بايدن يقترب من العودة إلى البيت الأبيض

 

إلى جانب المغنية الأميركية المشهورة ديانا روس، وبطلة التنس العالمية سيرينا ويليامز، انتُخِبَت جوسلين بينسون عام 2015 لتكون جزءاً من قاعة مشاهير نساء ميشيغان. بينسون التي تشغل منذ العام 2018 منصب سكرتيرة ولاية ميشيغان، أصبحت صورة رئيسية في أخبار اليومين التاليين لانطلاق الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة.

قبل أن يرفض قاضٍ محلي في ميشيغان الدعوى التي تقدمت بها حملة ترامب للرئاسة بهدف وقف عدّ الأصوات في الولاية، التي تحولت فيها النسب لصالح بايدن بعد يومين من تقدم طفيف لترامب هناك؛ قبل ذلك، كانت بينسون قد قالت للصحافة إنّ حملة ترامب تحاول نشر «معلومات خاطئة تهدف إلى زرع بذور الشك بين الناخبين حول نزاهة عملية الانتخابات لدينا». رفض القاضي الدعوى المُقدَّمَة، ولا يزال المرشح الديموقراطي للرئاسة جوزيف بايدن متقدماً في تلك الولاية الهامة بنسبة 50.5% حتى لحظة كتابة هذه السطور.

يُشرِفُ منصب سكرتير الولاية، وهو ثالث أكبر منصب تنفيذي في حكومات الولايات، على الانتخابات في ولايته، وهو ما جعل وجوه شاغلي هذا المنصب مألوفةً لكثيرين خلال الأيام الماضية، منذ الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري. سيكون وجه سكرتير ولاية جورجيا شهيراً في المستقبل على الأغلب، بعد إعلانه عن وجود 14 ألف صوت لا تزال قيد الفرز في الولاية، وذلك بعد دقائق من تقليص بايدن الفارق بينه وبين الرئيس ترامب هناك إلى ألفي صوت فقط. يمكننا توقع الأصوات المتبقية في جورجيا إذا ما عرفنا أن قرابة 9 آلاف صوت منها تنتمي لمقاطعات صوتت بنسب عالية لبايدن. يبدو أنّ تحوّل الأحداث لن يتوقف عن ميشيغان لوحدها في هذه الانتخابات، التي وُصَفَت بالطويلة.

إذاً ما الذي حدث منذ «الثالث من نوفمبر»؟ حدث الكثير، فقد كان فرز الأصوات في اليوم الأول التالي لإغلاق صناديق الاقتراع مثيراً للدهشة، إذ أظهرت النسب تقدم الرئيس الأميركي في عدد من الولايات الهامّة مثل فلوريدا التي سيطر عليها لاحقاً، لكن الأهم هو تقدمه الأولي في ولاية ميشيغان التي تعتبر مؤشراً هاماً بين الولايات المتأرجحة في هذه الانتخابات. المدينة التي كانت تضم أحد أهم مراكز تصنيع السيارات حتى الثمانينات، كانت تُعَدُّ لفترة طويلة جزءاً من الحاجز الأزرق، وهي ولايات صوتت مراراً للديموقراطيين، وبشكل مستمر منذ الانتخابات التي ربحها بيل كلينتون بداية التسعينات، إلى أن كسر ترامب هذا الجدار في انتخابات العام 2016، وربح في ميشيغان بفارق ضئيل أمام منافسته هيلاري كلينتون.

مع عودة ميشيغان إلى الحاجز الأزرق، ضاقت الخيارات جداً بالنسبة للرئيس ترامب، إذ عليه أن يفوز بكل الولايات المتأرجحة المتبقية حتى لا يضطر إلى نقل أغراضه من البيت الأبيض. ينظر الجميع الآن إلى النتائج المتقلبة والمتسارعة في ولايات بنسلفانيا وجورجيا، فيما تظهر الأصوات الجديدة التي يتم فرزها في نيفادا وأريزونا استمرار تقدم بايدن في هاتين الولايتين، اللتين ستسمَحان لبايدن بالدخول إلى البيت الأبيض لوحدهما.

