انتخابات لبنان: عرسٌ واحدٌ بانتظار جنازات كثيرة

 

في منتصف اليوم الانتخابي اللبناني، تناقلت وسائل الإعلام صورة نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، بلباسه الأبيض الهادئ، يتابع العملية الانتخابية أمام مجموعة من الشاشات. لا يظهر وجه الشيخ قاسم كاملاً في تلك الصورة الجانبية التي لا نعرف مكانها، ممّا يضفي عليه مسحةً من الغموض تُضاف إلى سرّ اقتحام تلك الصورة الجامدة حيويّة المراسلين والمراسلات على الشاشات، وقدرتها على منافسة الفيديوهات التي اجتاحت صفحات التواصل الاجتماعي. يترافق هذا الغموض مع شعور بالحيرة من جدوى توزيع تلك الصورة وتهافُت الإعلام عليها، خصوصاً وأنّ الشيخ قاسم ليس من الشخصيات السياسية الكارزميّة التي يستهوي المواطنون عادةً التلصُّص عليها.

لكنّ هذه الحيرة لا تلبث أن تتبدّد حين نتذكّر أنّ الشيخ قاسم هو المنسّق العام للانتخابات في حزب الله، وأنّ هذا الحزب الذي شكّل السجالُ بشأن سلاحه المحورَ السياسي الأساسي للانتخابات الماضية العام 2009، تمكّن في هذه الانتخابات من سحب هذا الموضوع من التداول الانتخابي، متحوّلاً من مادّة سجال إلى جهاز ناظم للحياة السياسية اللبنانية، بشكل مرئيّ حيناً وغير مرئيّ أحياناً. وقد جاءت صورة الشيخ نعيم قاسم لتردم هذه الهوّة بين ما هو مرئي وما هو غير مرئي، وتُعلِّمَنا أنّ «الحزب الأكبر» يراقبنا فيما نحن ننتخب، وهو راضٍ عن سلوكنا الديموقراطي.

لعبة بصريّة

لكنّ الشيخ نعيم لا يلبث أن يخرج من الصورة في لعبة بصريّة توهمنا بأنّه ليس في الحقيقة إلا واحداً من المتنافسين، وأحد شركائنا في اللعبة الانتخابية. فبعد قرابة أربع ساعات على توزيع تلك الصورة، وصلَ موكبٌ مهيبٌ إلى قلم الاقتراع في محلّة زقاق البلاط في دائرة بيروت الثانية، ليترجّل منه الشيخ قاسم نفسه وقد جاء يُدلي بصوته.

وقف الشيخ أمام صندوق الاقتراع، أدخل يده إلى جيب داخليّ تحت عباءته وأخرج بطاقة هويّته اللبنانية. رئيسة القلم، بدورها، شاركت في اللعبة. فتلت اسمه واسم والدته، وكذلك فعلت مساعدتها التي تأكّدت من اسم المقترع على لوائح الشطب، قبل أن يتسلّم الشيخ اللوائح الرسمية للمرشّحين حتّى يؤكّس للبنان وليس على لبنان، كما جاء في الإعلان الأبوكاليبسي لوزارة الداخلية. ولولا مسارعة أحد مرافقي الشيخ إلى إغلاق الستارة القريبة من العازل لدواعٍ أمنية، لاعتقدنا فعلاً أنّنا أمام أيّ مواطن أو مسؤول يمارس حقّه الديموقراطي.

في تصريحه أمام قلم الاقتراع، تبرّع الشيخ نعيم بالقول إنّه يتابع مجريات العملية الانتخابية من خلال غرفة مركزية يرى فيها جميع الأقلام والدوائر. كأنّ هذه المعلومة التي جاءت من خارج سياق التصريح ليست إلا تأكيداً من الشيخ نعيم على محو انطباع الخدعة البصرية، والتأكيد أنّ الواقف أمامنا الآن هو نفسه الذي كان في الصورة ظهراً، وأنّ حزب الله هو في كلّ مكان، والدليل هو أنّه يقترع الآن في الدائرة التي تُعَدُّ المعقل الرئيس لزعيم تيّار المستقبل سعد الحريري.

