الوثيقة السورية وعصر انفجار الصورة

 

دائماً ما كانت الوثائق تأخذ قيمتها من المعلومات التي تحملها، من سريتها والمحافظة عليها من الضياع أمام الزمن، وتنبع أهميتها من أنها «توثق» لفعلٍ وزمنٍ ما. في حالتنا السورية، كان الانفجار كبيراً جداً، طويلاً ومستمراً، نتج عنه آلاف الوثائق، من كل الأنواع، وما زال يَنتُجُ ويُحفظ طالما أنّ الجرح مفتوح، والأحداث تجري والجرائم تُرتكب. حَملَ تأريخُ الثورة السورية المعاصرة كل أنواع الوثائق، بدايةً بتسجيلات الفيديو المتعلقة بالمظاهرات السلمية وقمعها، ونهاية بآلاف الوثائق والصور المسربة من داخل المسالخ البشرية. لعلّ ما يميز الوثيقة السورية اليوم عن سابقاتها هو أنها عاصرت التطور التكنولوجي الهائل، وتغيرتْ وتطورتْ معه؛ بمعنى أن شكل الوثائق وتبادلها قبل عقد من الزمن ليس هو ذاته اليوم، والواقع الافتراضي في بداية العشرية الثانية من القرن الحالي، لم يكن كما هو حاله الآن. حتى العلاقة مع الكاميرا والصورة أصبحت مختلفة، وفي كل ذلك كانت الوثيقة السورية تكبر وتتنامى وتختلف تمظهراتها. انهمَّ الفنُّ السوري بها، وكانت أساساً لأفلام وآداب توثق الألم السوري وترويه. وبالطبع، كانت منطلقاً قانونياً للحقوقيين لمُساءَلة الجناة. ازدادت أعداد الوثائق حتى تكاد لا تحصى، لكن بقيت الوثائق الأشد وقعاً هي تلك المتعلقة بالاعتقال؛ خزان الرعب الأكبر لدى السوريين. 

الشهادة بما هي وثيقة

كونها لا تقتصر على المنتج المادي، كما هو الحال مع الأوراق والصور والتسجيلات البصرية والسمعية، يتوسّع مفهوم الوثيقة ليشمل الشهادة على حادثة ما، ولربما كانت هذه الشهادات، بتناقلها وتواترها من جيل إلى آخر، هي أولى الوثائق البشرية. كانت قبل ظهور الورق والتصوير، وستبقى بعد التطور التكنولوجي الرهيب الذي نعيشه اليوم. تنشط الشهادات في الوقت الذي تندر فيه مصادر الوثائق الأخرى، وهذا ما حدث تماماً مع مسألة توثيق تجارب الاعتقال في سورية، فكانت شهادات الأشخاص هي اللبنة الأولى في المعمار التوثيقي للمعتقل السوري. وبالطبع يمكن اعتبار رواية القوقعة لمصطفى خليفة من إحدى بواكير شهادات الاعتقال السوري وأدبياته. لم يدوّن خليفة تجربة اعتقاله الطويلة في سجن تدمر وحسب، بل صبّ في روايته شهاداتٍ مختلفةً ومتعددةً لأشخاصٍ عاشوا تجربة المعتقل، جعل من كولاج الشهادات هذا وثيقةً ورقية، عالجها وصاغها على هيئة رواية، وبعد ذلك لحقتها كثيرٌ من الأعمال الأدبية التي استقت مادتها من الشهادة الحية على الفاجعة، وقدّمت شهاداتها بأنماط أدبية وفنية مختلفة.

