن دخول عبارة «نمط الحياة» إلى لغتنا المتداولة، في تلك الفترة، ليس من قبيل المصادفة، فالثمانينات هي فترة ظهور طبقة متوسطة لا–سياسية (apolitic). حين وقع انقلاب 1980، كانت نسبة 10% تقريباً من السكان (البالغ 44 مليوناً) منتظمين في نقابات، و20% أعضاء في منظمات سياسية بطريقة من الطرق (بلغ مجموع أعضاء النقابات والأحزاب السياسية والجمعيات، في 1980، 8 ملايين شخص). مع وقوع الانقلاب العسكري توقف كل شيء. تم إغلاق النقابات والأحزاب السياسية والصحف والجمعيات. حَلَّت محلها الزنازين والتحقيقات. في الوقت الذي انهمكت فيه الدولة في صيد أعداء الداخل، باتت ممارسة السياسة، لدى المواطن العادي، مخاطرةً كبيرة. واتجه الناس إلى كرة القدم وأخبار الماغازين والسياحة. افتُتِحَت مراكز التسوق وارتفعت الأبنية. ظهرت الروايات الغرامية وغناء الأرابيسك1. بحلول عقد التسعينات، أصبحت الجرائد اليومية تُصدِرُ ملاحق للسياحة والحياة، وبات كُتّاب العمود اليومي في الصحف يكتبون عن الكتب والنبيذ والحب.

لنأتِ الآن إلى تركيا 2017.

لم تعد تركيا، اليوم، هي نفسها تركيا الثمانينات. باتت أكثر اندماجاً في العالم، وأكثر رفاهيةً وأكثر ثقافة. لكنها تعيش، في الداخل، فترةً في غاية الإظلام. المواطن يدرك ما يدور حوله، لكنه لا يريد أن يرفع رأسه ويخاطر. يتخذ مواقفه وفقاً للأوضاع. يبحث لنفسه عن شاطئ آمن. يتسوق، يخصص وقتاً للفن والرياضة والطعام، ويطرد السياسة من حياته. لا يرغب في متابعة الأخبار، ولا البروباغندا المرافقة لها. يقرأ الظروف قراءةً جيدة، يرى ضبابية الجو، يعود إلى مسلسله التلفزيوني وبيته وأسرته. ينغلق على نفسه في قوقعته، على نية عدم الخروج منها ثانيةً قبل حلول بيئة من الحرية.

قولوا لي الآن، هل يمكن لهذا أن يثير غضبكم؟

  • 1. الأرابيسك: نمط من الغناء التركي، ازدهرَ في الثمانينات، يتمتع بشعبية واسعة، ولا يتمتع بالاحترام في الأوساط النقدية التي تنظر إليه كـ «فن هابط». من أبرز نجومه أورهان غنجباي وفردي طيفور وسيبل جان، وإبراهيم تتليسس في قسمٍ من أغنياته. تميل أغنيات الأرابيسك إلى استدرار عواطف الحزن والشفقة والدموع المبذولة (ميلودرامية). يعود تسميته بالأرابيسك إلى أن كثيراً من أغنيات هذا النوع قد انتحلَ ألحاناً عربية معروفة، أو نَسَجَ على منوالها.