بحثاً عن أفق أوسع للصحافة

 

تم الإعلان عن الأكاديمية البديلة للصحافة العربية يوم الرابع والعشرين من نيسان الماضي، وهو مشروع تشرف عليه أربع مؤسسات صحافية مستقلة هي حبر والجمهورية ومدى مصر وصوت، وتموله مؤسسة دعم الإعلام الدولي (IMS). وفي التعريف بالمشروع على موقعه الإلكتروني، يقول القائمون عليه إنه مشروع زمالة مدته عام كامل، ينطلق من رؤية للصحافة تعتبرها «حالة ذهنية وحرفة قبل أي شيء... أي أنها بلا شك تتطلب إتقان بعض المهارات، لكنها في الوقت نفسه تحتاج لأن نتناولها بشكل أفقيّ يتقاطع مع العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياق التاريخي والسياسي والفني والثقافة والاقتصاد، وغيرها».

نلتقي مع مديرة الأكاديمية هالة دروبي، وهي صحافية سورية عملت كمحررة ومراسلة، تحمل إجازة في علم النفس ودرجة الماجستير في الصحافة المكتوبة؛ ونحاول من خلال الحوار معها تقديم إجابات على أسئلة متنوعة تتعلق بالهدف من مشروع الأكاديمية والرؤية التي تقف خلفها، وتتعلق أيضاً بآليات عمل الأكاديمية خلال عامها الأول، الذي سيبدأ فعلياً مع أيلول/سبتمبر القادم.

*****

تقولون في التعريف بمشروع الأكاديمية إنها تسعى لأن تقدم بديلاً عن «برامج التدريب التي تتعاطى مع الصحافة بصورة عملية وتقنية بحتة»، وكذلك بديلاً عن «التعليم التقليدي الذي يتناول الصحافة تناولاً أكاديمياً ونظرياً بحتاً». لكن إذا كانت الجامعات تقدم الجانب النظري، وبرامج التدريب تعنى بالجانب العملي، فما هي الإضافة التي تسعى الأكاديمية البديلة إلى تقديمها بالضبط؟

ثمة مساحة بين ما هو نظري بحت، وما هو تقني بحت، مساحة لا تتعامل مع الصحافة كنظريات و«مداخل إلى علم الصحافة»، أو كمجموعة تطبيقات وسلسلة مهارات؛ في هذه المساحة نحاول أن نتواجد، وأن نقدم برنامجاً يشبه برامج الزمالة الصحافية التي تقدمها بعض الجامعات، ويشجع على الإبداع والمساءلة والاشتباك. لقد أردنا برنامجاً من هذه المنطقة وعنها، أي أنه يفهم خصوصية ممارسة حرفتنا هذه في منطقتنا بتعقيداتها وتنوعها وظروفها السياسية الراهنة.

مما لا شك فيه أن عدداً كبيراً من الجهات، من بينها مؤسسات صحفية وإعلامية كبرى في الغرب، تقدم عشرات الدورات وبرامج التدريب للصحافيين في المنطقة العربية، تُعنى كلها تقريباً بشرح قوالب وأنماط الكتابة الصحفية، أو بتغطية الحروب والأزمات، ورغم أهمية هذه البرامج والتدريبات، إلا أنها لا تنجح دائماً في تمكين الصحفيين من إنتاج مواد مركبة ومعمقة ونقدية وممتعة، لأنها لا تتوسع أو تتعمق في تراكمات وتعقيدات المنطقة الثقافية والاجتماعية وسياقاتها التاريخية أو السياسية.

وبالمقابل، فإننا نعتقد أن الجانب النظري المتعلق بالصحافة، والذي تقدمه الجامعات في الدول العربية، ينطلق في معظمه، إن لم يكن كله، من مواقع مهادنة للسلطات القائمة، أو على الأقل من مواقع غير نقدية لها على الإطلاق، وأيضاً من مواقع غير نقدية للصحافة الرسمية وللمرويات التاريخية والاجتماعية التي تتبناها السلطة في كل بلد.

