بلد الطوابير

 

الساعة الآن الوحدة والنصف ظهراً، البنك التجاري السوري مكتظٌ عن آخره بالمراجعين، صفوفٌ طويلة ممتدة من الناس أمام النوافذ الزجاجية، ينتظرون دورهم لاستكمال أوراق أو استلام أموال أو دفعها. يتجمع وراء الكوات الزجاجية حشد من الموظفين والموظفات، الذين يبدون أقرب في سيمائهم إلى شخصيات بقعة ضوء؛ موظفة تضع أحمر الشفاه الفاقع والعطر الصارخ والعلكة التي تكاد تخرج من فمها، وموظف يجلس في كوة زجاجية أشبه بالعلبة، معروف بأنه لا «يمشّي» أمور الناس ما لم يقبض «الحلوان». الحلوان أمرٌ أساسي هنا كما كان منذ الأزل السوري الذي أعرفه، ولعل الأجدى بهم إدراجه كطابع إضافي إلى جانب طوابع المجهود الحربي والمالية والصحة والطوابع الأخرى.

بين الجموع، كان هناك سيدة حاسرة الرأس متشحة بالسواد، تنتظر أن تستلم معاش ابنها «الشهيد في الجيش»، كانت تبدو منكسرة وهي تترجى الموظفين أن ييسروا أمرها لأنها من قرية بعيدة. وغيرها كان هناك موظفون وموظفات وطلاب جامعات ومدرّسون ومدرّسات ونساء محجبات وغير محجبات وأناس بلهجات مختلفة، يوحي بعضها أن أصحابها من قرى وأحياء معروفة بموالاتها للنظام. الكل ينتظر دوره، الغضب والتململ سيد الموقف، وقد بدا الموظفون متشنجين، يحاولون باللطافة المدعاة الممكنة طرد المراجعين قائلين إن الكهرباء مقطوعة والبنك سيغلق، وإن اليوم هو الخميس وعليهم العودة يوم الأحد.

يبصق أحد المراجعين على الأرض، ويشتم الوطن والحكومة بلهجة القرى الموسومة بمولاة النظام، والتي بات يعرفها الجميع. تراقبه العيون بصمت، وتدّعي الجموع أنها لم تسمعه. كثير من العساكر ومرتدي الثياب العسكرية كانوا في الطوابير أيضاً، ويمكن للمراقب مشاهدة الاستياء الواضح على جميع الوجوه. ولأنني كنت أعرف أن أموري لن تنجز بسبب انقطاع الكهرباء، فقد استغللت الفرصة لأستمتع بمشاهدة كل ما يجري. نحن الآن وهنا كتلة واحدة، خليط «متجانس» من الشعب بكل أطيافه، يعاني في لحظة فارقة معاناة واحدة، ويرزح تحت سقف واحد من الظلم والهوان، من انقطاع الكهرباء والأمل.

هذا واحد من المواقف اليومية التي يعيشها كل «مواطن» في سوريا الأسد، حيث تتنوع المعاناة اليومية وتشتد بغض النظر عن انتماءات «المواطنين الرعايا» أو عن مكانتهم الاجتماعية. وقد تصاعدت هذه المعاناة خلال الأشهر الأخيرة، حتى بات التذمر والسخط مسموعاً بصوت عالٍ، لا سيما مع أزمة الغاز الأخيرة، التي شاهد الجميع تعبيراتها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص.

وليست أزمة الغاز هذه هي الأزمة الوحيدة، لكنها جاءت تتويجاً للأوضاع الخانقة، وجاءت في وقت استعاد فيه النظام سيطرته على مناطق كثيرة، ونجح في إبعاد كل جماعات المعارضة المسلحة من وسط البلاد وجنوبيها ومحيط العاصمة، وهو ما جدد التوقعات بأن الأوضاع ستعود إلى ما كانت عليه في مرحلة ما قبل الثورة، التي يسميها البعض مرحلة «كنا عايشين».

