برنامج سوري لرصد شبكات السلطة

 

تم الإعلان يوم الجمعة الماضي، 5 تشرين الثاني (أكتوبر) 2021، عن إطلاق موقع مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية (البرنامج السوري) بشكل رسمي. وجاء ذلك عبر بثّ مباشر على صفحة المرصد على فيسبوك، تحدَّثَ فيه عدد من القائمين على المرصد عن أهدافه وآليات عمله. شاركَ في البثّ كل من كرم شعّار مدير البرنامج السوري في المرصد، ووائل علواني المدير التقني للمرصد، ومهند أبو الحسن مدير قسم البيانات، ولبنى قنواتي الناشطة النسوية وعضوة مجلس الإدارة في المرصد، وفضل عبد الغني مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان وعضو مجلس الإدارة في المرصد أيضاً. وأدارت الإعلامية نور مراد الجلسة، التي تم بثها أيضاً على صفحة الجمهورية على فيسبوك.

كان وائل علواني قد تحدّث عن هذا المشروع قبل أكثر من سنتين، وذلك في مقال بعنوان خرائط المعرفة للمنظومة الأسدية تم نشره على موقع الجمهورية.نت في أيلول 2019. ونتيجة عامين من العمل الحثيث مع فريق يكبر تدريجياً، تم اجتياز مراحل أساسية على صعيد جمع المعلومات وربطها وإدراج المحتوى في موقع إلكتروني يمكن إتاحته للاستخدام، بحيث بات المشروع جاهزاً للإطلاق بالتزامن مع استمرار العمل على جمع البيانات والتحقق منها وتحديثها وتوسيع الشبكات المرصودة. وقد تحدثنا إلى وائل علواني عبر الانترنت بمناسبة إطلاق المشروع، بهدف العودة معه قليلاً إلى لحظات البداية، والحصول على تفاصيل ومعلومات أكثر بشأن المشروع اليوم.

بدأت فكرة المرصد مع وائل بعد إنهائه دراسة الماجستير في تخصص ضمن مجال الذكاء الصنعي؛ يقول: «منذ لحظة تخرجي من برنامج الماجستير راح تفكيري يتركز حول كيفية استخدام التقنية للمساهمة في التغيير المجتمعي والسياسي. ومع البحث في الأدوات التحليلية التي يمكن أن تساعد، تنبّهت إلى فكرة التحليل الشبكي، وهي اليوم مبحث أصيل في العلوم الاجتماعية: computational social science. وثمة تطبيقات عملية عديدة لهذا المبحث، من بينها على سبيل المثال تحليل شبكات التنظيمات الجهادية الذي تستخدمه جهات أمنية وعسكرية. فمثل تلك الشبكات تساعد على تحديد الشخصيات التي يؤدي تحييدها إلى ضرب تلك التنظيمات أو إضعافها بشدة. كذلك كان مفيداً عملي في مجال تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي شبكياً، بهدف معرفة الشخصيات العامة الأكثر تأثيراً، واستثمار هذه المعرفة في مجالات تجارية وإعلانية، وهو ما ساعدني على فهم هذه الأدوات بشكل كبير».

يبدو إذاً أن أصحاب السلطة والقوة العسكرية والأمنية يستخدمون التحليل الشبكي لاستهداف خصومهم، فيما يستخدمه أصحاب رؤوس الأموال والمشاريع التجارية لفهم السوق ومضاعفة أرباحهم. لكنّ هذه الجهات تمتلك الوسائل التي تُمكّنها فعلاً من استخدام المعلومات التي يوفّرها التحليل الشبكي، وبالمقابل، طرحنا على علواني سؤالاً حول الفائدة التي يمكن أن تنتج عن معرفة شبكات السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فيما ليس في يدنا وسائل ناجعة في مواجهة أصحاب السلطة والمال هؤلاء.

يقول وائل إنه لا يحب استخدام مصطلح «المخابرات الشعبية» عند الحديث عن الرقابة الشعبية على منظومات السلطة وفسادها، لكنه يرى أن جمع المعلومات وتحليلها وربطها أمر بالغ الأهمية من أجل فهم هذه السلطات ومعرفة نقاط ضعفها والوسائل المحتملة لمواجهتها. ثم يجيب على سؤالنا عن الجدوى بشكل عملي من خلال الحديث عن القطاعات التي يسعى المرصد إلى تقديم معلوماته وأدواته لها: «أول هذه القطاعات هو القطاع الإعلامي، إذ سنساعد وسائل الإعلام على رفع الوعي لدى الناس بشأن تشابك المشهد الذي نتعامل معه، ما يساعدنا على فهم طبيعة الخصم الذي نواجهه. ولعلّ أول الأهداف المباشرة للعمل مع القطاع الإعلامي هو المساهمة في حماية الجمهور من الأخبار المزيفة، من قبيل المعلومات المغلوطة التي يسرّبها أصحاب السلطة بشكل مقصود لتضليل الجمهور. القطاع الثاني الذي نحاول استهدافه هو القطاع الحقوقي؛ على سبيل المثال أخبرنا عاملون في جهات حقوقية أخبرونا أنهم عندما يتواصلون مع المدعين العامين في دول أوروبية من أجل رفع دعوى على شخصية من النظام السوري، فإنّ أول سؤال يطرحه المدعي العام يكون عن هوية هذا الشخص وعلاقاته، وأحد الحلول الممكنة استخدام الشبكات التي نوفرها لعرضها على المدعين العامين بهدف إظهار مكان الشخص المدّعى عليه في شبكة النفوذ ومدى تأثيره فيها».