وبالفعل، فإنّ هذا ما أثبتته نتائج الانتخابات التي اعتمدت القانون النسبيّ للمرّة الأولى في لبنان. وكان حزب الله قد ترك للقوى السياسية حرية الاختلاف بشأن قانون الانتخاب، شرط اعتماد النسبيّة في أيّ قانون يتمّ الاتفاق عليه، وهو العارف أنّ تحالفه مع حركة الأمل لن يتيح للنسبية أيّ خروق داخل طائفته، لكنّها ستتيح له ولحلفائه خرق اللوائح الأخرى. وهذا ما حصل فعلاً حتّى بات لدى الحزب عددٌ من الشخصيات السنّية الحليفة التي يمكنه التمسّك بتوزيرها أو حتّى طرح اسم أحدها لرئاسة الحكومة في أيّ لحظة مناسبة. ولم تخلُ أيّ دائرة انتخابية من نوّاب حلفاء لحزب الله، لا بل إذا استثنينا قضاءَيْ بشرّي (نائبان للقوّات اللبنانية) والمنية (نائب واحد لتيار المستقبل)، فإنّ ما من قضاء لبناني واحد يخلو من نوّاب حلفاء للحزب. وفي دائرة بيروت الثانية نفسها التي اقترع فيها الشيخ نعيم، ستنتزع لائحة حزب الله وحلفائه، أربعة مقاعد بينها مقعد سنّي ذهب لجمعية المشاريع (الأحباش)، التي اشتهرت في نيسان 2001 بتنظيمها تظاهرة رفعت الفؤوس والسواطير احتجاجاً على بيان المطارنة الموارنة الذي طالب آنذاك بانسحاب الجيش السوري من لبنان.

إدارة لا وصاية

لكنّ حزب الله الذي حقّق مراده من هذه الانتخابات، إن على صعيد القانون أو السقف السياسي للتنافس أو النتائج، فإنّه فعل ذلك بحنكة كبيرة جعلته يحصد حصّة الأسد، أو حصّته وحصّة «الأسد»، من دون كسر أيٍّ من القوى الرئيسة. لا بل يمكن القول إنّ أياً من تلك القوى لم يتعرّض لأذى فعليّ، وهم يكادون يصدّقون أنّهم منتصرون حقاً وأخذوا بالفعل يحضّرون احتفالات صاخبة لنهاية الأسبوع. فقد فاز التيار الوطني الحر بتكتّل كبير لكن من دون انتصارات كاسحة تسمح له باحتكار أيّ تمثيل، وضاعفت القوّات عدد مقاعدها لكن من دون أن تصل إلى مستوى يشكّل خطراً على أحد، وخرج وليد جنبلاط معافىً رغم القانون النسبيّ، وخسر «الكتائب» مقعدين لكنّه بقي محافظاً على التفوّق المتنيّ لآل الجميّل، وتمدّدت كتلة نجيب ميقاتي لكنّه بقي محصوراً في طرابلس، وخسر سعد الحريري قدراً من المقاعد لكنّه بقي صاحب الزعامة السنّية الوحيدة على امتداد لبنان، ولم يخسر أي مقعد للمزايدين عليه في أربطعش آذاريّتهم. حتّى المجتمع المدني، حصل على جائزة ترضية عبر فوز إحدى مرشّحاته. لقد وعدتنا وزارة الداخلية بعرس ديموقراطي، ووفت بوعدها. جاء الجميع، أكلوا وشربوا واحتفلوا، إلا أنّهم فعلوا كلّ ذلك وهم يعرفون أنّ هناك في النهاية عريساً واحداً وعروساً واحدة.

في أحد خطاباته التي أعقبت انسحاب الجيش السوري من لبنان، أبدى الأمين العام لحزب الله، السيّد حسن نصر الله، تفضيله استخدام عبارة «الإدارة السوريّة» بدلاً من «الوصاية» على لبنان. لكنّ هذا التمييز الذي بدا شكلياً آنذاك، يبدو اليوم أشبه بتمهيد لفظيّ لوراثة محليّة لذاك الدور. وإذا كان حزب الله قد كافح للبقاء بعد رحيل القوّات السورية عن لبنان، فإنّه قام بحصر الإرث بعد سقوط حلب. وافق سعد الحريري آنذاك على شروط عودته إلى الحكم، فدخل النظام اللبناني في لحظة استثنائية تعاني فيها إحدى طوائفه الكبرى من التهميش، وتشارك رغم ذلك في الحكم، لا بل يتربّع زعيمها الأكثر شعبيةً على الكرسيّ الأرفع المخصّص لطائفته. فيضمن بذلك حصّته من غنائم الدولة، أسوةً بزعماء الطوائف الأخرى، شرط تنازله عن خطابه السياسي. إنّ هذا بالضبط ما لم تتمكّن الوصاية السورية من فعله.

