بالثامن عشر من آذار

 

يطلب الشيخ من جموع المُشيعين الصبر والاحتساب والتزام الهدوء، لكن الحاضرين يرفضون ويبدأون بالصراخ: ثورة ثورة ثورة، في مشهد مهيب يقشعرّ له البدن، ويصلحُ تكثيفاً مذهلاً للحظة مشتركة عاشها مئات آلاف السوريين بشكل شبه متزامن في ربيع 2011، لحظة انفجار الثورة في الصدور، والرغبة العارمة في الردّ على الإهانة التي اسمها نظام الأسد.

كان ذلك في التاسع عشر من آذار، في المقبرة الجديدة في حي البحّار من درعا البلد، بعد دفن أول شهيدين من شهداء الثورة السورية.

 

كان اليوم السابق، الثامن عشر من آذار 2011، قد شهد خروج مظاهرات في مدن دمشق وحمص وبانياس ودير الزور، لكن أكبرها كانت في درعا، التي شهدت في ذلك اليوم أول إطلاق للرصاص الحي من قبل النظام على متظاهرين في 2011، أدّى إلى استشهاد حسام عياش ومحمود الجوابرة.

 

والأرجح أن تشييع عياش والجوابرة، في التاسع عشر من آذار، قد شهد أيضاً المرة الأولى التي يهتف فيها سوريون بإسقاط النظام. تظهر تلك اللحظة في التوقيت 1:54 من الفيديو أدناه.

 

سيتغير كل شيء في حوران وفي البلد كلّه منذ ذلك اليوم، سيسقط مزيد من الشهداء في تشييع مزيد من الشهداء، وسيغني السوريون والسوريات كثيراً وطويلاً قبل الجنازات وبعدها. طوال أشهر لاحقة، ومن أقصى سوريا إلى أقصاها، سيخرج المتظاهرون مراراً إلى ساحات انتزعوها بالكثير من الدماء العزيزة، كي يرقصوا ويغنوا في عين الموت؛ في عين الغول الأسدي الذي انفلت في كل اتجاه يقتل ويدمّر كل شيء وكل أحد يعترض طريقه.

وقد اعترض أبناء وبنات حوران طريق الغول طويلاً، بالمظاهرات والهتافات والأهازيج، وبالعمل الطبي والإعلامي والإغاثي والتنظيمي، وبالسلاح والمعارك، وبكل ما أمكنهم القيام به.

هذه تحية حب إلى أصوات الحوارنة، إلى الجمال الذي ترك على البلد وتاريخه علامات لا تُمحى: