بالفَرَج: عن طعام السجينات في عدرا

 

الساعة الثانية ليلاً، الأضواء مطفأة، وأنا بطبيعة الحال مُستغرقةٌ في النوم منذ ساعتين، فرغم أن الليل في السجن لا يختلف كثيراً عن النهار، بل ربما يمكن وصفه بأنه أكثف روحياً، إلا أنني كنتُ ما زلتُ مصرّةً على وصف نفسي بأنني «كائن نهاري»، ينام باكراً ويستيقظ مع موعد فتح الأبواب عند التاسعة.

فجأة سُمِعَ صوت الباب الرئيسي وهو يُفتح، استيقظ الجناح بأكمله، وأول ما تبادر إلى أذهاننا، بما أننا لم نسمع أي نداء استغاثة، أن الموضوع يتعلق غالباً بمداهمة، مداهمة قد تقلب الجناح رأساً على عقب بحثاً عن أي شيء أو لا شيء. استنفرنا جميعاً، وخرجت مشرفة الجناح مسرعة لتعود بعد لحظات وهي تصيح: «زوايد خضرة... يلّلا فيقوا يا بنات!».

كانت المداهمة من نوع آخر هذه المرة، وعلّقتُ وأنا أحاول مكافحة نعاسي طمعاً في عيش اللحظة: «يا لها من رفاهية! في الخارج لم يكن بإمكاننا تسوق الخضار في الثانية بعد منتصف الليل!».

أسرعت «بنات السخرة» لفتح أبواب بقية المهاجع وإشعال الأضواء وجمع فواتير «زوايد الخضرة» من «النزيلات»، هكذا كنا نُدعى هناك، «نزيلات»، وكأننا فضّلنا الابتعاد عن عائلاتنا، بيوتنا، رائحة الأعشاب الطازجة وملمس الخضار والفواكه في قطفتها الأولى، لنحلّ «نزيلات» في سجن عدرا للنساء.

تصل الخضار والفواكه إلى الندوة الخاصة بجمعية رعاية المساجين في الصباح، ويتم توزيعها على الأجنحة حسب الطلبات المجموعة مسبقاً (الفواتير). يبدأ التوزيع من أجنحة الطابق العلوي القريبة من الندوة وهي أجنحة الجرائم المدنية، ومساءً يصل الدور إلى جناحي الطابق السفلي، وهما جناحا الإرهاب اللذين استُحدِثا بعد العام 2011. وبعد الانتهاء من التوزيع، كان يتم بيع ما يزيد من المواد للأجنحة بالترتيب نفسه.

يتم جلب الخضار والفواكه كل أسبوعين، وأحياناً قد يتأخر الموزِّع لشهر أو أكثر بحجة أن الوصول لسجن النساء خطير، ولكن هذا لا يمنع أن يقوم العناصر بجلب المطلوب من الأسواق الخارجية بأضعاف سعره الأصلي!

تبدأ عملية تسجيل الفاتورة عادة بالسؤال التالي: «موسم شو هلأ يا صبايا؟»، الجملة السحرية التي تفتح أبواباً لتبادل الذكريات والخبرات بل وحتى الروائح والألوان. كانت الفاتورة تضمّ على العموم كل ما يمكن شراؤه، وباستطاعته أن يربط السجينة بحياتها السابقة، ويمكّنها من تحضير طبق يعيد إليها روتينها في الخارج، وتعلم أن بيتها يعبق برائحته في هذه الفترة من السنة. أم محمد كانت تجبرنا، نحن بنات مجموعتها، على تذوق الأطباق التي يفضّلها زوجها وأبناؤها من «تحت ديّاتها»، حتى لو لم تكن «أمهاتنا» قد سَمعنَ بها!

أما أنا فكنتُ أحرِصُ على طلب الفواكه بشكل مستمر، رغم أنني في حياتي العادية «Anti فواكه»، إلا أنها ببساطة كانت تذكرني بجدتي.

تحتوي فاتورة الخضرة الخاصة بالسجينات -غالباً- على مادة أو مادتين فقط، بسبب الوضع المادي الصعب.

