بروكسل يتجدد منقوصاً

 

استضافت العاصمة البلجيكية بروكسل مؤتمر «دعم مستقبل سوريا والمنطقة»، الذي جرت أعماله على مدى ثلاثة أيام نهاية الأسبوع الفائت، والذي يُعقد للسنة الثالثة على التوالي في بروكسل برعاية كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويهدف إلى حشد الدعم المالي لجهود العمل الإنساني والإغاثي في سوريا، وإلى دعم دول جوار سوريا التي تستضيف لاجئين سوريين على أراضيها.

ويُعدّ مؤتمر بروكسل استمراراً لجهود سابقة، أفضت إلى مؤتمر للمانحين في العاصمة البريطانية لندن عام 2016، وقبله ثلاثة مؤتمرات سنوية عقدت في الكويت للهدف نفسه، إلّا أن تراجع دور كل من بريطانيا والولايات المتحدة، الدولتين اللتين كانتا تتصدران قوائم الدول المانحة لدعم العمل الإنساني في سوريا، دفع الاتحاد الأوربي إلى رعاية هذا الحدث والإشراف عليه إلى جانب الأمم المتحدة، باعتباره أكبر مانح لدعم العمل الإنساني في سوريا اليوم.

خلال مؤتمر صحفي في ختام أعمال المؤتمر، أعلن كل من ريستوف ستيليانيديس، المسؤول عن المساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات لدى المفوضية الأوروبية، ومارك لوكوك منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة في حالات الطوارئ لدى الأمم المتحدة، عن تعهد الدول الداعمة بتقديم 6.9 مليار دولار خلال العام الحالي، وهو مبلغ أكبر من الذي تعهد به المساهمون في العام الفائت، والذي بلغ 4.4 مليار دولار.

وقد سجّلَ المؤتمر غياب الولايات المتحدة عن طاولة الداعمين مجدداً للمرة الثانية على التوالي، الأمر الذي يضع العبء المالي الأكبر على الاتحاد الأوروبي ودوله، إذ تعهدت ألمانيا هذه السنة بتقديم 1.4 مليار دولار من ضمن مجموع تعهدات المساهمين الدوليين، لتكون بذلك ثاني أكبر داعم للعمل الإنساني في سوريا بعد الاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من ارتفاع المبالغ التي تعهد بها المساهمون الدوليون عن نظيرتها في مؤتمر بروكسل الماضي، إلا أنها لم تصل هذه السنة أيضاً إلى مستوى التوقعات والمتطلبات، إذ كانت الأمم المتحدة قد طلبت تسعة مليارات دولار لتغطية تكاليف العمل الإنساني في سوريا ودول الجوار عام 2019. ويهدد استمرار الفارق بين التعهدات الدولية والاحتياجات الطارئة للعمل الإنساني في سوريا بتدهور أوضاع هذا القطاع، الذي يدعم حياة الملايين من السوريين في ظروف الحرب المستمرة في البلاد منذ سنوات. وبحسب الأمم المتحدة، فإن التعهدات المعلنة في مؤتمر بروكسل الثالث ستمول خطة الاستجابة الإنسانية وخطة دعم اللاجئين الإقليمية، اللتين تقوم الأمم المتحدة بتنسيق عمليات تنفيذهما، ذلك بالإضافة إلى أنشطة أخرى.

بالتوازي مع أعمال المؤتمر، عُقدت عدة لقاءات ومؤتمرات صحفية، شهدت تصريحات أوروبية عديدة تتعلق بمستقبل العملية السياسية في سوريا وإعادة الإعمار، تضمنت التأكيد على الشرط الأساسي القاضي بالتزام النظام بعملية سياسية مثمرة برعاية الأمم المتحدة، وأضافت إليه ضرورة عدم التهرب من محاسبة مجرمي الحرب، كشرط جديد لصرف أية أموال في عملية إعادة إعمار سوريا. وفي هذا السياق قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوربي فرديريكا موغريني إن «الأموال التي وفرها الاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار، لن يتم صرفها إلا إذا بدأت عملية سلام ذات مصداقية في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة».

وعلى هامش أعمال المؤتمر، قامت منظمات مجتمع مدني سورية بتنظيم عدة لقاءات وفعاليات، كان من بينها اللقاء الذي عُقد في قاعة المركز الدولي للصحافة تحت عنوان «حماية العاملين في المجال الإنساني في سوريا»، الذي نظمته كل من الشبكة السورية لحقوق الإنسان والجمعية الطبية السورية الأمريكية والدفاع المدني السوري ومنظمة بيتنا سوريا، وقدم المتحدثون خلال هذه اللقاء وجهات نظرهم حول وضع العمل الإنساني في سوريا اليوم. وقال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، للجمهورية: «إن أهمية هذه اللقاءات التي نظمناها في بروكسل بالتوازي مع أعمال المؤتمر، تأتي من أن أجندات تلك اللقاءات تحمل أولوياتنا نحن كسوريين، وكمجتمع مدني سوري».

شهد المؤتمر أيضاً حضوراً لوزراء ومسؤولين من دول الجوار السوري، من بينهم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، وقد قدم الوزراء تصورات بلادهم عن التحديات التي خلقها وجود اللاجئين السوريين على أراضيها. وبالتوازي مع ذلك، تصاعد الخلاف داخل الحكومة اللبنانية بين كل من التيار الوطني الحر برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل، ورئيس الحكومة سعد الحريري، بعد أن وصف باسيل الأموال التي ستتلقاها بلاده من مؤتمر بروكسل، بأنها أموال «توطين»، الأمر الذي يضع الشريكين في الحكومة اللبنانية على شفا صدام سياسي هو الأكبر منذ الاتفاق بين الطرفين قبيل انتخاب ميشيل عون رئيساً للجمهورية.

ورغم الدعم المقدم، فإن العمل الإنساني مع اللاجئين السوريين، يواجه تحديات خطيرة خلال هذه الفترة، من بينها دعوات أطلقتها عدة جهات سياسية ضمن دول الجوار لإعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا، حيث لا تتوافر أي مقومات أمنية أو معيشية تسمح بذلك، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري. كما أن استخدام الملف الإنساني سياسياً في تلك البلدان، سيؤدي إلى مزيد من التضييق على حرية العمل الإنساني ويزيد من صعوبة وصول المساعدات إلى المحتاجين من اللاجئين السوريين، فيما يواجه العمل الإنساني داخل سوريا تحديات من نوع مختلف، على رأسها استهداف قوات النظام وحلفائه في موسكو وطهران نقاط العمل الإنساني والمراكز الحيوية عن طريق القصف المباشر، أو استهداف الكوادر العاملة.

في الوقت الذي جاء فيه هذا المؤتمر مناسبة لتكرار التصريحات الأوروبية حول ربط المساهمة في إعادة الإعمار بالتقدم في العملية السياسية، ومناسبة لإضافة شرط جديد يحضر للمرة الأولى في هذا السياق، وهو ضرورة محاسبة مجرمي الحرب أيضاً قبل السير في تمويل إعادة الإعمار، إلا أن تأثير هذه الشروط على مستقبل الوضع في سوريا سيبقى محدوداً للغاية، في ظل استمرار غياب أي استراتيجيات واضحة للضغط على النظام وداعميه.