بحور يافا وعوالمها السينمائية

 

«حتى إن مُتُّ يا يافا، ستعود روحي»، تقول إحدى الشخصيات لشقيقتها في الفيلم الوثائقي يافا أم الغريب لرائد دزدار (2019، 70 دقيقة). أمّا سمير، صاحب محل الأحذية في الفيلم القصير فراولة لعايدة قعدان (2017، 16 دقيقة)، فيخرج من الضفة الغربية هرباً ليعود إلى يافا. وفي فيلمها الروائي-التسجيلي حبيبي بيستناني عند البحر (2013، 80 دقيقة)، تبدأ ميس دروزة رحلتها من عمّان إلى يافا لتلحق بحبيبها حسن، الذي يُفترَض أن يكون بانتظارها عند الشاطئ، لكنّه يموت غرقاً في بحر يافا. وفي المقابل، لا تكترث شخصيات فيلم بيت البحر لروي ديب (2016، 75 دقيقة) لصراع البحر والعودة، بل تلتفت إلى كيفيّة تعريفها للحقائق والأشياء من حولها.

البحر

يشكّل البحر نقطة البداية في الأفلام الأربعة التي عُرضت في مهرجان المدينة للثقافة والفنون في نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) 2020.

في يافا أم الغريب، يشكلّ البحر الشيء ونقيضه. فقد ساهم وجود الميناء في يافا في ازدياد السياحة ووصول مختلف الزائرين إليها، كما أدخل إليها برامج ونشاطات ثقافيّة عديدة من مختلف البلدان المجاورة، كالعروض السينمائيّة والحفلات الموسيقيّة، وطوّر اقتصادها من خلال تصدير البضائع واستيرادها. فتح البحر في يافا باباً على الحياة، لكن سرعان ما صار البحر «الذي كان يحمل صناديق البرتقال الخشبيّة إلى العالم كلّه، يحمل الكثير من اللاجئين إلى مختلف البلدان القريبة»، بحسب المخرج رائد دزدار. 

يرتكز الفيلم على إثبات رواية وصول الفلسطينيين إلى هذه البلاد أوّلاً، لأنّه يريد أن يحكي للعالم القصّة الصحيحة منذ بدايتها، مدعّماً هذه الفرضيّة بعدد هائل من المستندات والصور العامّة للمدينة أو الصور الخاصّة لشخصيات عاشت في يافا، إضافةً إلى عناوين بعض الجرائد التي كانت تصدر في المدينة. لكن رغم ذلك، فإنّ الذاكرة الجماعيّة لم تناقش من وصل إلى البلاد أوّلاً، وركّزت على عرض حال البلدة الهادئ والمستقر قبل حرب العام 1948، إلى جانب مقاطع مؤلمة عن احتلال يافا واضطرار أهلها لمغادرة البلاد إلى الأبد.

أما في فيلم فراولة، فالبحر هو الغاية الأساسيّة لشخصية سمير، الذي يخرج هارباً عبر الأسلاك من الضّفة الغربيّة إلى يافا ليرى البحر. وفكرة التسلُّل وإخراج التصاريح وترتيب زيارة للبحر هي متكررة في الحياة اليوميّة الفلسطينيّة، ولا يمكن التقليل أبداً من كونها نقطة فارقة في حياة الفلسطينيين المحرومين من رؤية البحر. يعرّض سمير نفسه للخطر نتيجة تسلُّله إلى الداخل الفلسطينيّ وعدم حيازته تصريح دخول، فقط من أجل رؤية البحر لبضع دقائق أو ساعات. لقد فقد الفلسطينيّون في الشتات أرضهم وأبناءهم وبيوتهم، لكنّهم في كلّ مرّة يعودون أو يقصدون العودة أو يحلمون بها، يفكّرون تلقائياً بالبحر. قد يعجز غير الفلسطينيّ عن التماهي مع هدف سمير البسيط ويحسبه من الأهداف غير الجديّة، لكنّ زيارة البحر حيّة ومتجددة في السياق الفلسطينيّ بشكل يوميّ. وقد ظهرت بكلّ بساطتها وأناقتها دون توسّل عواطف الشفقة والبكاء عندما ثار سمير على صديقه، الذي تلكّأ بتنفيذ وعده بأن يوصله للبحر بعدما كان سمير قد أمضى يوماً بأكمله يساعده في العمل في البناء. ينتفض سمير كقطّ جريح مصمّم على هدفه: «بوّسِت كَنَادر عشان آجي أشوف البحر».