جاءت مشاهد الناس المصطفين في طوابير ممتدة منذ ساعات الصباح الباكر، وإلى جوارهم جرار الغاز الفارغة، لتبدد ذاك الوهم، كما تبدده الضائقة الاقتصادية التي تشتد حول رقاب الجميع. وبعد الوقوف في الطابور لساعات طويلة، يجد مئات الأشخاص أنفسهم بلا جرار غاز ممتلئة، وهو ما يدفع بعضهم إلى سلوك طرق أخرى. أحد جيراننا مثلاً دفع للمعتمد المسؤول عن توزيع الغاز ضعف الثمن الرسمي المحدد لتبديل جرة الغاز الفارغة، مفضلاً ذلك على ذل الوقوف في البرد والانتظار، وهو الحل الذي قد لا يجد كثيرون سبيلاً إليه، فيبقون محرومين من وسيلة أساسية للطهو وحتى التدفئة.

بنسحب هذا الذلّ على كل خدمة يحصل عليها المواطن، بما في ذلك الراتب الشهري الذي يتقاضاه، وتشهد على ذلك الصرافات الآلية الشحيحة المكتظة، كما يشهد البرد على ذلك أيضاً، إذ للحصول على المازوت اللازم للتدفئة قصة أخرى. يحق لكل مواطن استلام مئة ليتر من المازوت المخصص للتدفئة فقط، والمحظوظ فقط هو من يستلم حصته فعلاً، حتى بات البعض يتباهون بأن في منزلهم «صوبيا». ينتظر المواطنون بلهفة صوت سيارات المازوت، التي تأتي بالتناوب إلى الأحياء. يتجمع الناس حولها فرحين في مشهد محزن، لكن كثيرين أيضاً لا يطالهم دور استلامها. وثمة شريحة لا تملك المال الكافي لدفع ثمن المازوت، وهنا يتم اللجوء إلى أمر بات السوريون يعرفونه جيداً، إذ يبيع كثيرون مخصصاتهم من المازوت بأثمان مضاعفة لأولئك الذين يستطيعون الدفع ولا تكفيهم المئة ليتر المخصصة لتمضية الشتاء.

أولئك الذين يبيعون مخصصاتهم من المازوت لينفقوا ثمنها على أشياء أخرى، وأولئك الذين يفشلون في الحصول على مخصصاتهم، يلجأون إلى وضع خطة أُسرية لدرء البرد، تعتمد على ارتداء عدد مضاعف من الثياب، والالتفاف بعدد أكبر من البطانيات، حيث يجلس أفراد الأسرة بجانب بعضهم ملتفين مثل الشرانق، مستخدمين المدافئ الكهربائية عندما يكون هناك كهرباء أصلاً، لمواجهة ليالي البرد الأقسى. 

أزمات مشابهة متفاوتة بالشدة من وقت لآخر ومن منطقة لأخرى يعيشها السوريون، بخصوص الكهرباء والماء والخبز وغيرها، حتى بات الأمر يبدو وضعاً طبيعياً ينبغي أن نكون قد ألفناه. وهو ما حصل فعلاً، ليس عن رضى بطبيعة الحال، لكنها ضريبة الحرب كما يقول البعض، أو لعلّها، وهنا أقتبس من خطاب النظام: «الحرب الاقتصاديّة التي فرضها أعداء سورية على الشّعب السّوري، كمحاولة منهم لحصاره والنّيل من إرادته وتحطيم أسطورة صموده».

في المرة الأخيرة التي قرأت فيها هذا التبرير على إحدى الصفحات المؤيدة للنظام، كان متبوعاً بنصائح للمواطنين عن كيفية ترشيد استخدام الغاز والماء والمازوت والكهرباء، وكانت التعليقات الساخرة عليه تحمل وراءها ما تحمل من ضيق الجميع بخطاب النظام الذي يتبجح بالنصر، ولا يستطيع تلبية أبسط احتياجات القاطنين تحت حكمه. كتب أحدهم معلقاً على ذلك بالحرف: «مو على أساس حلفاؤنا الأعزاء أكبر مصدرين للغاز بالعالم، متل ما ساعدو بالأسلحة يساعدو هلء بالغاز»، وكتب آخر: «أي أي وفروا الغاز لإخواننا الروس، هني بحاجتو أكتر منا»، وثالث: «لك نحنا رموز الصمود والتصدي برافو!».