يتحدث علواني أيضاً عن ثلاثة قطاعات أخرى: «نسعى إلى العمل مع القطاع البحثي من خلال تقديم بيانات يمكن أن تساعد الباحثين على تقديم توصيات بشأن سياسات أفضل وأكثر فاعلية، ومن قبيل ذلك مثلاً ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية بهدف وضعها ضمن استراتيجية شاملة، بحيث تكفّ عن كونها مجرّد إجراء لرفع العتب ومراعاة الرأي العام. والقطاع الرابع هو المجتمع المدني، من خلال زيادة معرفة منظماته بشبكات النفوذ، ما نأمل أن يساعدها على تحسين أدائها للتأثير في السلطات والمجتمع، من قبيل تطوير برامج الإصلاح المؤسساتي التي يمكن تطبيقها بعد إنجاز تغيير سياسي في سوريا. والقطاع الخامس هو القطاع الخاص، من خلال كشف شبكات الفساد السلطوية، ما قد يدفع أصحاب رؤوس الأموال إلى تجنّب الدخول في شراكات مع الشبكات الأكثر فساداً وإجراماً، إما حفاظاً على سمعتهم، أو ببساطة لأنّ رأس المال جبان ولا يريد التورط في علاقة قد تؤدي به إلى عقوبات أو خسائر كبرى». يضيف علواني أخيراً في هذا الشأن أن تقديم المعلومات اللازمة في هذا القطاعات سيكون بالغ التأثير دون شكّ، لكن و«قبل كل شيء، فإنّ وجود هذه الشبكات سيساعد على دمقرطة المعرفة بسوريا، وإتاحة المعلومات للناس ليستطيعوا فهم السلطة التي اعتُبرت لغزاً لسنوات طويلة».

عن فريق المرصد، يقول علواني إنه نما خلال السنتين الماضيتين، لكنّه بقي صغير نسبياً إذ لا يتجاوز عددهم اليوم عشرة أشخاص «موزعين على عدة مهام؛ فهناك اليوم مسؤولون عن جمع البيانات وتحديثها والتأكد من موثوقيتها، وباحثون يعملون عن تحليل البيانات، وقسم يعمل على الجانب التقني. والفريق اليوم مكوّن من رجال ونساء من خلفيات اجتماعية متعددة وتوجهات فكرية متنوعة، الأمر الذي جاء تأكيداً لفكرة أن مشروعاً كهذا سيجذب اهتمام سوريين متنوعين جداً لأنه يخاطب هماً عاماً لدينا جميعاً». وبالإضافة إلى فريق العمل، هناك مجلس إدارة ومجلس استشاري، يضمان عدداً من المثقفات والمثقفين من كتاب ونشطاء وصحفيين.

يستخدم المرصد قاعدة بيانات شبكية مماثلة لتلك التي يستخدمها الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين منذ عملهم على تسريبات أوراق بنما؛ يقول علواني: «تُقدّم هذه الأداة فوائد كثيرة، فهي الأفضل عند التعامل مع شبكات النفوذ لأنها تأخذ في حسبانها العلاقات التي تربط الأطراف وقوة هذه العلاقات. ولعلّنا من أوائل المنظمات غير الحكومية في المنطقة العربية التي تستخدم هذه الأداة، وقد حصلنا عليها من الشركة الفرنسية المطورة لهذا النوع من قواعد البيانات، والتي اعطتنا حق استخدامها مجاناً لمدة ثلاث سنوات ما ساعدنا كثيراً في الانطلاق».

يتيح المرصد اليوم الاطلاع مجاناً على جزء من البيانات التي يوفرّها بشكل محدود، فيما يمكن الاشتراك بمقابل مالي متفاوت حسب الشرائح للحصول على مزيد البيانات والخدمات. ورغم أن المرصد مؤسسة غير ربحية، إلا أنه «لا يمكن الحفاظ على استمرارية العمل دون عوائد مالية تساعد على تأمين وقت العمل الطويل اللازم لجمع البيانات وتحليلها وإدارة الجانب التقني» بحسب علواني. حتى الآن، حصل المرصد على منح مالية صغيرة من جهات في الاتحاد الأوروبي بما لا يكفي لتغطية النفقات اللازمة، ولا يتردد وائل في القول إن طموحهم هو الوصول إلى مصادر تمويل ودعم تسمح بإتاحة أكبر قدر ممكن من البيانات مجاناً للعموم.

يبدو واضحاً من خلال استخدام عبارة «البرنامج السوري» أن المرصد يسعى إلى توسيع عمله بحيث يشمل بلداناً أخرى، وهو ما يؤكده وائل علواني، شارحاً أنهم سيعملون لاحقاً «على تمكين فرق من الناشطين والباحثين في بلدان المنطقة من أجل بناء الشبكات الخاصة ببلدناهم بحيث يكون هناك برامج لدول عدة»، مضيفاً أن العمل مستمر على البرنامج السوري، بحيث يشمل سائر شبكات النفوذ دون أن يقتصر على تلك التابعة للنظام بشكل مباشر.

في نهاية المكالمة، أخبرنا وائل أنه على المستوى الشخصي يشعر بأنه بات يفهم النظام السوري بشكل أعمق بعد انخراطه في هذا العمل، مؤكداً أنّ تحليل خرائط المعرفة سيساعدنا للانتقال إلى مستوى آخر من التفكير والتحليل، مشيراً إلى التفكير النُظُمي باعتباره أحد الأدوات المهمة التي يجب تبنيها مستقبلاً في تحليل بنية النظام السياسي والاقتصادي في سوريا والمنطقة، والعالم.