بيوتر بافلنسكي و«اللعب» مع السلطة

 

«بيوتر بافلنسكي ليس مجرماً خطيراً، وأفعاله لا تصل إلى حدّ ما قام به سيلفادور دالي، أندرية بيرتون، روبيرت ديسنوس، ماكس إيرنست، لويس بونويل، وغيرهم، كما أن تصرفاتهم سببت فضائح واضطرابات تفوقُ مما تسبب به بيوتر بافلنسكي، الذي يقوم أولاً، وقبل كل شيء، بتعريض جسده ولحمه وصحته للخطر...».

الاقتباس السابق جزءٌ من رسالة كتبتها عام 2017 المخرجة المسرحيّة الفرنسية أريان منوشكين، مديرة مسرح الشمس، تخاطب فيها المحكمة في باريس، وتَسألُ فيها عن سبب طول فترة اعتقال بافلنسكي، فالأخير، بعد أن هرب من روسيا وطلب اللجوء في فرنسا، قام في العام ذاته بإحراق واجهة وباب بنك فرنسا، الواقع في ساحة الباستيل في العاصمة الفرنسيّة باريس، ووُصِفَ ذلك في بيان نشرته الأوكرانيّة إنّا شيفشينكو، رئيسة حركة فيمين، على حسابها على تويتر بقولها: «إحراق بنك فرنسا يعني إضاءة الحقيقة التي حاولت السلطة أن تجبرنا على نسيانها. فسجن الباستيل دُمِّرَ من قبل الشعب الثائر، بوصفه رمزاً للاستبداد والسلطة. وفي المكان ذاته، تمَّ بناء صرح جديد للاستعباد، وهو البنك، الذي خان الثوار، وموّل النبلاء المجرمين. بنك فرنسا أصبح كسجن الباستيل، وأصحاب البنوك أخذوا مكان النبلاء...».

هرب بافلنسكي من روسيا إثر تلفيق اتهامات له بالاعتداء الجنسيّ على إحدى الممثلات، وخُيِّرَ حينها بين ترك روسيا أو السجن لعشر سنوات، هذا التهديد، ليس الأول من نوعه، لكنه الأخطر، فقبلها تعرَّضَ بافلنسكي المولود عام 1984 للاعتقال عدة مرات، إلى جانب إحالته إلى عدد من المصحات النفسيّة بوصفه مختلّاً عقلياً.

عام 2012، برز اسم بافلنسكي على الساحة الفنيّة لأول مرة، حينها أخاطَ شفتيه سويّةً دعماً لفرقة Pussy Riot، التي أقامت استعراضاً غير مرخصٍ في كنيسة «يسوع المنقذ» في موسكو، احتجاجاً على دعم الكنيسة الأرثوذوكسية للحملة الانتخابية لفلاديمير بوتين. بعد ذلك تتالت العروض التي قدمها بافلنسكي، ليصبح أحد أشهر فناني الأداء المعارضين للنظام الروسيّ، ومؤخراً صدرت النسخة الفرنسية من كتابه، قضية بافلنسكي: السياسة كفنّ، عن دار لواسون الفرنسيّة، ترجمة غاليا أكيرمان، والذي يمكن اعتباره وثيقةً أو بياناً سياسياً-فنياً، يشرّح مفهوم الفن السياسي، وموقف بافلنسكي من السلطات المعاصرة، وأنظمة الهيمنة الإيديولوجية التي توظفها «الدولة».