يرتفع هذا النوع من الاحتجاج مؤخراً، حتى أنه راح يتجاوز الناس العاديين ليظهر على ألسنة فنانين وأشخاص معروفين بولائهم الشديد للنظام. وإذا كانت معظم تلك الاحتجاجات تستخدم لغة حذرة كمن يمشي على نصل سكين، وتحرص في معظمها على عدم استخدام تعابير أو مفردات تنتمي لخطاب الثورة، مع بعض الاستثناءات القليلة بالغة الغضب عالية السقف، فإنها تطرح سؤالاً حول معناها وجدواها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه في ظل الأوضاع الراهنة.

نستطيع أن نرجع هنا إلى كانون الثاني 2016، بعد تفجيرين ضخمين طالا حياً موالياً للنظام في حمص، وأوديا بالعديد من الضحايا والجرحى. وقتها نزل العديد من الشبان الموالين الغاضبين واعتصموا في أحيائهم وقطعوا الطرق، مطالبين بإقالة المحافظ واللجنة الأمنية. اعتبر كثيرون يومها أن ذلك أمر لافت، وحدثٌ يحمل رمزية «عدوى الثورة»، فالاعتصامات في النهاية كانت احتجاجاً على عدم قدرة الحكومة على حماية مواطنيها، وكانت أسلوباً ثورياً للتعبير عن الخوف وانعدام الأمان الذي يعيشه أهل هذه المناطق.

لكن تلك الاعتصامات ما لبثت أن توقفت، والأصوات العالية ما لبثت أن خفتت بعد وعود وتطمينات، تبعتها إقالة بعض الشخصيات الأمنية والعسكرية. استطاع النظام وقتها لملمة الأمر سريعاً، وبدا أنه «اقتتال أهل البيت الذي يمكن احتواؤه»، لكن أسلوب الاحتجاج بقي في ذاكرة كثيرين، لا سيما عند الطرف الآخر المعارض المقهور، كما أنه اعطى إشارة غير مطمئنة للنظام.
واليوم، مع المعاناة العامة التي تلوك الجميع بنيرانها، ومع ارتفاع نبرة الغضب، يأمل كثيرون لو أن هذا السخط يُنتج شرخاً حقيقياً بين النظام وأنصاره، أو بين النظام وبقية الشعب الرازح تحت حكمه. وتبدو ملامح هذا الشرخ واضحة فعلاً، لكن السؤال يبقى حول إمكانية قياس مدى فاعلية هذا الشرخ وعمقه وآثاره على المجتمع والنظام، خاصة عندما نراقب ونعايش عن قرب التفسخات والشروخ المجتمعية العميقة، وانعدام الثقة بين الجميع، والخوف من الأسوأ الذي يمكن أن يأتي بديلاً عن الحاضر السيء أصلاً.

رغم هذا، كتب ويكتب كثيرون في صحف ومواقع إلكترونية عن ثورة جوع قادمة لا هوية سياسية واضحة لها، وقد لا يصمد النظام أمامها ما لم يجد لها حلولاً. ولا نعلم إذا كانت هذه النبوءات قابلة للتحقق يوماً، لكن ما يمكن رؤيته بوضوح على المدى المنظور، هو أن هذه الإرهاصات والمناشدات ليست سوى قطرات مياه رقيقة جداً وغير متتابعة تسقط على حجر صلد، ليس لها هذا الأثر المشاع المرجو منها اليوم، لكنها قد تحدث تغييراً في زمن ما، إذا ما استمرت، وتتابعت، وتكاثفت، واشتدت، حتى ينشق ذاك الحجر.