الوجود الإيراني في سوريا: مساومات في الكواليس الدولية

 

نشر موقع أكسيوس الأمريكي والقناة العاشرة الإسرائيلية أول أمس الثلاثاء تسريبات من جلسة مغلقة للجنة الشؤون الخارجية والأمنية في الكنيست، قال فيها نتنياهو إن روسيا قدمت عرضاً للولايات المتحدة وإسرائيل، يتضمن انسحاب القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها من سوريا، مقابل تخفيف العقوبات الأمريكية على طهران. ووفقاً للمصدر الذي نقل عنه الموقع، فإن نتنياهو قال إيضاً إنه «لا يمكن لروسيا وحدها إخراج إيران من سوريا، لكنها تحتاج لمساعدة من القوى الدولية الأخرى».

بالمقابل، نفى نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريباكوف تلك التسريبات خلال حديث له مع الصحفيين أمس الأربعاء، قائلاً إنه «لم تُقدَّم اقتراحات في هذا الشأن إلى الولايات المتحدة أو إلى إسرائيل»، ذلك على الرغم من أنه أشار خلال حديثه إلى أن هذه الفكرة شبيهةٌ بأمور تم طرحها خلال حوار موسكو مع واشنطن وإسرائيل حول هذا الموضوع.

ويبدو أن التركيز الأمريكي على الوجود الإيراني في سوريا، باعتباره المسألة المركزية التي تُوجِّه سياسات واشنطن في المنطقة والملف السوري تحديداً، سيدفع موسكو عاجلاً أو آجلاً للتعامل مع هذه المسألة. هذا إذا لم نَقُل إن النفي الروسي الموارب للتسريبات يعني أنها فعلاً قيد النقاش بين الأطراف المعنية، خاصةً أن التصريحات الأمريكية عادت لتؤكد على أنها تركز على الوجود الإيراني دوناً عن الروسي، الذي تتفهم موقعه في سوريا. وتأتي التصريحات الأخيرة للمبعوث الأمريكي إلى سوريا جيمس جيفري في هذا السياق، إذ قال في إيجاز صحفي عبر الهاتف أول أمس الثلاثاء، حصلت الجمهورية على نسخة منه، إن مطالب بلاده بانسحاب القوات الأجنبية من سوريا لا تشمل الوجود الروسي المتمثل بنقطة الإمداد المادي التقني في طرطوس والقاعدة الجوية في حميميم، اللتين كانتا موجودتين قبل عام 2011 حسب كلام جيفري.

تأتي هذه التصريحات مجتمعة بعد أيام من إعلان رئيس الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري، عن نية بلاده إرسال قوات «حفظ سلام» إلى إدلب وغرب حلب بطلب من حكومة النظام السوري، كتأكيد جديد من طهران على أنها مستمرة بإبقاء قواتها في سوريا. ويبدو أن طهران لن تستعجل في إعلان موقفها من العرض الروسي المُفترض، الذي يظل حتى اللحظة محصوراً بنقاشات لم تخرج رسمياً للعلن، وكعادتها ستحاول اللعب على مثل هذه التفاهمات، بهدف الحصول على مكاسب أوسع.

لكن بتفكيك هذه الأوضاع، يمكن بوضوح رؤية معلمين رئيسيين يحيطان بمثل هذه المحادثات، هما أهمية «الأمن الإسرائيلي» في سياسات واشنطن تجاه الوجود الإيراني في سوريا، وفي الوقت نفسه عدم ممانعة وجود نفوذ سياسي لإيران في دمشق. فالولايات المتحدة وإسرائيل سبق أن تعايشتا مع هذا النفوذ لسنوات، خاصة بعد وصول بشار الأسد للحكم مطلع القرن الحالي. كما أن أحاديث الدبلوماسيين الغربيين في لقاءاتهم مع أطراف سورية، تؤكد على أن سوريا كانت دوماً في تحالف مع طهران، وأن التغيّر الرئيسي بعد 2011 هو الوجود العسكري الإيراني المباشر في البلاد، الذي سيكون لوحده محل النظر الرئيسي لسياسات الدول الغربية في المنطقة.

وهكذا فإنه إذا ما حقق أيُّ اتفاق استقراراً يُرضي إسرائيل، سيكون الوصول إلى تفاهم أوسع بين واشنطن وطهران أسهل بكثير، ويبدو أن نتنياهو -الذي يعاني من مشاكل قد تطيح بحكومته- سيحاول الوصول إلى انجاز على هذا المسار حتى وإن كان شكلياً أو مؤقتاً، ليمنح الحياة مجدداً لحكومته التي بقيَ من عمرها عامٌ واحدٌ قبل الانتخابات.

من المستبعد أن تكون موسكو قد قدمت عرضاً مماثلاً لواشنطن وتل أبيب دون التشاور مع حليفتها طهران، ويبدو أن الأخيرة ستحاول استغلال كل الظروف والأدوات الممكنة للتحرر من وقع العقوبات الثقيل على اقتصادها المحلي، الذي أدى إلى سلسلة انهيارات في سعر العملة المحلية، وارتفاع في معدل البطالة، وتعثّر في تقديم الخدمات العامة بشكل واسع. وهكذا فإن العرض الروسي المُفترض لا يبدو انقلاباً على حلفها المتماسك مع إيران، بل يبدو محاولة من روسيا لإنقاذ حليفتها، والوصول إلى نقطة توازن جديدة في المنطقة تراعي بشكل رئيسي مخاوف تل أبيب، وتحاول استيعاب اندفاع السياسة الأمريكية.