انفجرت الثورة، وبدأ الاعتقال يأخذ طابعاً جنونياً. زادت أعداد المعتقلين بالآلاف، وبالمقابل خرج المئات منهم ناجين، ونسبة قليلة من أولئك أُتيح لهم رواية تجاربهم مع الاعتقال، ونسبةٌ أقل من تمّ تدوين شهادتهم؛ حفظها وتوثيقها. تشير أحدث إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن هناك مليون ومائتي ألف مواطن سوري مرّوا بتجربة الاعتقال، وهناك مثلهم ممن عاشوا تجارب المراجعة الأمنية الروتينية للفروع. وترصد الشبكة قتل 14 ألف تحت التعذيب، وهذه الأرقام تبقى تقديريةً ولا أحد فعلياً يعرف الرقم الحقيقي. في البحث عن أسماء المعتقلين، قد تصادف جداول منظمة تتضح بأعداد تقريبية للمعتقلين، بالإضافة إلى توثيق الأسماء وزمان ومكان الاعتقال، ولكن لا توجد إحصائيات واضحة كهذه لشهادات الناجين من الاعتقال، كما لا يوجد أرقام واضحة ومحددة لعدد الشهادات وأسماء الشهود. وبالرغم من وجود مراكز بحثية وجمعيات وروابط تعمل بجد لتوثيق الشهادات، كما هي الحال مع الرابطة السورية للمواطنة، ورابطة عائلات قيصر، ورابطة معتقلي ومفقودي صيدنايا، والجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي وغيرهم، لكن إلى الآن لا يوجد خزان بيانات واحد يجمع هذه الشهادات ويؤرشفها وينظمها لتصير وثائق قانونية. 

هناك الآلاف من المعتقلين الناجين الذين لم تؤخذ شهاداتهم إلى اليوم، بعضهم لم يجد من يسمعه سوى ذويه، وبعضهم الآخر لم يُهيّأ له الإطار الحقوقي والقانوني، بينما يقبع الكثيرون في الظل مخافة التنكيل بعائلاتهم وأصدقائهم القاطنين في مناطق النظام. بعض الشهادات استُخدمتْ لمصالح فنية، وأخرى روت وحكت ثم ضاعت في متاهات الإعلام وأجهزته وأجنداته المتناقضة. إذن، ما زالت هناك شهادات لم تروَ، ووثائق لم تُوضع وتؤرشف، وعلينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نُعنى كسوريين بتفعيل عملية توثيق الشهادات، وهي عملية تستمر لسنوات طوال بالطبع، لكن يجب ألا تتوقف، لا بل عليها أن تكون أكثر فاعلية مما هي عليه اليوم؛ أكثر ترتيباً وتنظيماً ومأسسةً.

وثائق...صور، ووثائق

تحتل الصورة مكاناً متقدماً من بين أنواع الوثائق؛ إذ تعمل الصورة الفوتوغرافية على توقيف الزمن للحظة، تثبيته، وتوثيقه بالضرورة. هي انعكاس للحقيقة الموضوعية: ذلك ما قد حدَث، وصُورته هي دليل حدوثه. سابقاً، لم يعرف السوريون وثائق عن المعتقلات سوى شهادة من عاشوها، ولم تكن لديهم صور لهذه المعتقلات إلا تلك الصور العامة للمباني من الخارج، أو صور نادرة  التقطت خلف الأسوار العالية.  لكن في العام 2014 اختلف الموضوع تماماً، فجأة أخرج واحدٌ من المصورين العسكريين العاملين في المؤسسة العسكرية من جعبته عشرات الآلاف من الصور إلى العلن، المصور المنشق الذي سُمّي «قيصر» سينتقل بصوره هذه إلى مستوى آخر من توثيق المعتقل السوري. لم يعد الدليل هنا الشهادة الشفوية فقط، أو المكتوبة، بل الصورة؛ العنصر الأكثر فاعلية ومصداقية بالضرورة. لا تواتر هنا ولا نقل، الصورة تقول كل شيء. إلا أن صور قيصر كانت أكثر قسوةً من تصوير بنية المعتقلات من الداخل وظروف الاعتقال والتعذيب، فهي كانت صوراً لمعتقلين قضوا تحت التعذيب وجُمعتْ جثثهم ورُقّمتْ في طريقها للمقابر الجماعية. عددٌ هائلٌ من الوجوه النائمة والأجساد الهزيلة، الظاهر عليها وحشية التعذيب وسوء التغذية. مَعرض صور ليس فنياً البتة، بل هو يكثّف وجع السوريين ومصيرهم في تلك الأقبية. 