كانت بشرى تعشق البندورة، ولما كانت من الفتيات «المقطوعات» (أي اللواتي ليس لديهن أي مورد مادي عن طريق الزيارات)، فقد حصلت على موافقة الإدارة للعمل على صناعة إكسسوارات من الخرز وبيعها، وعندما قامت بجمع مبلغ كافٍ حصلت على إذن آخر لشراء مجفف شعر كهربائي تقوم باستخدامه لتصفيف شعرنا في مناسباتنا السعيدة (زيارة أو محكمة) مقابل مئة ليرة. كانت تعتمد في طعامها على الوجبات المقدمة من إدارة السجن، وتدّخر كل ما يمكنها جمعه لتشتري البندورة فقط مرددةً «أنا زمرة دمي بندورة إيجابي!».

في السجن تتجاوز العلاقة بالطعام الجوع أو الرغبة بالاستمرار، الطعام في السجن هو متعة الحواس الوحيدة، وهو دواء الحنين، وأحد الروابط القليلة المتبقية بالعالم الخارجي وبالحياة السابقة. أحياناً قد تقتصر المتعة المرتبطة به على الرائحة فقط، ففي يومي الأول بعد مغادرتي الفرع ووصولي إلى جنة عدرا، كانت أقصى أحلامي أن أنام مُعانِقةً باقة بقدونس فواحة! كما أن إعداد الطعام هو فرصة لإثبات التفرّد، لا شيء يسعد السجينة مثل مديح طبخها، وبراعتها في استخدام القليل من المكونات لصنع طبق شهي تملأ رائحته الجناح!

يتم توزيع المعونات الغذائية المقدمة من المنظمات دون أي انتظام، كل عدة أشهر تحصل كل عشرة سجينات على سلة غذائية تكفي عادة لعائلة مكونة من خمسة أشخاص لمدة شهر. وعدا المعونات الشحيحة، تقوم إدارة السجن بتقديم الطعام مرتين يومياً بكميات غير كافية في حال لم تتوافر القدرة الشرائية لدى السجينات لدعم وجباتهن، خصوصاً أن إدخال المواد الغذائية عن طريق الزيارات ممنوع.

حصّة كل سجينة من وجبة الفطور كانت عبارةً إما عن ملعقة زيت والقليل من الزعتر، أو ملعقة من مربى المشمش، أو قطعتين من الجبن، أو ملعقة لبنة، وفي يوم الجمعة كان عبارة عن كوب من الفول أو الحمص المسلوق تتفنن السجينات بتتبيله بالمواد المتوفرة لديهن. أما حصة وجبة الغداء فهي عبارة عمّا مقداره كوبٌ من أربعة أصناف متكررة: فاصولياء وأرز، مجدرة، أرز بالبازلاء، وبرغل بالبندورة يوم الجمعة. تترافق الوجبة أحياناً مع كوب من شوربة العدس، وأحياناً أخرى مع حبة بطاطا أو باذنجان لكل مجموعة من السجينات.

وما عدا الزيارات التي كان لها موعد ثابت يومي الأحد والأربعاء، وعطلة رئيس الفرع الأسبوعية في يوم الجمعة، كانت هذه الوجبات المكررة هي أحد المعالم التي تُستخدم لدعم الإحساس بمرور الأسابيع في أيام السجن المتشابهة.

جميع الوجبات تقريباً كان يُعاد تدويرها، فنضيف إليها البهارات أو البصل والثوم والخضار الأخرى المتوفرة أو المستعارة، لتتحول إلى طبق مختلف كلياً وتصبح قابلة للأكل، ورغم أنها ليست بالسوء الذي كان عليه الطعام في فروع الأمن، لكن الاحتيال على قلّة تنوعها ضروريٌ حتى نتمكن من تقبل تناولها بشكل دوري.

أحياناً كان يتم توزيع البيض، بيضة لكل «نزيلة» ولكل طفل (كان جناحنا وحده يضم ستة أطفال أتوا مرافقين لأمهاتهن). خطرت في بالنا فكرة بدت لنا براقة في حينها «إذا قعدنا عليها وحضناها بيجوز بعد فترة يصير عنا مدجنة!».

توفر ندوة السجن المواد الأساسية الإضافية بأسعار خمس نجوم، كالبهارات والمعكرونة والأرز والزيت النباتي، القهوة والشاي، وبعض أنواع البقول والمعلبات، كما يتوفر البيض واللبن والدجاج بشكل غير منتظم. ومن الممكن أحياناً الحصول على بعض المواد خارج الفاتورة من خلال عناصر دورية السوق، التكلفةُ مضاعفةٌ طبعاً، ولكن لا بدّ منها لإرضاء الشهوة تجاه الطعام.