على عكس التوقعات التي جرى تداولها خلال الفترة السابقة على الانتخابات، لم تشهد هذه الانتخابات مفاجئات كبيرة على صعيد التصويت في الولايات الأساسية، فقد حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على ولاية تكساس التي قيل إن الموجة الزرقاء ستشملها، فيما صوتت كاليفورنيا بثقة للديمقراطيين كما هو متوقع منها. ربما كانت المفاجئة الوحيدة هي النتائج المتقاربة جداً بين المرشحين، وحتى تقدم ترامب في عدد من الولايات المتأرجحة، والتي تُحدِّدُ عادةً نتيجة الانتخابات الرئاسية في ظل استقرار التصويت في عدد من الولايات الأساسية في الساحل الشرقي والجنوب والساحل الغربي.

بدأَ التغير الدرامي في الأحداث بالتوازي مع فرز أصوات البريد، وهي أصوات أرسلها ناخبون بالبريد إلى مراكز التصويت، بعد أن سمحت القوانين بذلك بسبب جائحة كوفيد-19. وقد جنت حملة بايدن الكثير من تشجيعها الناخبين على إرسال الأصوات بالبريد، إذ أظهر فرز تلك الأصوات تَقدُّمَ بايدن فيها بنسب وصلت إلى 80% كما كان قد تقدم بنسب مرتفعة في الأصوات التي أُدليَ بها بشكل مبكر قبل أسبوع من الانتخابات. كلّ ذلك فيما كان ترامب يُحرِّضُ ناخبيه على الذهاب بشكل مباشر إلى صناديق الاقتراع، مُعلِناً حرباً على التصويت بالبريد، ما تسبب بخسارته المعركة على تلك الأصوات، والتي تقود في هذه اللحظات إلى خسارته المعركة الانتخابية بشكل نهائي مع اقتراب موعد توقّف عدِّ الأصوات في عدد من الولايات.

وتقوم الآن أصوات البريد والأصوات المرسلة من العسكريين الأمريكيين في الخارج بقلب النتيجة ضد ترامب في ولاية بنسلفانيا، التي تملك 20 صوتاً انتخابياً (يجب أن يحصل المرشّح على 270 صوتاً انتخابياً حتى يصير رئيساً). يمتلك نائب الرئيس السابق والمرشح الديمقراطي للرئاسة جوزيف بايدن 253 صوتاً انتخابياً مضموناً بعد إعلان البيانات الأولية لفرز الأصوات في عشرات الولايات، وهو يحتاج إلى بنسلفانيا لوحدها، أو للنصر في نيفادا وأريزونا معاً، حتى يصبح الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة ويكون ترامب أحد الرؤساء الذين خدموا لولاية واحدة مثل جيمي كارتر وجورج بوش الأب (البعض سيقول إنها أطول فترة رئاسية على الإطلاق رغم ذلك).

يحاول ترامب القول منذ كلمته يوم أمس، وقبل ذلك على تويتر، إنّ أصوات البريد، التي كلفته ولاية ميشيغان وهي على وشك التسبب بخسارته ربما في بنسلفانيا، أصواتٌ مزيفة ويجب عدم احتسابها. أصبحت جملة «أوقفوا العدّ» التي استخدمها في تغريدة وفي الرد على عدد من التغريدات التي تنتقده أشهر تصريح خلال الساعات الماضية. رفضَ القضاء هذا الطلب بالطبع، والعدُّ مستمر في جميع الولايات، من بينها ولاية جورجيا التي تبدو فيها الأوضاع متقلبة خاصةً مع وصول الفارق إلى قرابة ألفي صوت فقط بعد أن كان ترامب متقدماً بنسب مريحة على منافسه الديموقراطي.

لن تكون معرفة الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة صعبة للغاية اليوم، حتى قبل حسم جميع الأصوات المتبقية، إذ تتضاءل حظوظ ترامب إلى ما يقترب من الصفر، ويُظهِرُ جوزيف بايدن تقدماً واضحاً ومريحاً في بعض الأحيان، سيُمكِّنه على الأغلب من الوصول مجدداً إلى البيت الأبيض، ولكن إلى المكتب البيضاوي هذه المرة. 

ثمّة سؤالٌ مهمٌ يتلو ذلك؛ ما الذي سيفعله بايدن بخصوصنا في حال فوزه المُرجَّح؟ نحن الناخبون الذين لا نملك أصواتاً في المجمع الانتخابي الأميركي، ناخبون في أصقاع الأرض يراقبون وصوله إلى البيت الأبيض فيما أزمات خطيرة تحيط بالعالم، من تقدم اليمين المتطرف إلى الكوارث البيئية المحيطة، وفيما نحن أهل هذه المنطقة ننتظر ما الذي سيفعله بعد السجّلّ الكارثي لسابقيه.