كأي فنان أداء محترف، يمارس بافلنسكي التنظير للأداء إلى جانب الأداء نفسه، مُنتجاً نظريةً معرفيّةً وجماليّة، ترى في الأداء «حدثاً»، ليس فنياً فقط، بل سياسيّاً، كونه يعكس آراءه الأناركيّة اليوتوبيّة، إذ نقرأ كيف يُعدّ للأداء، وتفاصيل «العرض»، والمفهوم الذي يعكسه، والسياق التاريخيّ الذي يعمل ضمنه، وموقع جسده ضمن هذا السياق، بوصفه محوراً للعمل الفنيّ، ووليد علاقات قوة ونمذجة.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، تُمثّل موقف بافلنسكي من السلطات التي يحاربها، فالقسم الأول يتألف من ثلاثة لقاءات طويلة، أجرتها معه صحفيّة روسية عام 2015 قبل اعتقاله لمدة سبعة أشهر. أما القسم الثاني بعنوان «التعليمات»، فيحوي محاضر التحقيق التي أجريت معه عام 2014 بعد عرضه «حريّة»، الذي أحرق فيه مع عدد من الفنانين مجموعة من إطارات السيارات على جسر في سانت بيتر سبورغ، دعماً لثورة أوكرانيا، واحتجاجاً على موقف روسيا من الشعب الأوكراني الثائر. أما القسم الثالث، فهو عبارة عن سلسلة من النصوص، والبيانات الفنيّة والسياسيّة، بعنوان «تقلّصات بيروقراطيّة واقتصاد جديد للفن السياسيّ».

ضد «الكتابة»

يعكس الكتاب علاقة المؤدي مع «النشاط اللغوي»، بوصفه شكلاً من أشكال الاحتجاج، ففي القسم الأول، يبرز موقفه من السلطة الإعلاميّة، وماكينة البروباغاندا الثقافيّة، التي تخلق الوعي الزائف بالعالم، وترسّخُ سلوكيات الطاعة. وفي حواره مع المحقّق، ينتقد الأدوات القضائية والجنائيّة التي تخلق موضوعها الإجراميّ، إذ نقرأ أداء لغوياً يفكّك تقنيات التدوين التي تمارسها السلطة ويهزأ منها. أما في القسم الثالث، فيكتبُ عن موقفه من الفن، كأننا أمام مانيفستو جماليّ، يَشرح فيه آلية عمله كـ «فنان سياسيّ»، منتقداً أشكال التسليع الفنيّ الرسميّة، ومساهمتها في البناء السيميائيّ لخطاب السلطة.

ضد «الدور الرسميّ»

يعارض بافلنسكي نظام فلاديمير بوتين بشدة، ويرى أن أشكال الهيمنة الإيديولوجيّة ما زالت قائمةً بالرغم من انهيار الاتحاد السوفييتيّ، فأجهزة الدولّة الآن جعلت من الأفراد أشبه بـ «الزومبي»، أو موتى-أحياء عالقين ضمن أدوار الطاعة، يرددون شعارات الولاء بوصفهم كتلة بشريّة تسعى الدولة لجعلها متجانسّة. وضمن الأدوار السابقة، يبرز الفن السياسي بوصفه خلخلة لأدوات السلطة، وتوظيفاً لها كجزء عضويّ من العمل الفنيّ، فجسد المؤدي موضوعة فنيّة وسياسية تسعى للانعتاق من أشكال التشيؤ. وبالنسبة لبافلنسكي، السعيُ نحو التفكير الحرّ لا ينحصر فقط ضمن الأداء العلنيّ، بل ينسحب على الحياة الخاصة، إذ يرفض التسميات الرسميّة، فهو ليس زوجاً، بل صديقاً لأمّ ابنتيه، كما يرفض التعامل بالمال إلا في الضرورة القصوى، ويكسبه حين يحاضر في بعض المؤتمرات للتعريف بالفن السياسيّ. ولا يرى مانعاً من أن يرتدي الثياب ذاتها دائماً، أمّا وشم وحش الـAlian -الكائن الفضائي من فيلم بالاسم ذاته- على جسده، فيعكس صراعه الذاتيّ، والكائن الذي يسعى للحرية داخله. نقرأ عن محاولاته الدائمة لنفي الأدوار التي ترسمها الدولة، إذ يخرّبها ويسخر منها، وهذا الرفض الأناركيّ برأيه، لا يقتصر فقط على السلطة في روسيا، بل يمكن ممارسته ضمن أي سياق مكانيّ أو زمانيّ.