إحدى ميزات الصورة، تحديداً اليوم، هي سهولة انتقالها وانتشارها، إذ ليست بحاجة إلى تدوينٍ أو تسجيلٍ كما هي الحال مع الشهادة، وهذا ما يجعل الصورة أكثر رشاقة في الانتقال والوصول. لذلك رأينا صور قيصر التي كانت بمثابة وثائق قانونية من أجل المحاكمة تتحول إلى مادة إعلامية، تتناقلها وسائل الإعلام العربية والعالمية، ويتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي. كان لذلك أثرٌ إيجابيٌّ على مستوى إعلام العالَم بسردية المعتقل السوري، وتقديم الدليل بالصورة القاسية، ورميها في وجه الكوكب للمطالبة بالعدالة. لكن ما نتج عن تقديم هذه الوثيقة تجاوزَ موضوعها، وكاد أن يخفي الاهتمام بحقيقتها وما تصوره وتوثقه، وهنا الحديث عن قانون قيصر الذي صدر بناءً على الصور/الوثائق، ودخل قيد التنفيذ نهاية حزيران الماضي. ولو أن الحديث يطول جداً في قضية القانون وتطبيقاته، لكن تجدر الإشارة إلى أنّ الصور المُفصَح عنها منذ أكثر من خمسة أعوام عادت إلى الواجهة هذه المرة من بوابة القانون الاقتصادي، والجدل الطويل الذي صحبه ضمن ثنائية داخل/خارج، والسجال الذي غطى على موضوع الصور الأساسي، ألا وهو الاعتقال وفظائعه. تم التركيز على القرار وعواقبه، الانهيار الاقتصادي، جدواه أو عدمه، وتم إغفال العلة الرئيسية وإرجاؤها، كما تم نسيان أن هذه الصور توثّق حتى العام 2013 فقط. جرى نشر كلّ الصور على نطاقٍ واسعٍ جداً، وفوضويٍّ جداً. في خضمّ كل تلك الفوضى، نُزعت عن صور قيصر قدسيتها كوثيقة.

صور قيصر وقدسية الوثيقة

هناك حساسية خاصة للتعامل مع ملف المعتقلين، وثمة أدبيات على العاملين فيه احترامها والالتزام بها. ذلك ما عملتُ بموجبه مع مجموعة مسرحية على عرض أدائي (Installation Performance) بعنوان كل الأسماء، قدمناه كعرضٍ  قيد التطوير في بيروت منذ سنتين، وعلى أساس تقديمه لاحقاً في برلين. تناولنا في العرض مسألة مراجعة الفرع الأمني، ولم يكن عملنا منطلِقاً من الزنازين وما يجري في الأقبية، بل في محاولة بناء نظام إداري يقارب أنظمة إدارة الأفرع الأمنية. المتلقي القادم ليتابع عرضاً مسرحياً لن يجد نفسه في مسرح، بل سيبدو تائهاً في أقبية وسراديب، وسيجد نفسه مسؤولاً عن ملف أحد المعتقلين في فرعٍ أمني؛ ينتقل من فضاءٍ إلى آخر، يُساءَل ويُحقَق معه من قبل مؤدّين، ويستلم أخيراً تحويلاً إلى السجل المدني، حيث تُستلم شهادة وفاة المعتقل الافتراضي الذي تابع ملفه في العرض. 

