اليمن: استئناف معارك الحديدة يدفع البلاد إلى المجاعة

 

يهدد استمرار العمليات العسكرية في محيط مدينة الحديدة اليمنية بتفاقم الكارثة الإنسانية في البلاد، التي تقف على حافة المجاعة بعد ما يقارب أربعة أعوام من المعارك والاستعصاء السياسي، إذ تواصل قوات التحالف الذي تقوده السعودية ضرباتها في مدينة الحديدة ومحيطها، بعد إعلانها استئناف المعارك منذ نحو أسبوعين إثر فشل الجهود الدولية لتمرير مبادرة سياسية حول المدينة.

وتعدّ مدينة الحديدة ثاني أكبر المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، الذين يسيطرون على أجزاء واسعة من البلاد من بينها العاصمة صنعاء منذ الانقلاب الذي قادوه بالشراكة مع حلفيهم السابق علي عبد الله صالح عام 2014، إلا أن التحالف الذي تقوده السعودية، والذي أطلق عملية عاصفة الحزم في آذار 2015، ساعد القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً برئاسة عبد ربو منصور هادي وحلفاء لها في الحفاظ على سيطرتها على أجزاء واسعة من اليمن، واستعادة بعض المناطق من قبضة الحوثيين وحلفائهم، كما ساعد حكومة هادي على إقامة مقرات مؤقتة في مدينة عدن جنوبي اليمن.

كانت الأمم المتحدة قد حاولت جمع أطراف الصراع في جنيف لبحث الوضع في الحديدة والوصول إلى حل سياسي يجنب المدينة العمليات العسكرية، لكن الاجتماع الذي كان يُفترض أن يحدث يوم السادس من أيلول الجاري لم ينعقد بسبب عدم حضور الوفد الممثل للحوثيين. وتبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عن هذا الفشل، إذ قالت حكومة هادي إن الحوثيين لا يريدون الحضور بغية إفشال المحادثات، فيما اتهم زعيم الحوثيين، عبد الملك الحوثي، التحالف الذي تقوده السعودية، ويسيطر على المجال الجوي اليمني، بـ «منع وفده من السفر إلى جنيف للمشاركة في محادثات السلام».

وكانت قوات إماراتية منضوية ضمن التحالف الذي تقوده السعودية قد مهدت الطريق أمام تحالف من القوات المحلية الموالية لحكومة هادي منذ شهر حزيران/يونيو الماضي للتقدم نحو الحديدة عبر الساحل الغربي، والسيطرة على أجزاء من محيط المدينة، وعلى أغلب أجزاء مطارها. وقد أعلنت القوات المتقدمة سيطرتها أيضاً على أجزاء من الطريق الرئيسي الذي يصل مدينة الحديدة بالعاصمة صنعاء ومدن الأخرى، وهو ما يجعل القوات الحوثية فيها شبه محاصرة. وقد اعترف الحوثيون بمقتل قيادي كبير في المدينة نتيجة قصف طائرات التحالف، وبوقوع خسائر كبيرة في صفوفهم، إلا أنهم يؤكدون قدرتهم على الصمود في المدينة ويعلنون بشكل متكرر إصرارهم على مواصلة القتال، وإلحاقهم خسائر كبيرة بالقوات المتقدمة.

تشكّلُ المعركة على مدينة الحديدة واحدة من أهم المعارك بالنسبة للتحالف، باعتبارها بوابة التقدم نحو صنعاء من الجهة الغربية ومركزاً رئيسياً لإمداد الحوثيين بالسلاح، ولأن السيطرة عليها ستكون خطوة حاسمة نحو استكمال التقدم على الساحل الغربي بغية عزل الحوثيين وحلفائهم في الداخل بعيداً عن شاطئ البحر، كما أنها كانت نقطة انطلاق رئيسية لهجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر، والتي هددت عمليات الملاحة البحرية في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.

وقال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن إن أكثر من 75 ألف عائلة نزحت من المدينة منذ بدء المعارك فيها، ويعدّ ميناء الحديدة الواقع على البحر الأحمر المنفذ الرئيسي لدخول المساعدات إلى ملايين اليمنيين، الأمر الذي يعني أن إغلاقه سيساهم في تفاقم الكارثة الإنسانية في اليمن. وتُهدّد المجاعة ملايين اليمنيين نتيجة العمليات العسكرية التي تنتشر على مساحات واسعة من البلاد، إذ قال مدير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية اليمن أن استئناف معارك الحديدة يزيد عدد الأطفال المهددين في المجاعة باليمن إلى خمسة ملايين طفل.

يساهم الحوثيون بزيادة الأوضاع الإنسانية سوءاً نتيجة مهاجمة شحنات الأغذية والمساعدات وفرض ضرائب على الواردات من البضائع، إلا أن التحالف الذي تقوده السعودية يقوم بحصار مناطق سيطرة الحوثيين من الجو والبر متسبباً بمعاناة إنسانية هائلة لمئات آلاف المدنيين، كما أنه سبق أن ارتكب عدداً كبيراً من الانتهاكات والمجازر بحق المدنيين خلال عمليات القصف التي يشنها على مناطق سيطرة الحوثيين. وكانت عدة دول أوروبية قد أعلنت أنها ستوقف تصدير السلاح للسعودية نتيجة الانتهاكات المرتكبة في اليمن، والتي كان من أكبرها مؤخراً استهداف باص يقلّ أطفالاً ما أدى إلى وقوع مذبحة مروعة، لكنها عادت وتراجعت عن هذا الحظر نتيجة ضغوط اقتصادية واسعة مارستها المملكة، أبرزها التهديد بوقف جميع استثمارات هذه الدول في السعودية.

تبدو معارك اليمن الطويلة وكأنها بلا نهاية، وذلك نتيجة عدة أسباب أبرزها الطبيعة المعقدة للتحالفات التي تجمع أطرافاً بأجندات متعددة ومتناقضة أحياناً، ما يؤدي إلى صراعات بينية في داخل التحالفين الرئيسيين الكبيرين في البلاد التي تشهد منذ عدة أعوام صراعاً على السلطة، بعد أن أطاح الحراك الثوري في اليمن بالرئيس السابق علي عبد الله صالح، ليتحالف هذا الأخير مع الحوثيين، أعداء الماضي المدعومين من إيران، لبسط سيطرته من جديد على البلاد، إلا أن انقلاب موقف صالح لاحقاً أدى إلى مقتله على يد الحوثيين، ويقاتل اليوم ضباط مقربون منه إلى جانب التحالف الهشّ الذي تقوده السعودية، منهم ابن شقيقه محمد عبد الله صالح.