بانتظار الارتدادات السياسية: ضربة عسكرية محدودة

 

نفّذت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا عملية عسكرية، استهدفت أهدافاً عسكرية تابعة للنظام السوري تركزت في محيط دمشق وحمص، وجاءت هذه الضربة التي طال الحديث عنها خلال الأيام الماضية، رداً على استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي ضد المدنيين في دوما في السابع من الشهر الجاري.

وعلى الرغم من أن حجم الضربة كان أوسع من تلك التي استهدفت مطار الشعيرات، إلا أنها كانت أقلَّ من التوقعات خلال الأيام الفائتة، وقد استهدفَ أكثر من مئة صاروخ كروز أطلقوا من الجو والبحر مواقع عسكرية، صرَّحَ المسؤولون الأمريكيون أنها تضمّ منشآت تصنيع وتخزين الأسلحة الكيماوية وخاصة غاز السارين.

ومع الدقائق الأولى بعد الرابعة فجراً بتوقيت سوريا، بدأت الأخبار تتوارد عن سماع دوي انفجارات ضخمة في العاصمة دمشق، وقد خرج الرئيس الأمريكي ضمن مؤتمر صحفي في الوقت ذاته معلناً: «أمرت القوات المسلحة الأمريكية منذ قليل بتوجيه ضربات عالية الدقة ضد أهداف ترتبط بقدرات الأسلحة الكيماوية الخاصة بالديكتاتور السوري بشار الأسد. ثمة عملية مشتركة مع القوات المسلحة الفرنسية والبريطانية جارية حالياً».

وأضاف دونالد ترامب: «أسألُ إيران وروسيا: ما نوع الدول التي تريد أن ترتبط بالقتل الجماعي للرجال والنساء والأطفال الأبرياء؟ (...) ينبغي أن تقرر روسيا ما إذا كانت ستستمر في هذا الطريق المظلم، أم ستنضم إلى الأمم المتحضرة كقوة للاستقرار والسلام». فيما خرجَ كلٌّ من الرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء البريطانية أيضاً على الإعلام لإعلان مشاركة قوات بلادهما في الضربة، كعقاب للنظام السوري على استخدامه للأسلحة الكيميائية.

وتناقلَ ناشطون قائمةً بالمواقع التي استُهدِفَت، أكدتها لاحقاً مراسلة قناة روسيا اليوم شبه الرسمية، وشملت كل من؛ اللواء 105 الحرس الجمهوري وقاعدة دفاع جوي في جبل قاسيون دمشق، ومطار المزة العسكري، ومطار الضمير العسكري، ومقر البحوث العلمية في حي برزة بدمشق، ومقر البحوث العلمية في منطقة جمرايا قرب دمشق، واللواء 41 قوات خاصة قرب دمشق، ومواقع عسكرية قرب الرحيبة في القلمون الشرقي يرجح أنها تابعة للفرقة العاشرة، ومواقع في منطقة الكسوة بريف دمشق، ومطار خلخلة بالسويداء.

ونقلت شبكة CNN عن مصادر عسكرية أمريكية استخدام صواريخ كروز المحمولة جواً في القصف على مواقع النظام السوري، فيما شاركت طائرات فرنسية وبريطانية بقصف مواقع قرب حمص.

أما وسائل إعلام النظام التي أطلقت على العملية العسكرية اسم «العدوان الثلاثي»، فقد قالت إن الدفاعات الجوية التابعة للنظام قد تصدت لعدد من الصواريخ، فيما قالَ متحدثون باسم الحكومة الروسية إن المضادات الجوية المستخدمة هي أسلحة من قديمة من الحقبة السوفيتية، في إشارة إلى أن دفاعاتهم الجوية كانت مُحيَّدةً خلال العملية. وعلى الرغم من الرد الروسي الغاضب إلا أنه كان أقل بكثير من مستوى التصريحات قبل الضربة، والتي هددت باستهداف مصادر النيران في حال تم ضرب قوات النظام من قبل الأمريكيين، ويبدو أن موسكو اختارت الحل الأسلم في ظل مواجهة غير متكافئة مع القوى الغربية في سوريا.

قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زخاروفا إن «الضربة الأمريكية إهانة للرئيس بوتين»، أما حلفاء النظام السوري الآخرون فقد خرجوا ببيانات تستنكر الضربة الأمريكية، وتوعَّدَ الناطق باسم الحوثيين بالرد على ما أسماه «ممولي ومنفذي الضربة» مشيراً إلى السعودية وإسرائيل، وتبدو هذه الردود المتوقعة كتهديدات شبه فارغة من المعنى، لتجنّبِ تصعيدٍ يصل إلى حرب لن تكون نتائجها جيدة بالنسبة لحلف النظام الإقليمي.

بعد نحو ساعة ونصف من بدء القصف، خرج كل من وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس ورئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأمريكي جوزيف دانفورد، لإعلان انتهاء الضربة، وقالا في تصريحات للصحفيين إن الضربة ركّزَت على أسلحة النظام السوري الكيميائية.

ويبدو أن حجم وشكل الضربة قد تحدّدا من خلال عاملين رئيسيين؛ الأول هو مسار دبلوماسي بدأه قادة إقليميون ودوليون لفتح مسار تفاوضي بين موسكو وواشنطن، التي أوضحت أنها تريد من الأولى فصل نفسها تماماً عن حلف النظام مع الإيرانيين، فيما كان العامل الثاني هو موقف وزير الدفاع الأمريكي، الذي لا يرغب بالتصعيد، في مواجهة مواقف أكثر تشدداً من قبل الرئيس الأمريكي ترامب ومستشاره للأمن القومي جون بولتون، كما نقلت صحيفة وول ستريت الأمريكية قبل يوم من الضربة. مع ذلك، فقد أعلن مسؤولون أمريكيون وفرنسيون وبريطانيون أن القوات الضاربة في المتوسط ستظلَّ لمدة أطول، استعداداً لأي أوامر جديدة.

المشهد في المنطقة فجر اليوم كان إعلاناً واضحاً عن نهاية المعادلة التي أوصلت روسيا للتحكم شبه الكامل بالملف السوري، وعلى الرغم من أن الضربة العسكرية كانت أقلَّ من المتوقع، إلا أنها تحمل بالتأكيد آثاراً تقود إلى زعزعة السكون السياسي الناتج عن اعتبار النظام وحلفائه أنهم انتصروا في الحرب، بالإضافة إلى أن المواقف الإقليمية شكلت مؤشراً على عودة الدور الأمريكي في المنطقة، بما يخلخل السيطرة الإيرانية والروسية على الأرض.

وزيرُ الدفاع الأمريكي كان قد قال خلال تصريحاته الصحفية إن قوات بلاده لم تنسّق مع روسيا قبل الضربة، بل اكتفت بإعلامها بالمجال الجوي الذي تستخدمه خلالها، وهو مؤشرٌ على موقف أمريكي أكثر تشدداً من موسكو، في وقت كانت حكومة بوتين تحاول التوصل إلى شكلٍ من الحل السياسي، يفرض انفرادها مع شركائها وحلفائها الإقليميين بتقرير مصير سوريا، وهو الأمر الذي يبدو أنه لم يعد ممكناً بعد اليوم.