هل من أحد في هذه الغرفة؟

لقد تعلّم حزب الله من «الإدارة» التي سبقته أنّ ازدهار النقاشات السياسية وتصاعد وتيرتها مرحّبٌ به دائماً شرط أن يجري ذلك كلّه تحت مظلّة «الإدارة». لا بل كلّما احتدمت تلك النقاشات، كلّما كفّت «الإدارة» نفسها عن كونها عرضةً للنقاش. وهذا ما حصل عليه حزب الله في هذه الانتخابات التي لم يتجاوز الخطاب السياسي فيها حدود مكافحة الفساد. وإذا ما استثنينا لائحتين أو ثلاثاً من اللوائح الاعتراضية التي لا ثقل كبيراً لها، فإنّ التحالف العريض الذي بناه المجتمع المدني انضوى طائعاً ضمن الإطار المحدّد من قبل حزب الله، فلم يشكّل الموقف من هيمنة الحزب أو من دخوله إلى سوريا أو من النظام السوري نفسه عائقاً أمام اللوائح المدنية. لا بل إنّ بعض المنضوين في هذا التحالف أعاب على اللبنانيين أن ينقسموا بين مؤيّد ومعارض لبشّار الأسد، وبعضهم الآخر معروف بمطالبته بالمساحات الخضراء لبيروت وبغاز السارين لضفاف دمشق، وبعضهم الثالث قرّر التهرّب من السؤال أو التذاكي عليه عبر رفع مطلب تحقيق الاكتفاء الاقتصادي أوّلاً.

بالطبع، لم يكن الموقف من حزب الله هو سبب النتائج الهزيلة التي حقّقها هذا التحالف حديث النشأة. فالافتراض بأنّ هناك شعباً لبنانياً سئم من أحزابه وزعاماته، وهو تائقٌ للانتخاب بحثاً عن بديل، هو افتراضٌ لا يمتّ بصلة إلا لصورة «المجتمع المدني» المضخّمة عن نفسه. فما بالك إن كان هذا «المجتمع» قد بدا فاقداً أصلاً لما يدّعيه، فلم يقدّم طرحاً اقتصادياً أو سياسياً جديّاً مختلفاً عن السائد، باستثناء ترداد شعارات شعبوية حول مكافحة الفساد أو كليشيهات مستوحاة من أدبيات المؤسسات المالية الدولية، ناهيك بالتحالفات التي اتّسمت ببراغماتيّة شديدة لا يجرؤ عليها إلا أصحاب التجارب الراسخة والموقع السياسي الواضح.

لا يتّسع المجال هنا لنقد مفصّل لتلك التجربة المدنيّة. يكفي مشهد مناصريهم التائقين حقاً إلى التغيير وهم عائدون من اعتصامهم أمام مبنى وزارة الداخلية احتجاجاً على تزوير مفترَض للانتخابات، ليتفاجأوا بمواكب مناصري حزب الله وحركة أمل تملأ شوارع بيروت بالهتافات الطائفية. بعد هتافهم باسم مرشّحتهم «جمانه، جمانه، جمانه»، تلقّفتهم مئات الدراجات النارية بهتاف «أها هيي هيي، بيروت صارت شيعية». في تلك اللحظة، بدوا وبدونا كلُّنا كمن قَبِلَ الدعوة إلى العرس الخطأ.

شبح 7 أيّار

شاءت الصدف أن يحدث ذلك في السابع من أيار، بعد مرور عشر سنوات على ذاك اليوم المشؤوم الذي استخدم فيه حزب الله سلاحه للمرّة الأولى في الداخل اللبناني، قبل أن يصبح سلاح الحزب في السنوات اللاحقة مباحاً للاستخدام الطائفي داخل البلاد وخارجها. في الذكرى الأولى لتلك الأحداث، وصف السيّد حسن نصر الله السابع من أيار بـ «اليوم المجيد»، موضحاً أنّه يريد للّبنانيين ألّا ينسوا هذا اليوم حتى لا يكرّر أحدٌ الحماقات التي سبقته.

لكن، إذا كان 7 أيار 2008 حملة تأديبيةً، فما الهدف ممّا حصل في 7 أيار 2018 حين جابت شوارع بيروت مواكب الدراجات النارية؟ لا تبدو تلك الدرّاجات «السلمية» في رحلة عقابيّة هذه المرّة، بل أشبه بحملة استباقية. انتظِروا جميل السيّد، النائب المنتخب على لوائح حزب الله، يقود وفداً نيابياً إلى قصر المهاجرين بعد خطاب مدوٍّ يلقيه في البرلمان عن الفساد. انتظروا التطبيع مع بشار الأسد لإعادة اللاجئين حيناً وإعادة الإعمار أحياناً. انتهى الشيخ نعيم من فرز الصناديق، وهو يرحّب بكم على أرض الواقع من جديد.