بعد سنوات من الانسلاخ، فليبكِ عصام الشوالي

 

يعود المنتخب السوري إلى بلاده مطأطئ الرأس. وقبل أن يخرج من الملعب، يستديرُ نصفَ استدارة ليجد سوريين يرقصون فرحاً في مدرجات الفريق الخصم. سوريون يحتفلون احتفالاً عارماً بسبب خروج منتخب بلادهم من بطولة آسيا، وذلك بعد أن أقاموا احتفالات مشابهة لدى خروجه من تصفيات كأس العالم العام الماضي.

هذا الفرح، يقابله حزن وحسرة كبيرين في صفوف من يشجعون المنتخب، وهم ليسوا جميعهم من مؤيدي النظام بالتأكيد، لكن جميع من يريدون لهذا المنتخب أن يتحطم ويعود أدراجه مكسور الآمال هم من خلفيات معارضة. المؤيدون والمعارضون، دفتا ميزان تتحركان دوماً باتجاه معاكس بعد كل حدث له انعكاسات عاطفية على هاتين الشريحتين المتضادتين، لا تجتمعان على صعيد واحد، لا في الفرح ولا في الحزن.

يستغرب ملايين العرب كيف يمكن لهؤلاء السوريين أن يفرحوا بخسارة منتخب بلادهم وخروجه من البطولة. يفسرون ذلك على أنه انتكاسة وطنية وضعف في الشعور القومي والانتماء، فيما يذهب آخرون إلى القول بأن من لا يحمل خيراً لبلاده لا يحمل خيراً للآخرين. يرى بعضهم أن السوريين الراقصين على دموع اللاعبين المنهمرة، هم ثلة من العملاء والموتورين والمضطربين نفسياً، ويشيرون إلى أن ذلك علامة على اقتراب الساعة. فقد شجّع هذا المنتخب ملايينُ العرب حزناً على سوريا الجريحة، وفاضت دموع عصام الشوالي ويوسف سيف أسفاً على خروجه.

ينظر الآخرون إلينا نظرة مسحية باردة، مدججين بالمساطر الأخلاقية وكتالوغات الانتماء والوطنية، يرون أن هناك طريقة ما يجب للمرء أن يتعامل فيها مع وطنه ورموزه، إذ أنه يجب أن يتسامى عن ضغائنه، لأن الوطن يوحد أبناءه، ومن لا يريد أن يتوحد فهو قليل أدب. ودخولاً من هذا الباب، هذه محاولة متواضعة لرصد مجموعة التحولات الحادة أو «الانسلاخات» التي دُفع السوريون لخوضها... مضطرين في الغالب.

تكسير أسنان الوحش

كان الفعل الجمعي في التمرد والرفض انسلاخاً أولياً عن نمط سائد في الحياة، يدفع الملايين للمحاباة والحرص والخوف وكتم الأنفاس وإنشاء الأجيال على تقبيل الأيدي. الحراك الرافض لهذا النمط جاء بالصوت العالي والقبضات المهتزة في الهواء، وجمل التحدي والإصرار. لكنه تحطم تدريجياً بعد أن كشر الوحش عن أنيابه. العنف المفرط الذي تعرض له الصارخون، قوبل بغض طرف أممي. ودخل المتظاهر «الدرويش» في متاهات هائلة من الجيوسياسة والصراعات الدولية والإقليمية. وشاهد الفيلة تتوافد للرقص في حارته، فبدأت المرحلة الرومانسية بالتداعي، دافعةً المتظاهر «الدرويش» إلى مجموعة من التحولات الحادة في الوجدان والمبادئ والسلوك.