ضد «الشرطة»

تمثّل الشرطة أعنف أجهزة السيطرة التي تمتلكها الدولة، أما الكتلة البشريّة التي تمارس السلطة ضمنها، فيمكن وصف أفرادها بأنهم متماهون معها، ومفصومون عن ذواتهم. ويرى بافلنسكي أن هذا الجهاز يمارس وظيفته على مستويين، الأول هو النشاط الفيزيائي، الذي يهدف لتبديد الخطر وإقامة «النظام العام»، ويتضح ذلك في الأداء الذي نفّذه عام 2013 باسم «هيكل-carcass»، إذ قام بلفّ جسده العاري بأسلاك شائكة، واستلقى قرب باب أمام مبنى البرلمان في سانت بيترسبورغ، احتجاجاً على عودة بوتين للرئاسة. العنصر المحرك لهذا الأداء ليس جسد المؤدي نفسه، بل الشرطة التي كانت أمام مهمة مزدوجة؛ تبديد الخطر الذي يهدّد الأمن العام، وفي الوقت ذاته الحفاظ على جسد «المواطن/ المؤدي»، فالشرطة «سلطة الانضباط» والمسعفون «سلطة السلامة الجسديّة» أصابتهم الحيرة، وكانت حركاتهم وأفعالهم هي التي تشكّل العرض، في سبيل تحويل الجسد العاري إلى مواطن صالح، وإعادة التوازن إلى الفضاء العام.

تمتدّ جهود الشرطة إلى ما بعد «الحدث» أو المستوى الثانيّ، الذي يتمثل بما يسميّه الجهودَ اللغوية والسيميائيّة لإعادة التسميّة، إذ تُحوِّلُ محاضر الشرطة والمحققين مكان العرض إلى مسرح للجريمة، كما تُستَخدَمُ ضده تهمٌ مبتذلة، كتشويه المعالم الأثرية الوطنيّة وتخريب القيم الثقافيّة، وهذا ما حدث بعد اعتقاله إثر عرضه «تهديد»، عام 2015، عندما أحرق الباب الأثري لمبنى المخابرات الروسيّة، الذي كان سابقاً مبنى الاستخبارات السوفييتيّة، فالتهمُ السابقة تنفي التاريخ الوحشي للمكان، وهي جزءٌ من جهود الشرطة البيروقراطيّة للحفاظ على السلطة والأمن العام. وهنا يبرز موقف بافلنسكي من «القانون الجنائيّ» بوصفه وثيقة تمثّل الحقيقة والسلطة والقوة، إذ تمارس عبره جهود «إعادة التسمية»، لضبط وتصنيف الأفراد، ومحاربة إرادتهم الحرّة. وأيُّ ممارسات خارج سياقه تنتهي بالعقاب. وهذا ما نقرأه في القسم الثانيّ من الكتاب، ففي حواره مع المحقّق يرفضُ بافلنسكي التسميات والكلمات الرسميّة التي يستخدمها المحقّق، وأحياناً لا يردّ، كما أنه يؤدي لغوياً، عبر تفادي الإجابة وممارسة حقه بعدم تجريم نفسه.

