تاريخ التعذيب: الانتقام يُبادل المواقع بين الجلاد والضحية

 

تُطالعنا أخبار وصور ونتائج التعذيب كهاجس مستمر في العالم العربي عموماً، وفي التجربة السورية منذ العام 2011 على وجه الخصوص. وعندما تكتب أحرف كلمة «تعذيب» على محرك البحث غوغل، سيكون التعذيب في سوريا، التعذيب في مصر، التعذيب في السجون السورية، من بين المقتراحات الخمسة الأولى بكل تأكيد. ولقد مارست كل الأطراف المسلحة على الساحة السورية جريمة التعذيب، حتى أصبحت تثير لدى كثير من السوريين إحساساً بالذنب، ووصمة عار يصعب تجاوزها.

كيف يصبح التعذيب ممارسة منتشرة؟ ما الأسباب التي تؤدي للجوء إليه؟ وما هي الغايات التي يمكن تحقيقها من خلاله؟ والأهم؛ ما هي الآثار التي يتركها على العقد الاجتماعي؟ على الضحايا وعلى المنفذين؟ وعملياً، كيف يمكن تجاوز مرحلة ساد فيها التعذيب كطريقة لـ «الحوار» بين أبناء المجتمع الواحد؟ هل هناك من تدابير أو إجراءات ضرورية على مستوى التجربة التاريخية أو التشريعية أو الثقافية ينبغي القيام بها، أو تفعيلها في هذا المجال؟

يبدو كتاب تاريخ التعذيب، للمؤلف بيرنهاردت ج.هروود (1926-1987) من ترجمة ممدوح عدوان (1941– 2004)، ملائماً للمرحلة الراهنة التي نعيشها، وقد صدرت منه أربع طبعات كان آخرها في العام 2017. وهو يبدو ملائماً على وجه الخصوص لأن مؤلفه لم يعالج الأمر عن طريق الوقوف مع أحد طرفي المعادلة، الجلادين والضحايا، بل كان يُسائل كامل الثقافة الإنسانية، فيكتب في المقدمة موضحاً: «حتى في الوقت الذي نكتب فيه هذه الكلمات، هناك دم جديد يُسفك في مكان ما من العالم. وهناك مهانات جديدة يوقعها بشر على رؤوس بشر آخرين. ولكن ليس هناك أهمية لأي تمييز بين من هم الجلادون ومن هم الضحايا، فالعنف يطغى على التفاصيل كلها، وحين ننظر إليه نظرة مستوضحة لا نرى إلا صورة الإنسان – هي صورة واحدة متكررة».

التعذيب في العصور القديمة

لا تحدد الدراسات المختصة المرحلة التي مُورس التعذيب فيها للمرة الأولى، لأنه لا ذكر للتعذيب في القانون البابلي ولا الموسوي، غير أننا نعرف أن كلاً من البابليين والعبرانيين القدامى كانوا يخصون الأسرى من الأعداء، وكانوا يعدمون المجرمين بالرجم أو بالنشر إلى نصفين أو بالحرق.

وكذلك اعتبر الإغريق التعذيبَ وسيلة لانتزاع الحقيقة، وكان التعذيب بالكرة النحاسية أحد أهم «إبداعات» الإغريق في هذا المجال، وهي من اختراع رجل أثيني اسمه بيريلوي. وإذا كان لنا أن نصدق حكايته، فإنه كان أول إنسان يموت باختراعه، وبأمر من الرجل الذي ابتُكرَت من أجله الكرة النحاسية، أي الطاغية فالاريس.

مثلما هو الأمر في أثينا، كان التعذيب في روما يُستخدم أصلاً كوسيلة لانتزاع الشهادات من الشهود، وكانت الأساليب التي اتبعها الجلادون الرومان في البدء هي نفسها التي كان يستخدمها الإغريق بشكل عام. وكما فعلوا في الميادين الأخرى، كان الرومان يأخذون مبادئ أساسية عن الإغريق ثم يشذبونها ويطورونها ويوسعونها.

يكتب ج.هروود في كتابه: «باختصار، فقد صار التعذيب، بالنسبة إلى المواطن الروماني العادي شبيهاً بما يعنيه التلفزيون للمواطن الأمريكي في القرن العشرين: الشكل الأكثر انتشاراً للتسلية الشعبية ولتخدير الجماهير. وفي النهاية بدأ السياسيون يُخضعون الألعاب لتكاليف باهظة من أجل كسب ودّ المواطنين. ومع الأيام لم يعد التنافس الفعلي في الميدان أو في الحلبة، بل بات بين مقدمي العروض أنفسهم، وصارت المعركة تدور حول من الذي يستطيع تقديم المشاهد الأكثر وحشية والأكثر دموية».

في الفترة الرومانية أصبح تقتيل المسيحيين جزءاً من التسلية العادية، ووصلت السادية إلى أعلى ذراها. ولذلك فإن أكثر الأوصاف دقة للعذابات الغريبة يمكن إيجادها في تواريخ الكنائس، وبشكل خاص في سير الشهداء العديدة، أي سير القديسين. ولكن ما حدث في النهاية معروف على مستوى التاريخ، فليس الأمر فقط أن روما قد تبنت عقيدة أتباع المسيح، بل إن المسيحيين أنفسهم تبنوا روما، وتبنت الكنيسة لغة من كان يضطهدون أتباعها، فبعد قرون قام الأحفاد الروحيون لأولئك الذين ماتوا تحت التعذيب دفاعاً عن عقيدتهم باستخدام الوسيلة نفسها، والأمر كله باسم العقيدة.

