بورتريه لناشط لا يستطيع ذكر اسمه

 

هذا هو العام السابع له في بلدته الصغيرة، التي تخضع الآن لاتفاق مصالحة مع النظام السوري، والتي لم يخرج منها على الإطلاق خلال هذه الفترة، ولا يبدو، حسب الظروف التي يُعايشها اليوم، أنه سيخرج قريباً. هو مسلوخٌ عن العالم، ومُحاصرٌ بالخوف والكوابيس والقلق من تغيّر الظروف، ومن احتمال وصول يد السجّان إليه.

الناشط «الذي رفض ذكر اسمه»، بدأ العمل الإعلامي والإغاثي في بلدته، الواقعة في ريف دمشق والتي يرفض ذكر اسمها أيضاً، مطلع 2012، وذلك بعد أن قرر الامتناع عن الذهاب إلى دمشق إثر تعرضه للضرب على حواجز النظام في الطريق منها وإليها أكثر من مرة آن ذاك. وقد شهدت بلدته منذ ذلك الحين وحتى اليوم مراحل عدة من سيطرة القوى المختلفة، وقصته تشبه قصص معظم النشطاء الذين بقيوا في مناطق المصالحات في سوريا، وتسلط الضوء على مصائر هؤلاء الشبان الذين كانوا منخرطين في الثورة والعمل المدني، ولكنهم اليوم متروكون للمجهول والخطر الذي يبعد عشرات الأمتار عنهم فقط.

حين كان النظام مسيطراً على بلدته، بدأ الناشط بالمشاركة في المظاهرات ورفع الفيديوهات، واستمر بذلك بعد سيطرة فصائل المعارضة المسلّحة على البلدة، وهي الفصائل التي احتكّ معها أيضاً بعد تكذيبه معلومات نشرتها وتبنت فيها عملية عسكرية لم تقم بها، ما عرّضه للاعتداء من عناصر أحد تلك الفصائل أيضاً.

اليوم هو في أواسط العشرينات من عمره، وكان من بين الذين تركوا كل شيء للمشاركة في الثورة. ترك دراسته لأنه كان على يقين أن التغيير العام «أبدى من الطموحات الشخصية»، ولذلك قرَّرَ ترك القلم وحَمَلَ الكاميرا. اليوم تخضع منطقته لاتفاق مصالحة مع النظام السوري، لكن النظام لا يسيطر عليها بشكل مباشر، وإنما تتواسط لجنة المصالحة بين النظام والأهالي في تسيير شؤون المنطقة.

بعد عمله ونشاطه ضد النظام خلال السنوات السابقة، لا يستطيع هذا الناشط اليوم أن يغادر منطقته، بسبب الاعتقال المحتوم، رغم حرصه على العمل باسم مستعار طيلة السنوات السابقة. وهو يخاف من أن يقرر النظام الدخول إلى منطقته بشكل مباشر، لأنه لا يعرف إلى أين سيذهب في هذه الحالة، فكل الطرقات محاصرة بالحواجز التي تفوح منها رائحة الموت.

حاول الناشط تسوية وضعه مع النظام أكثر من مرة، ولكن الأمر لم ينجح. يقول للجمهورية إن «النظام يتسامح مع العساكر المنشقين أكثر من الإعلاميين»، ويضيف: «تعرضتُ للابتزاز المادي كثيراً ليتم تسوية وضعي، وقد طلب أحد الضباط مبلغ 6 مليون ليرة لقاء ذلك. المبلغ خيالي ونحن بالكاد نحصّل قوت يومنا. هذا الضابط قال لي إنه في حال تم القبض عليّ، فإن مبلغ 30 مليون ليرة لن يكون كافياً لإخراجي من المشكلة حينها».

يتابع الناشط: «فكرتُ أيضاً بالخروج عن طريق التهريب إلى مكان آخر، ولكني عَدلتُ عن ذلك بسبب الأسعار العالية وخطورة الأمر. أحد الأشخاص الذين أعرفهم جرَّبَ ذلك، وتبيّنَ أن المُهرّب الذي هرّبه، وكان يتفاوض معي على ذلك، متعاونٌ مع النظام، وقد ساقه إلى أحد الفروع الأمنية ولا نعرف عنه شيئاً اليوم».

يقول الناشط إنه والنشطاء الإعلاميون، الذين يرفض النظام تسوية أوضاعهم، محبوسون في المناطق التي يقيمون فيها ولا يستطيعون التحرك. هو على سبيل المثال لم يستطع حضور ولادة زوجته في العاصمة، وحين كُسرت ساقه اضطّرَ لتجبيرها كيفما اتفق بسبب شحّ الإمكانيات والمعدّات الطبية، ما أدى إلى تفاقم حالتها حتى باتت بحاجة إلى عمل جراحي لمعالجتها، وسيكون ذلك مستحيلاً إلى أجل غير معروف.

يؤجل النظام فكرة دخوله إلى مناطق المصالحات وارتكاب انتهاكات واسعة فيها، خشية تمرد الأهالي، وقد حصل، وفقاً للشاب، أن اعتُقل رجل مسنّ وتجمَّعَ الأهالي للاحتجاج على ذلك، ما دفع لجنة المصالحة للتدخل والإفراج عنه بهدف تهدئة التوتر.

يرى النظام كيف تتصاعد الاحتجاجات ضده في درعا اليوم مثلاً، ويحاول أن لا يفتح باباً للمواجهات مع سكانها أو سكان مناطق المصالحات الأخرى. يضطر المطلوبون اليوم إلى المراوحة في أماكنهم، وعدم التحرك والمغامرة بسلامتهم، ما يؤدي إلى شلل حيواتهم على كافة الصعد، في مناطق تفتقر إلى معظم الخدمات.  

يختم الناشط حديثه بالقول إنه «يجتاز الموت المترصد على مبعدة أمتار منه كل يوم»، مضيفاً: «كوابيس الاعتقال تداهمني كل فترة، فضلاً عن أن وجودي في حيّز جغرافي صغير جعلني أحفظ المشاهد المكثّفة التي تمر أمام عينيّ، حتى صرتُ أعرف عدد بلاطات الرصيف التي أمر بقربها، وأين تنبت الأعشاب بين كل بلاطتين، لكن ما لا أعرفه هو إلى متى ستظل أحلامي بإكمال التعليم وممارسة الحياة الطبيعية مؤجلة وبعيدة المنال».