من الصراخ إلى الخرطشة

تعود تلك المرحلة الأولى إلى البال كشريط عتيق، تدور له رحى الحنين من تلقائها، ثم تلاها ظهور السلاح وحملات القصف والتدمير الممنهجة، والقصف بالغاز السام، وتحولت فيها الساحات التي امتلأت بالحشود إلى ميادين للكر والفر والعربات الإسعافية المغبرّة. ظهرت في هذه المرحلة ميليشات وجيوش وألوية، تصدرت المشهد وانتظمت وراءها صفوف جديدة من الناس، تبرر أحياناً ما تفعله بحجة الضرورة المرحلية وقتال النظام، رغم ارتكاب هذه الفصائل انتهاكات تطابق في بعضها ما فعله النظام الذي يُفترض أنها نشأت لمقاومته. كانت أفعال هذه الفصائل، ودعم كثيرين لها، انسلاخاً واضحاً عن قيم العدل والحق والحرية، تحت ضرورات عسكرية، ذلك أن العدو على الأبواب، وعدد لا يستهان به من الفصائل رفعت مقصلة الحرام والحلال. ما حدا بمساحات الحرية التي فاضت بالصراخ، إلى التقلص أمام خرطشة البنادق وقداسة الرايات... وانسلخ السوريون عن صرخاتهم.

جماهير جديدة في مدرجات الانسلاخ القومي 

بعد أن هدأت الجبهات، وطويت مرحلة المعارك الكبرى بتهجير مئات الآلاف إلى الشمال السوري، بدأ أثر النفوذ الإقليمي على الشرائح الأهلية السورية بالانكشاف، بعد أن كان هذا النفوذ جلياً في مرحلة القتال، من خلال تحريك وتسكين الفصائل، وفتح وإغلاق الجبهات. 

كانت معركة عفرين إشارة واضحة على هشاشة النسيج السوري وأثر النفوذ الدولي والإقليمي عليه. وطفت العداوة بين كرد كثيرين، وعرب كثيرين، إلى الواجهة، قنبلةً موقوتةً، وصارت عبارات المحو المتبادلة، والرفض المطلق، عنواناً جديداً لمرحلة عنوانها الرغبة بالسلخ والانسلاخ، ما أضاف جمهوراً جديداً للهازئين من فكرة الوطن الجامع، والخريطة الواحدة، والمصير المشترك.

الدونر... الحرية... الأسى 

ساطور الولاء والبراء استمر في تشريح الجثة السورية، وطفت إلى السطح مواجهات جديدة يخوضها السوريون في المنافي، كلٌّ حسب مكان إقامته أو توجه مموليه. قادت هذه المواجهات أذرعٌ إعلامية وسياسية إقليمية، أفضت إلى انسلاخات جديدة بين السوريين المعارضين. واستخدمت غرابيل ضارية قسمت المعارضين إلى مجموعات تنتف ريش بعضها، وتوزعُ الاتهامات بالعمالة، وترفع القوائم السوداء على رؤوس الرماح.

دُفع السوريون المعارضون الباحثون عن الرزق ولقمة العيش في المنافي، والذين يتشاركون رفض الطغيان على أية حال، إلى الانخراط في مشاريع ومؤسسات تحاسبهم على المنشور واللايك. إلى أجندات تجردهم من أثمن ما قاتلوا وتهجروا وخسروا لأجله. الحرية. وكان هذا تتويجاً للانسلاخات الأكثر إثارة للأسى. ذلك أنه كان عودة ناعمة إلى النقطة صفر، إلى مرحلة الكلام المحسوب والأنفاس المكتومة والحرص والمحاباة، رغم الفواتير الباهظة التي دفعوها من لحم الأطفال وطوب المدارس.

انسلاخ اضطراري عن الذات

وفي موازاة كل هذه الانسلاخات الصعبة، ينظر السوري إلى الحملات الانتخابية التي تُقام في الدول التي لجأ إليها. يرى دولاً تعقد الاتفاقات بالمليارات كي لا يعبر إليها. يسمع ضجيجاً في البرلمانات وعراكات تُخاض بسببه. يشعر أنه عبء وضيف ثقيل. تهزّه نظرة الشرطي وسؤاله من أين أنت. يقول للسائق إنه من أي مكان آخر كي لا يتأفّف. الجميع يريده أن يكون سواه، وهو ينكر ذاته وينسلخ عنها رغبة في راحة الجميع، ويهتف الآن في المدرجات ضد منتخب بلاده دون أن يرى ضرورة في تبرير ذلك. قد تكون رغبته بخسارة هذا المنتخب هي الشيء الوحيد الذي يجمعه بأقرانه القدامى، الذين هتف معهم في الميدان، قبل أن تحول بينهم مشاريع الآخرين وجدرانهم العالية... فليبكِ عصام الشوالي إذن.