في بداية فيلم حبيبي بيستناني عند البحر، يظهر البحر صوراً قديمة مستخرجة من الألبومات العائليّة الخاصّة التي علّقتها المخرجة أمامنا على حائط أبيض، ليعود البحر ويصبح هائجاً حقيقياً يلامس قدمَيْ المخرجة وهي تسير على شاطئ يافا. بدأت رحلة ميس دروزة من عمّان إلى يافا وهي تلاحق طيف الراحل حسن حوراني (الفنان التشكيليّ الفلسطينيّ الذي مات غرقاً في البحر قرب يافا عام 2003). تحاول أن تقول لنا إنّ ما نحمله في الذاكرة منذ العام 1948 لم يعد حقيقياً. فتسأل أحد المارّة في الشارع: «وين في برتقال؟»، فيجيبها مستنكراً: «برتقال؟». وكأنّ ذلك كان من زمان، لأن يافا اليوم هي يافا بدون برتقال. تُتابع المخرجة سيرها إلى البحر، حيث تفترض أنّ حبيبها هناك، فتَصِل وحدها وتبقى وحيدة مع البحر، فالعودة إلى المكان بعد غياب طويل لم تكن مطابقة للشعور المتخيّل في الذاكرة. أصبح المكان مختلفاً، يحمل ثقافة ولغة مغايرة، والفلسطينيّ الذي ظنّ نفسه قطعة البازل الناقصة للّوحة، دخل إلى المشهد، فرأى نفسه نشازاً فيه.

يخرجنا بيت البحر من كلّ هذه النظرة الرومانسيّة للبحر، ويعرض لنا توتّراً ملحوظاً في العلاقة بين شخصيّات الفيلم. يبدأ الفيلم بكذبة: تحاول الأخت الكبيرة استبقاء زملاء أختها الصغيرة للسهر في البيت، عبر تلفيق كذبة بأنها مريضة في السرطان تتمنّى أن تجتمع لليلة واحدة مع أصحابها القدامى. بعد ذلك، تتوالى الأكاذيب، واحدة تلو الأخرى، مما يجعلنا نشكّك في حقيقة الأشياء من حولنا: هل الشخصيات التي بدأت الفيلم بالكذب باتت صادقة فيما بعد؟ وأين الحدّ الفاصل بين السخرية والجدّ في أحاديثهم؟

نرى البحر في نهاية الفيلم، حين تخرج الشخصيات الأربع إلى ساحة البيت الملاصقة للبحر. وتكشف الأختان عن ذكريات قالها لهما والدهما الذي كان مدمناً على الساحة، فقد قسّم لهما الساحة إلى أربع نقاط، تربط كل منها بين البيت ومكان آخر من العالم، ومن بين تلك الأمكنة مدينة يافا. تساعد كلّ نقطة في الانتقال من شعور إلى آخر. فإذا ما أرادت إحداهما رؤية يافا، عليها أن تقف على أقرب نقطة للبحر. وإذا كانتا حزينتين، عليهما الانتقال بين النقاط ليشحنا طاقتهما بمشاعر إيجابيّة. أمام البحر، يتمّ الاعتراف بكلّ التعقيدات والأسرار. فتقع الأُختان في حبّ الشخص ذاته، وتشعر إحداهما بالذنب لحدوث ذلك، بينما تستشيط الأخرى غضباً يجعلها تلفّق كذبة مرض شقيقتها بالسرطان. نكتشف لاحقاً أنّ هناك علاقة عاطفيّة بين الشابين اللذين حاولا طيلة الفيلم تلفيق أكاذيب عن حياتهما العاطفيّة حتى لا يشكّ أحد بميولهما المثليّة. لكننا لا نصل إلى أيّ حلول في النهاية، ويظلّ البحر ينتفض بأمواجه محاكياً مشاعر شخصيات الفيلم المتقلّبة.

الحلم

لم يكن البحر العامل الوحيد المشترك بين الأفلام الأربعة، بل كان هناك الحلم أيضاً. تعرض الأفلام الأربعة مفاهيم متعدّدة للحلم، فتبدو ذكريات شخصيات يافا أم الغريب عن المدينة وكأنّها حلم، أو أشياء حدثت البارحة؛ أوقات وأيام سعيدة لم يعكّر صفوَها إلا الاحتلال الذي يبدو وكأنّه حدث بين ليلة وضحاها وانتزعهم من لياليهم التي كانوا يصطفّون فيها طوابير أمام دور السينما، يتوزّعون ضاحكين بين المقاهي، يقرأون الجرائد ويقطفون البرتقال ويصنّعون الصابون. ظهرت يافا في ذاكرتهم وكأنها المدينة الفاضلة التي يعمّ فيها السلام والتآخي، ولا تنمو فيها الحروب الطائفيّة أو العرقيّة.