في أحد أيام فصل الشتاء قررنا أنا وصديقاتي دعوة بنات غرفتنا (مهجعنا) إلى وجبة غداء خارجية. كانت الرغبة موحدة، شاورما!

استطعنا تأمينها عصراً، وبانتظار موعد فتح أبواب المهاجع لتسخين الشاورما في الفرن الكهربائي الذي تحتفظ به الخالة أم حمزة في البوفيه الخارجي، لَزِمَت كل واحدة زاويتها طمعاً بقيلولة دافئة، وقمنا بحفظ الكيس تحت سريري (تُغلَقُ أبواب المهاجع الخمسة في الجناح من الساعة التاسعة مساءً حتى التاسعة صباحاً، ومن الساعة الثالثة عصراً حتى السادسة مساءً ويطلق على هاتين الفترتين مصطلح «التأمين»، أما المهجع السادس، حيث كنتُ أنا، فكان يبقى مفتوحاً لأنه مهجع الإشراف، أي مهجع السجينة مشرفة الجناح).

بعد دقائق سمعتُ صوت خشخشة أكياس الخضار والفواكه المعلقة تحت السرير، ما يعني أن الفأرة قد عادت لتزورنا من جديد. قمنا برفع كيس الشاورما فوق إحدى الخزائن، وبحثنا عن الفأرة بين الأكياس، (والـ «نا» هنا عائدة على صديقاتي، لأنني بكل بساطة صعدت إلى السرير العلوي واكتفيت بالتشجيع)، لكنها (وأعني هنا الفأرة) هربت قبل إلقاء القبض عليها بالجرم المشهود.

عُدنا إلى قيلولتنا، وصعدت سامية إلى السرير العلوي برفقة كتاب، وما هي إلا لحظات حتى سَمِعَت صوت الخشخشة فوق الخزانة. سادت الفوضى في المهجع ولم تبالي صديقاتي بالتأمين، ففتحنَ باب الغرفة وأخذنَ كيس الشاورما إلى الباحة، رغم أن ذلك سيعرضنا لعقوبة جماعية، وهناك فتحنه لتقفز منه الفأرة وتختفي في البالوعة!

لمّا عدنَ إلى المهجع بعد أن شرحنَ للضابط المناوب ما حصل، كان الجو متوتراً والجميع على وشك البكاء، حتى أن بعضهن بكينَ فعلاً (أنا يومها فعلت!).

«والآن ما العمل؟ أفسدت الفأرة غداءنا»، فحسمت إحدانا الأمر: «سنقوم بإزالة الطبقة العلوية، الفئران لا تأكل اللحم، هي فقط كانت تحتمي بالكيس، وحرارة الفرن ستتكفل بالتعقيم!».

وعند فتح التأمين، استمتعنا بالوجبة الجماعية التي سبقتنا الفأرة إليها!

كزبرة خضرة أو يابسة! قد يبدو الخلاف عادياً، نشهده يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي في مجموعات الطبخ المحلي التي باتت منتشرة انتشار السوريين في أصقاع الأرض. ولكن في السجن يتعدى الموضوع خلافاً في وجهات النظر، فالدفاع المستميت عن مكونات طبقنا هو دفاعٌ عن مُعتَقَد، وعن واحد من اليقينيات القليلة الباقية، هو دفاعٌ عن قضيةٍ تملك شعاراً واضحاً «أهلي هيك بيطبخوه!».

في دمشق ودرعا تُستخدم الكزبرة الخضراء، أما في باقي المحافظات فلا تستخدم إلا الكزبرة اليابسة. في دمشق يوضع لطبق المحاشي الكمّون الحبّ، أما في حلب فيعتبر هذا من الكبائر.

وباليقين نفسه تكون الأطباق الفلكلورية مُناسَبَةً للاحتفال، إذ لا يمكن تخيل فرحة السجينة عندما تقوم بإعداد طبق تشتهر به مدينتها أو قريتها، ودائماً تكون الكمية مبالغاً فيها حتى يتسنى للجميع تذوقه، لعلّ «الطعم يأخذنا إلى هناك!».

من درعا تذوقنا الطبيخ المليحي، والمقطّعة، ومن حمص العدس بحامض، ومن اللاذقية المسيلوقات والكرابيج.

