بيت يفتح أبوابه على العالم

 

صدرت في شهر نيسان (أبريل) الماضي الترجمة الألمانية لنص الحرية: البيت، السجن، المنفى… العالم، الذي كتبه ياسين الحاج صالح عام 2016 ونُشر في موقع الجمهورية. وقام المترجم غونتر أورث بترجمة النص من العربية، وجاءت الترجمة في كتيب من 90 صفحة من القطع الصغير، تضمَّنَ أيضاً تقديماً كتبه جورج خليل، المنسق الأكاديمي ومدير الأنشطة في منتدى الدراسات عبر الأقاليم وفي معهد أوروبا في الشرق الأوسط EUME، بالإضافة إلى بورتريه عن ياسين الحاج صالح ونشاطه، كان قد كتبه ولف ليبنيس، المدير السابق لـ معهد الدراسات المتقدمة في برلين، وسبق أن تم نشره بشكل مستقل في جريدة Die welt الألمانية عام 2018 بعنوان «في السجن أصبحتُ منيعاً ضد اليأس». وصدر هذا الكتيب عن دار Matthes und Seitz Berlin الألمانية، ضمن سلسلة منشورات قدّمها منتدى الدراسات عبر الأقاليم، وهي سلسلة تضمّ ثلاثة نصوص أخرى هي: يهودي الإسلام لـ سوزانا هيشيل وفيلولوجيا الحرية لـ شلدون بولوك، وكتاب مجموعات عالمية لمدن معولمة لـ نيل ماكغريغور.

الحرية: البيت، السجن المنفى ..العالم هو نص أقرب إلى قصة تجريدية مفاهيمية في تأمّل الحرية؛ الحرية التي تبدأ من البيت وتنفتح على العالم. والحركة هي المرادف الذي يعبر عن حرية الفرد، الذي يقرر الخروج من بيته وعن بيته من أجل استكشاف مساحات وعوالم جديدة، لكن إمكانية العودة إذا شاء المرء تظل خياراً متاحاً أمامه، وهذا الخيار شرط أساسي لاكتمال مفهوم الحرية. أما إذا مُنع الفرد من العودة إلى بيته، يصبح كل ما هو خارج البيت منفى، أما إذا مُنع من الخروج من بيته صار البيت سجناً. جوهر الحرية كما يقدمه الحاج صالح في نصه هو الدفاع عن حرية وكرامة شخص آخر، لا بدّ أن يكون شريكاً ورفيقاً، ولذلك فإن الحرية بالضرورة غيرية وتشاركية. صحيحٌ أن هذا النص ينطلق من السياق السوري، لكنه يتسع ليضم سياقات أخرى عالمية،  ويطرح تصوراً للحرية لا يمكن أن يُستثنى منه فرد أو مجتمع أو منطقة من هذا العالم. 

في الخبر الصحفي الذي نشره الموقع الإلكتروني لمنتدى الدراسات عبر الأقاليم، والذي تم من خلاله الإعلان عن صدور الترجمة الألمانية، جاء أن الحاج صالح «يفكر بالحرية كتغيير وحركة، كتاريخ وطريقة عيش. هي الخروج والعودة، وهي بالضرورة طريق محفوفة بالمخاطر». قام الحاج صالح «برسم تصور إنساني يوتوبي على شكل  بيوت مفتوحة الأبواب»، أما مجمل التفكير بالحرية في النص، فهو ينطلق من تجربة الحاج صالح الذاتية، بعد أن أمضى 16 عاماً في المعتقلات السورية، وما يقترب من سبع سنوات في المنفى منذ العام 2013. وهكذا فإن هذا النص، بحسب المنتدى، هو نداء ضد «ضيق أفق التنوير»، ونداء من أجل «بيوت مفتوحة، ليس من أجل سورية فحسب، بل من أجل العالم أجمع».

في بداية تقديمه للترجمة الألمانية، يشير جورج خليل إلى أن «برلين كانت في بدايات القرن الحادي والعشرين عاصمة للمنفيين العرب؛ لم تكن أي مدينة أخرى، ليست بيروت، ولا القاهرة وليست لندن ولا نيويورك. وفي الوقت الحالي تمتلك برلين دوراً مشابهاً لدورها في الماضي، لما لها من أثر على الأكاديميين والفنانين والمثقفين القادمين من  دول عربية مختلفة. وإذا كانت النهضة العربية في القرن التاسع عشر تشكلت عبر جهود لإعادة إحياء اللغة والأدب، وإعادة التفكير بالتقاليد والهوية الوطنية وحق تقرير المصير، فإن الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية هي مبادئ مرتبطة بالربيع العربي 2011، وتعني بشكل خاص مجموعة من المثقفين والأكاديمين المعاصرين، والحاج صالح من هؤلاء المثقفين في عصرنا الحالي». يرى خليل أن الحاج صالح يناقش القضية السورية، في مقاله هذا، بصفتها «باراديغم يعكس حالة العالم الراهنة».  

تكمن أهمية خيار الترجمة ونشر النصوص التي قدمها منتدى الدراسات عبر الأقاليم في أنها تقدم منظوراً عابراً للحدود المفروضة على العالم، منظوراً يقارب ظهور عالم تعددي متشابك خارج أوروبا. وبحسب ما يذكر موقع المنتدى عن هذه الدراسات، فإن هناك «عيوباً خلقية» في العلوم الثقافية والاجتماعية الحديثة، التي تقف أحياناً عائقاً في طريق الإدراك المنهجي للعلاقات العالمية المتشابكة. «العيب الولادي الأول» هو أن نشأة معظم العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة كانت مرتبطة بالدولة القومية، وذلك من حيث موضوعاتها وأسئلتها ووظيفتها المجتمعية المتمحورة حول الدولة والمجتمع في داخلها.» والعيب الثاني هو تمركز التخصصات الأكاديمية الحديثة حول أوروبا، «إذ اعتبرت أن أوروبا هي القوة الدافعة المركزية لتاريخ العالم». لكن في التاريخ الحديث، تغير الوضع بشكل جذري، وأصبح عالم القرن الحادي والعشرين «أكثر عالمية، متعدد الأقطاب، ومتعدد الطبقات». في عصر العولمة، يرى المنتدى أن أوروبا أصبحت منذ فترة طويلة منطقة واحدة من بين مناطق أخرى، لذلك لم يعد ممكناً رؤية القضايا العالمية من زاوية أوروبية، ولا دراسة الزمن الحالي بمنهجيات تعود للقرن التاسع عشر. 

يتجاوز النص المترجم مهمة التعريف بالقضية السورية، وينتقل إلى مستوى التبادل والتشابك عبر مقاربة عابرة للدول والأقاليم، لتكون ترجمته مساهمة في تشكيل التفاعلات عبر الحدود وفي المنافي، وفي تشكيل مستقبل العالم الحديث، الذي تصوّره الحاج صالح في هذا النص من منظور الحرية الإنسانية، باعتبارها قيمة ًعليا ومدخلاً جوهرياً لدراسة علاقة الفرد بنفسه وبالمجتمع والدين والدولة والحدود، وغيرها من الجدران السميكة التي يحاول اختراقها.