الحلم الأكثر بساطة إلى حدّ السخرية هو حلم زيارة البحر دون عوائق وتصاريح وتسلُّل، والعمل الطويل والمكثّف في ورشات البناء لتحقيقه. ذلك الحلم اليوميّ المؤرّق لإمكانيّة توضيب الحقائب لزيارة البحر، من دون أن يحدث ذلك، فيبقى الحلم معلّقاً بالرفض حتى إشعار آخر.

لا تختلف كثيراً أحلام الشخصيات التي سجّلتها ميس دروزة خلال رحلتها إلى البحر عن حلم سمير، لكنّها تظهر بطريقة معاكسة: عالم دون حواجز وجنود وتفتيش، لا يشكّل الجندي الإسرائيلي فيها جزءاً من المشهد اليوميّ للمدينة الفلسطينيّة؛ عالم دون قلق متواصل بالمستقبل المجهول.

في بيت البحر، بقيت الأحلام على المستوى الشخصي أحلاماً ثلاثة لا رابع لها: أمومة دون زواج، على أن يكون للأب خصال ومكانة عالية؛ التخلّص من الشعور بالذنب من الأخت الصغيرة لأنها شعرت بمشاعر عاطفيّة تجاه حبيب أختها السابق، وإمكانية التصريح بعلاقة مثليّة بين شابّين يضطران دائماً لاختراع شريكات حياة عندما يتحدّث الجميع عن علاقاتهم العاطفيّة. تُفصح تلك الأحلام، ومنها الأمومة والحبّ والخيانة الأخويّة والميول الجنسيّة المثقلة بالشعور بضرورة الاختباء، عن مخاوف هذا الجيل ورؤيته لذاته المنحصرة في عوالم نفسية متقاطعة.

الهويّة

شكّل البحث عن الهويّة أيضاً ثيمة بارزة في كافّة الأعمال، رغم اختلاف مدى تجذّرها ووضوحها. فالهويّة التي تحاول شخصيّات يافا أم الغريب حيازتها هي الهويّة الفلسطينيّة التي تتشكّل رغم النزوح والتهجير، وتُعيد النظر في أن يبقى المرء فلسطينياً رغم أنه غادر فلسطين شاباً صغيراً، وبنى حياته في مكان آخر استطاع التأقلم فيه.

يشعر سمير بالنقص لأنّه يعيش هويّة ناقصة يستخدمها فقط في نصف البلاد، ويحتاج للوصول إلى النصف الآخر منها حتى تكتمل هويّته الإنسانيّة. الأمر ذاته يحدث في فيلم حبيبي بيستناني عند البحر، حيث تشارك المخرجة في لقطات من الفيلم وتحكي عن رحلة البحث عن ذاتها التي ستتعرّف من خلالها إلى هويّة يافا، هذه المدينة التي مات حسن جرّاء حلمه المستمر بالوصول إليها والعوم في بحرها. الهويّات الفردية الضائعة التي يضطر أصحابها أن يُخفوا حقيقتها عن بعضهم هي هويّات بيت البحر، الهويّات الفردية الحقيقية التي ستعرّض أصحابها للمساءلة الأخلاقيّة إن كشفوا عنها. لكن في الليل، وفي بيت يُطلّ على البحر، يتكشّف لدينا ما يناقض هذه التصوّرات الأخلاقية.

تظهر في الأفلام، كما في الواقع، مشاهد يوميّة متشابكة؛ ضياع وتيه ملحوظ في البحث الطويل عن الهويّة الفرديّة والجماعيّة؛ أمنيات لا يتوقّف تحقيقها على السعي والجهد الشخصيّ، بل يتطلّب معجزة ويداً إلهيّة تعبث في المشهد، فيما تكبُر البلاد وتتغيّر وتكثر في وجوهها التجاعيد، لكنّها تظلّ في مخيّلة بعض الشخصيات شابّة وحرّة، إلى أن يعودوا إليها ليجدوها وقد تحوّلت إلى مدينة أخرى.