في كل مهجع برادٌ واحدٌ مُشترك، يُستخدم فقط لحفظ الدجاج والخضار الورقية سريعة التلف، أما الثلاجة فهي للمياه فقط، وتُستخدم استثنائياً لتبريد العصائر في فصل الصيف.

الطريقة الوحيدة لحفظ المونة هي تجفيفها، ونظراً لازدحام الأجنحة فإن إيجاد المساحة الصالحة لنشرها ليس سهلاً، كنا ننقل شرشف الملوخية إلى باحة الغسيل قبل إغلاق الأبواب مساءً لنشرها في شمس الصباح التي تصلنا معلبة من الفسحة السماوية المستطيلة، ونعيد إدخالها إلى الغرف بعد فتح الأبواب صباحاً، لنفسح المجال لنشر الغسيل، ولإبعادها عن أيدي «النزيلات» الفضوليات.

في موسم الملوخية تنتشر الرائحة في المهاجع، وسواء أكانت مع الكزبرة أم من دونها، ناشفة أو مع مرق، مع ثوم أو مع بصل، فإن الرائحة الجميلة المميزة لفصل الصيف تبقى هي نفسها!

لا تعجز النساء عن تحضير أي طبق مهما كانت المواد والأدوات التي يحتاجها نادرةً. الحرّاق بإصبعه أكلة دمشقية تُحضَّر باستخدام عجين خاص، كان يتم تحضيرها باستخدام المعكرونة.

الشاكرية أيضاً كانت تُطبخ بالبطاطا، عوضاً عن اللحم الذي يعتبر من الكماليات، ليس فقط لغلاء سعره، بل لأن الجمعية قلّما توفره في الندوة.

في ظل عدم توافر الأدوات وعدم إمكان تشغيل السخانة الكهربائية لوقت طويل، يتم اتباع طريقة «الكسالى» لتحضير بعض الأكلات، ورغم ما تحمله هذه الطرق من ألم للسجينة نفسها، التي ربما كانت تود أن تستعرض مقدرتها على الحفر واللف والحشي، إلا أنها على الأقل توفر إمكانية التمتع بالطعم، فالكوسا تُقطَّع وتطبخ مع الأرز والبندورة، والملفوف أيضاً يُقطَّع دون أن يُلَفّ. أما في حال توفرت الكهرباء بحيث تسمح باستخدام السخانة لوقت أطول، أو توفرت أدوات الحفر، فإن تحضير الطعام يتحول لطقس احتفالي جماعي.

تسعى بعض السجينات إلى الحصول على مورد مالي ليستطعن من خلاله تدبر حاجاتهن الأساسية، بعضهن يشغلن إحدى الوظائف المخصصة من قبل جمعية إدارة المساجين مقابل عائد مادي بسيط، ويطلق عليهنَّ اسم «العاملات» أو «بنات السخرة»، يقمنَ بتنظيف الأجنحة وتوزيع الطعام ونقل المواد إلى مستودع الجمعية وغيرها من المهام التي تستلزم جهداً عضلياً كبيراً، كما يتم تعيين بعض السجينات لمهمة الإشراف على الأجنحة والغرف والحصالات، وكذلك تعمل بعضهنَّ في الندوة.

ويمكن للسجينات اقتراح مشروعهنّ الخاص، وبعد اقتراح المشاريع على إدارة السجن تتم الموافقة على بعض منها شريطة أن تكون السجينة المتقدمة بالطلب (وهي ليست صاحبة المشروع بالضرورة) «مقطوعة». ويحصل العناصر على نسبة لقاء تأمين المواد الأولية اللازمة من خارج السجن، حيث لا تقوم جمعية رعاية المساجين بتقديم أي دعم يذكر لهذه المشاريع.

ومن ضمن المشاريع المرتبطة بموضوع الطعام، تصنع بعضهنَّ الحلويات، ويقمن ببيعها لباقي السجينات مقابل عائد مادي بسيط، وتحصل الإدارة طبعاً على حصتها اليومية!

حصلت إحدى النزيلات على معونة مقدمة من إحدى الجهات خارج السجن عن طريق المحامين، فاقترحت زميلةٌ لها أن تعلّمها كيفية صنع العوامة وتبدأ مشروعاً صغيراً يقيها العَوَز، كانت العوامة المصنوعة من أفضل ما يمكن تناوله.

مرةً طلب الضابط المناوب كمية إضافية على أن يدفع ثمنها، وعند التأمين المسائي طلب السجينة إلى خارج الغرفة، واعترض على سعر المبيع، فأجابته السجينة: «خدهن ببلاش سيادة الضابط!»، وهذا ما كان!