نطمح إذن إلى أن تكون إضافتنا هنا بالضبط، أن نقدم منظوراً للصحافة لا يعتبرها شأناً تقنياً بحتاً، بل شأناً ذا صلة بالتاريخ والاجتماع، ينطلق من مواقع نقدية.

يبدو واضحاً من البرنامج المعلن على الموقع أن هناك تركيزاً أساسياً على التاريخ والأنثروبولوجيا، لكن أسئلة كثيرة وردتنا تسأل عن الفائدة العملية المباشرة، أي باختصار عن فائدة برنامج التدريب الذي تقدمونه في سوق العمل.

سوق العمل واسع وكبير، وما نحتاجه للعمل في مؤسسة ما، قد لا نحتاجه للعمل في مؤسسة أخرى. ولا يدّعي مشروعنا أنه سيلبي جميع احتياجات سوق العمل، أو أنه سيساعد المشاركات والمشاركين في العثور على وظيفة في مؤسسة إعلامية، لكنه سيلبي حاجات من يودون استقطاع جزء من وقتهم للتعامل مع حرفة الصحافة بشكل أكثر عمقاً، ومن يودون القراءة في تقاطعاتها مع شتى مجالات الحياة والعلوم الإنسانية، ويؤمنون أنه لا يمكن فصلها عن هذه السياقات، ويبحثون عن مساحة للتدرب على البحث والاستقصاء والسرد بطرق جديدة ومختلفة.

وهكذا فإن برنامج الزمالة هذا ليس معنياً بشكل رئيسي بتقديم التقنيات التي تجعل من المتدرب جاهزاً تماماً للانخراط في سوق العمل، بل هو يُعنى بتغطية جوانب نرى أن برامج التدريب الأخرى لا تغطيها. ولا يعني هذا أننا منفصلون في برنامجنا عن الشق التقني من الحرفة، ففي المساق الثاني من برنامج العام الأول، سيكون هناك عمل مباشر على تقنيات الكتابة وأساليبها، وأيضاً على أساليب الاستقصاء والبحث، وتقنيات التعامل مع الصورة والفيديو والصوت، بالإضافة للعلاقة بين المحررين والكتّاب وآلية عملهم بشكل تكاملي لصقل الأفكار الصحافية ومن ثم العمل عليها. وسيسير هذا كله بالتوازي مع المساق الأول الذي يُعنى بتاريخ المنطقة العربية، من خلال صحافتها بشكل رئيسي.

وإذا كان الغرض من سؤالك هو الحديث عن مدى الاعتراف العلمي الذي يحظى به برنامج الزمالة في الأكاديمية، فإن هذا النوع من الاعتراف تناله الجامعات والأكاديميات المرخصة من قبل وزارات تعليم أو المرتبطة بهيئات علمية، وهو الأمر الذي لا ينطبق على مشروعنا طبعاً، وغالباً ما تحظى البرامج والأكاديميات المماثلة لمشروعنا باعتراف ذي طبيعة أدبية، يتزايد شيئاً فشيئاً خلال سنوات عملها، وهو ما نطمح إلى أن نتقدم فيه خلال السنوات القادمة.

يقودنا هذا إلى سؤال يتعلق بالجانب التقني للعمل الصحفي، الذي يبقى ضرورياً مهما كان البناء النظري متماسكاً. كيف ستتعاملون مع التفاوت بين المقبولين في مدى التجربة الصحفية العملية، وفي مدى معرفتهم بقوالب الكتابة الصحفية وتقنياتها.

سيبدأ البرنامج في أيلول المقبل مع المخيم الأول، الذي سيتعرف فيه المدربون والمدربات على المشاركين والمشاركات بشكل مباشر، ما سيسمح بتكوين تصورات واضحة على مهارات كل مشارك واحتياجاته. وبعد ذلك سيكون هناك مخيمان آخران، وعملٌ عن بعد في الفترات الفاصلة بين المخيمات.