استدعى العمل على ذلك عمليات بحثية مفصّلة قام بها الدرامتورج في قضية المعتقلين وبياناتهم؛ والسينوغراف في بنية الأفرع الأمنية وهيكلها، بحثٌ ظهر من خلاله انعدام تنظيم بيانات المعتقلين والمفقودين وتشرذمها. قد يُبرَّر ذلك بكون الاعتقال مستمراً إلى اليوم، لكنه أيضاً يُشير إلى خللٍ مؤسساتيٍّ واضح في العمل المستقل الخاص بالمعتقلين. من جهةٍ أخرى، كان علينا عدم تحويل المعتقلين إلى مادة فنية، والتعامل بوجَل مع الوثائق التي حصّلناها من البحث، والحديث الدائم بين فريق العمل عن خصوصية صور المعتقلين وبياناتهم، بالإضافة إلى التكتّم الإعلامي على العمل للحفاظ على سلامة العاملين من ممثلين وفنانين بصريين ومصورين يقيمون في سورية. كل هذا الحذر في التعامل مع ملفٍّ حساسٍ بهذا الشكل، شعرنا أنه ذهب هباءً حينما فوجئنا بصور المعتقلين منفلتة على هذه الشاكلة الفوضوية في وسائل التواصل الاجتماعي. أزالت الجموع المُتداوِلة للصور كلّ قدسيةٍ عن الوثيقة، وأصبحت وجوه المعتقلين المؤلمة تظهر على شريط الأخبار العام. ازداد اللغط، وكثر استسهال التعامل مع الصور، حتى وصلت الفوضى إلى حدّ نسب صورٍ لأشخاص آخرين، كما حدث في قضية السيناريست السوري عدنان زراعي المعتقل منذ 2012.

في لقائه مع الغارديان قبل خمسة أعوام، يؤكد الشاهد المُسمّى «قيصر» على ضرورة التنسيق العالي لحفظ وتسريب ونقل هذه الصور/الوثائق في غمرة الحرب المنفجرة في سورية. طبيعة عمله كمصور عسكري، وتوظيفه في التقاط صور جثث المعتقلين وأرشفتها كانت اللبنة الأساسية في بناء الوثيقة، تلا ذلك -حسب كلام قيصر- العديد من عمليات النقل والأرشفة والتّحقّق إلى أن وصلت إلى الرأي العام العالمي. وحتى قضية إخفاء هوية الشاهد (قيصر) هي من الأمور التي زادت من حِرَفية العمل على الوثيقة في سبيل إيصالها للقضاء. لكنّ آلية العمل الاحترافي هذه تشتّتت بعد انفجار الصور/الوثائق على الإطار العام، وهذا يُدلّل من جهته على نقصٍ حادٍّ في العمل المؤسساتي المستقل. إن جمع بيانات المعتقلين والمفقودين قسراً (في معتقلات النظام أو غيره من المُتحاربين) ومطابقتها ومعرفة هوية أصحاب آلاف الصور هو عملٌ مؤسساتيٌّ بامتياز، لا يمكن أن يقوم به أفراد أو مجموعات أهلية. هو عملٌ يحتاج إلى تنظيم عالٍ وجدية في التعامل مع وثيقةٍ لها من الأهمية والقدسية الكثير، بدلاً من فوضى وألم بحث الأهالي عن أبنائهم بين آلاف الوجوه المعذَبة، كما أشارت مريم الحلاق، مديرة رابطة عائلات قيصر، في حوارها مع الجمهورية

في رواية اسم الوردة لـ أمبرتو إيكو، تظهر الوثيقة كعلّةٍ أساسية لكلّ الصراع البابوي الذي تنسجه الرواية. تفقد العديد من الشخصيات أرواحها، ويتكشّف خراب المنظومة الأخلاقية في الدير المُصدّر للعفّة والفضيلة، وتدور صراعات بابويّة طاحنة. وأخيراً، نكتشف أن كل ذلك يجري من أجل وثيقة (كتاب). للوثيقة قدسيةٌ ما، هي الدليل الوحيد على الجريمة وفاعلها، دليلٌ على الحقيقة. ومن هنا تأتي فرادتها وأهميتها، لذلك إذا ما أراد المرء تحقيق العدالة، فعليه أن يحفظ الوثائق ويحسن إدارتها، يداريها ويحفظها من الزمن، خاصةً في هذا الزمن الذي انتقلت فيه الوثيقة إلى مستوىً آخر؛ خلعت رداءها المادي، أياً كان، وأصبحت أكثر افتراضية؛ حتى صارت نقاشاتنا ومحادثاتنا، تفاعلنا وعدمه، وثائق وصوراً منفجرة في الفضاء الافتراضي، تسجّلها آلة التكنولوجيا العالمية التي نحملها بأيدينا.