في شهر رمضان تتم إعادة توزيع الأثاث القليل في المهاجع، بحيث تتوفر مساحة كافية لسفرة كل مجموعة (والمجموعة هنا هي عدد من السجينات اللواتي يتشاركن الطعام ويتقاسمن مصاريفه، وغالباً ما تحوي كل مجموعة عدداً من السجينات «المقطوعات»).

الطقس الرمضاني هو أحد الطقوس القليلة التي يمكننا أن نعيشها بغالبية التفاصيل الممكنة، بما فيها اللمّة على السحور والفطور، فحتى السجينات اللواتي لا تصمنَ الشهر، تقمنَ بتناول الطعام في وقت أذان المغرب. السكبة أيضاً هي جزء من الطقس الرمضاني، وتتبادلها المجموعات فيما بينها.

المشكلة الرئيسية في رمضان هي في تنظيم استخدام السخانتين الكهربائيتين الوحيدتين في كل مهجع، والمصيبة الكبرى كانت في حال انقطعت الكهرباء، إذ لا يُسمَح إلا باستخدام سخانة واحدة على طاقة المولدة الكهربائية، وبما أن الجميع يريد تسخين الطعام في الوقت نفسه، تحاول مشرفات الغرف تنظيم الدور، بحيث يبدأ في كل مرة من مجموعة تبدأ تسخين طعامها قبل الإفطار بساعة، حتى يمكن للجميع الحصول على طعام ساخن نسبياً.

المشكلة الثانية هي في توفير المياه الباردة، خصوصاً أن شهر رمضان يحلّ في الصيف في السنوات الأخيرة. تحاول المشرفات مراقبة براد المياه الموجود في الباحة طيلة النهار لمنع النزيلات من استهلاكه، وبالتالي الحفاظ على المياه الباردة لوقت الإفطار، ومحاولة تنظيم الدور لتحصل كل غرفة على حصتها.

تقوم السجينات أيضاً بالاحتفالات الجماعية في المناسبات الخاصة، كأعياد ميلاد أطفال الجناح أو السجينات اللواتي يعرفن تاريخ ميلادهن أو يخترعنه، وكذلك رأس السنة، فينشغل المهجع طوال النهار بالتحضير للوجبة المسائية المشتركة.

يشهد فصل الصيف عراكاً شديداً يدور حول الثلاجة، ويحدث هذا عندما تتجرأ إحداهن على الشرب من أقرب قنينة مياه باردة رغم احتياطات صاحبة القنينة بوضع علامة لتمييزها عن غيرها، أو ربط غطائها بأكياس بلاستيكية يجعل من الصعب فتحه، أو حتى الجرأة على التهديد بأنها ستقوم بالبصاق في قنينتها!

أكثر ما يرتبط بالعلاقة بالطعام في ذاكرتي هي حوادث السرقة. الجوع، وفي أحيان كثيرة شهوة الحواس، كانتا تدفعان السجينات لتذوق لُقيمات من صحنٍ متروكٍ في البراد، وأحياناً تناوله كاملاً، أو لسحب حبتي فاكهة من تحت السرير الحديدي (حيث كنا نحتفظ بأكياس الخضار والفواكه مُعلّقةً).

بشكل يومي تقريباً كان يحدث هذا الموقف مبتدئاً بالصراخ: «أصبح الوضع لا يطاق، إرهاب وحرامية!».

وتنهال الدعوات:

- انشالله بتنكسر إيدها!

- انشالله بيجيها سرطان!

- انشالله سمّ يا رب!

وغالباً تكون «الحرامية» الظريفة من أوائل المشاركات بابتكار دعوات لا تخطر على البال، بعد أن تكون قد أشبعت حواسها من الطعام المُشتَهَى.

سواء تمت دعوتهنَّ أم لم تتم، سواء كانت كمية الطعام كافية أم لم تكن، لا أحد يرد العيون الجائعة، إذ يُعدُّ هذا من الكبائر. وكثيراً ما كان يحصل أن تُحضِّرَ إحدانا طبقاً، ويختفي قبل أن تتمكن حتى من تذوقه.

بعد الانتهاء من تناول الطعام، أي طعام، كنا نردد دعاءً واحداً، دعاءً مشتركاً يحمل أقصى ما نتمناه: «انشالله بالفَرَج».