يتكون منهاج الزمالة بشكل رئيسي من مجموعة محاضرات وقراءات لمقالات وأجزاء من كتب عربية ومترجمة عن لغات أخرى، وأيضاً عروضاً لفيديوهات وأفلام وإنتاجات مسموعة، سيتم نقاشها بشكل جماعي، وكذلك تكليف المشاركين والمشاركات بالكتابة عنها، ثم سيقوم المدربون والمدربات بمناقشة المشاركين والمشاركات في كتاباتهم ومقارباتهم تلك بشكل إفرادي. كذلك سيتضمن المساق الثالث عملاً مباشراً على نصوص يقوم المشاركون والمشاركات بكتابتها بمساعدة محررين في المؤسسات المشرفة على الأكاديمية، ونرجو أن تكون المساحات المتاحة للعمل الإفرادي كافية لتغطية التفاوت في احتياجات ومهارات المشاركين والمشاركات.

كيف سيتم اختيار المشاركات والمشاركات المقبولين من بين الطلبات التي ستردكم؟

يعتمد الاختيار بشكل رئيسي على النصوص التي سيكتبها المتقدمون، وعلى إجاباتهم على مجموعة من الأسئلة القصيرة الوارد في استمارة التقديم. وتسعى الأكاديمية عبر هذا البرنامج إلى جذب مشاركات ومشاركين معنيات ومعنيين بالشأن العام والتفاعل معه، تهمهم القصص اليومية للناس والأماكن، يتابعون العادات والتغييرات من حولهم، ويتساءلون عن أبعاد ودوافع القرارات السياسية أو الاقتصادية أو التشريعية الكبيرة، وأثرها على الحياة بتفاصيلها الصغيرة. من يُسائلون أصحاب السلطة ويتابعونهم. من يحبون سرد القصص بالصوت أو الصورة أو الكتابة، ومن يودون أن يعيدوا النظر في طريقة سردهم لقصصهم.

ستقرأ الاستمارات لجنة مكونة من خمسة أشخاص، أنا إحداهنّ، ومعي زملائي الذين ينوبون عن المؤسسات الأربعة القائمة على المشروع، والتي تمثل تحالف الإعلام العربي المستقل (ملتقى فبراير)، ومن ثم سنختار المجموعة الأولى بناءً على الكفاءة والقدرات وفقاً للإجابات والكتابات التي ستتضمنها الاستمارات، ونقوم بعدها  بإجراء مقابلات مع هذه المجموعة، لنختار منها 25 مشاركة ومشاركاً في الأكاديمية.

ثمة أوضاع خاصة بالسوريين، وقد تنطبق أحياناً على بعض حملة الجنسيات العربية الأخرى، وهي صعوبة السفر إلى دول أخرى، وأحياناً استحالته. هل ستلحظون هذا الأمر عند اختياركم للمشاركين المقبولين؟

فكرنا كثيراً في هذه المسألة، وندرك الصعوبات التي قد تعترضنا في هذا المجال. سنحاول عند اختيارنا لأماكن المخيمات أن تتمكن النسبة العظمى من المقبولين من حضورها؛ هذه ستكون أولويتنا في اختيار مكان المعسكر، وإذا تصادف أن هناك مقبولين يستحيل السفر بالنسبة لهم إلى مكان انعقاده، فسنعمل معهم على تقديم بدائل، من قبيل دعوتهم إلى مكان في بلد وجودهم، يتوفر فيه اتصال إنترنت جيد وظروف إقامة ملائمة، بحيث يتمكنون من المشاركة عن بعد، وفي ظروف أقرب إلى وجودهم المباشر معنا. لقد اخترنا اسم الأكاديمية البديلة، وسنحاول اقتراح بدائل لتجاوز كل الصعوبات التي قد تعترضنا.