ضد «المشفى»

يرى بافلنسكي أن ما يُفلِت من قبضة القانون الجنائي، يخضع لعنف جهاز سياديّ آخر، يتمثّل في مشافي الأمراض العقليّة، حيث تستخدم روسيا الاتحاديّة الآن، كما الاتحاد السوفييتي سابقاً، الأمراض العقليّة المبتدعة كوسيلة للقمع والتجريم. احتجاجاً على ذلك، وعلى توصيفه بالمضطرب عقلياً، قام عام 2014 بأداء عرض «انفصال»، حين جلس عارياً على سور مشفى سيربيسك للأمراض العقليّة في موسكو، ثم قطع شحمة أذنه، منتقداً جدار الفصل بين العقلاء المطيعين والمعارضين المجانين، إذ يرى أن نظام التصنيف السابق يُرسّخ «المنطق» الذي تريد السلطة من الأفراد أن يتبعوه، إذ تُراهِنُ على خوفهم من «الجنون» و«الغرائز الحيوانيّة»، وتمارس لقمعهم سلطة «الحفاظ على الحياة»، فحين حُبِسَ في غرفة في المشفى سيء السمعة منذ العهد السوفييتيّ، كان الأطباء يقولون له إنهم يحمون حياته، وإنه يشكّل خطراً على نفسه، وخصوصاً أنه قبلها وفي يوم الشرطة في روسيا، قام بالجلوس عارياً على الرصيف في الساحة الحمراء في موسكو، ودقَّ مسماراً في كيس صَفَنه، لتُكَالَ عليه تُهَمُ الجنون، في حين أنه كان يحاول تصوير موسكو بوصفها معتقلاً كبيراً، لا يستطيع فيه الفرد الحراك كما في معتقلات الأشغال الشاقة.

يرى الطب النفسيّ في حكايات وتأويلات بافلنسكي أعراضاً مرضيّة، ويخلق سلسلة من الممارسات اللغوية البيروقراطيّة لنزع الأهلية عنه، باعتباره خَطِراً، ويشكّلُ تهديداً على الأمن العام، ولا بدّ من احتجازه.

ضد «الفنّ»

يُسائِلُ بافلنسكي السياسات الحيويّة–bio politics عبر الممارسة الفنيّة، إذ يُعريّ جسده ليظهر كإنسان فقط، ويخاطر بوحدته العضويّة، ليكشف أساليب الهيمنة التي تمارسها السلطة في روسيا للحفاظ على «الأمن»، ويرى أن الفن الذي لا يُسائل السلطة يتحوّل إلى زينة وديكور، كونه ينصاع للأشكال الجماليّة التي ترضى عنها الدولة، التي هي فاشيّة حكماً، كونها تصادر الإرادة الحرّة، ما يجعل العمل الفنيّ المتصالح مع النظام مجرّدَ زركشات أو تسلية تُحابي العنف وتقبل بالشكل القائم، فالفن إن لم يكن أناركياً أو رافضاً أو نافياً لعلاقات الهيمنة، فليس إلّا دعارة، ينصاع عبره الفنان لرغبة السلطة، أو لمن يدفع أكثر، في حين أن وظيفة الفن السياسيّ، هي اختبار العلاقة بين الموضوع والغرض، وفضح تقنيات السلطة في تحويل الفرد إلى «شيء»، عبر سلسلة من الجهود القانونيّة والمؤسساتيّة، لضبط سلوكه والتحكم بأشكال التعبير التي يمارسها، وبناء نظام العلامات الذي يؤمن به. كما أن الفنان السياسيّ، كبافلنسكي، يسعى دوماً لخلق قطيعة مؤقتة من روتين الحياة اليوميّ المهيمن، وخلخلة سيمياء الفضاء العام، عبر التلاعب بذاكرة المتلقي، والحكايات التي يعرفها عن المكان، ما يكسر الانسجام والتجانس الذي تحافظ عليه الدولة وأجهزتها.

ما زال بافلنسكي في السجن في فرنسا حتى الآن، بتهم تخريب الممتلكات العامة، وتعريض حياة الآخرين للخطر، وقد أضرب عن الطعام عدة مرات، كونه ممنوع من التواصل الخارجيّ حتى مع زوجته، فالسلطات عرضته على أطباء نفسيين، وصادرت الرسائل التي تصله، وهناك تخوّفٌ من ترحيله إلى روسيا وإسقاط اللجوء عنه.