أما الصينيون، فقد استطاعوا لكونهم أصحاب ثقافة قديمة أن يطوروا التعذيب إلى درجة عالية من التعقيد والمنطق، وتكمن حجتهم في فلسفة جعل العقوبة تتلاءم مع الجريمة. كما أن العديد من أشنع أشكال التعذيب قد مورست في إفريقيا، يوردها المؤلف تفصيلاً في كتابه.

يعتبر المؤلف ج. هروود أن الفكرة الرائجة في الغرب، والتي تقول بأن الشعوب الشرقية هي أشرس الشعوب على وجه الأرض، وبالتالي فإنها الأكثر خبرة في فن التعذيب، ليست صحيحة ولا دقيقة. ومن خلال بحثه واستعراضه التاريخي، يتنقل حول كامل جغرافية العالم، ليثبت أن التعذيب مورس من قبل كل الحضارات، وبالمقدار ذاته من الوحشية والقسوة. وسواء في البلاد التي توصف بالمتحضرة أو غير المتحضرة، المتطورة أو غير المتطورة، فإن التعذيب واحدة من الممارسات التي يتشابه فيها الجميع، حسب رأيه.

التعذيب وسيلة لتحقيق الهدف

رغم أن التعذيب مورس عبر العصور كوسيلة لانتزاع المعلومات، وهذا، بالطبع، كان ومايزال، المبرر الأكثر شيوعاً لاستخدامه، فإن ج.هروود يرى فيه مبرراً واهياً، لأن الكثيرين يموتون تحت التعذيب دون أن يعترفوا أو يكشفوا عن أي شيء بالإكراه، وعلى العكس من ذلك، كان آخرون يعترفون بأي جريمة تُلصق بهم ويقدمون أي معلومات حتى لو كانت غير دقيقة عندما يخضعون للتعذيب، ففي كل مرة يمارس فيها التعذيب لفترة طويلة، يصبح من المستحيل على الضحية أن تثبت براءتها.

بدقة، يحاول الكاتب وصف الآليات النفسية التي تحكم ذهنية مرتكبي التعذيب: «إننا سنكون في منتهى الساذجة إذا خطر لنا أن من يقومون بالتعذيب يهتمون أي اهتمام ببراءة ضحاياهم أو إدانتهم. فحين لا يعلنون عن أنفسهم على أنهم أدوات الانتقام الإلهي، فإنهم يدّعون أنهم منفذو العدالة العمياء. وبمعزل عن السلطة التي يدّعون خدمتها، فإن مبادئهم غير المرئية تظل على ما هي عليه. وهم قادرون على التبرؤ من الذنب الشخصي لأنهم لم يكونوا أكثر من منفذين للأوامر، وبتبني هذا الموقف لا يتخلصون من ذنوبهم فقط، بل إنهم يخلصون المجتمع من ذنوبه».

ويذكر الكاتب غايات أخرى تم اللجوء للتعذيب لتحقيقها، منها: التعبير عن الكراهية بين الأطراف المختلفة. بث الذعر. القمع، وإجبار الناس على التصرف بطريقة محددة. ولذلك فهو يعتبر أن التعذيب مرتبط بالوسيلة الأكثر فعالية، حسب تعبيره، ألا وهي الخوف.

التعذيب والعقوبة

يركز ج. هروود في كتابه على التداخل بين مفهوم العقوبة وبين التعذيب، فهو يرى أنه رغم إمكانية إثبات الاختلافات بينهما، إلا أن واقع الممارسة لا يميز بينهما. ومبدأ «العين بالعين» المذكور في العهد القديم، يمكن أن يكون مثالاً نموجياً على التداخل بين العقوبات والتعذيب، كما أن من يخضع لهذه العقوبة، يصعب عليه تمييزها عن التعذيب.

في المجتمعات البشرية القديمة، وحتى في بعض المناطق المعزولة في عالم اليوم، كانت تُلقى على الأفراد مسؤولية إيقاع القصاص في ظل غياب الهيئات المجتمعية التي تقوم بالمهمة، وهذا ما جعل العقوبة تحمل في طياتها ميلاً إلى الثأر والعداء الدموي، وكلما تراخت قبضة السلطة المركزية، فإن عقوبات المخطئين تُفرض من قبل عائلات الأطراف المتضررة أو أصدقائهم، فتحمل وسمَ الانتقام أكثر.

يهتم المؤلف بشكل خاص بتوضيح هذه العلاقة المتعدية: «كلما توغلنا في الزمن نجد أن الانتقام هو القوام الأساسي للعقوبة».

الروابط التي يوضحها المؤلف بين الإنتقام والتعذيب، تقوده للاستنتاج أنه مهما بدت فكرة التعذيب بغيضة على ضوء التفكير العقلاني، فإن أعتى معارضي عقوبة الإعدام، ودعاة إصلاح قانون العقوبات، يكنون غالباً أعنف الأفكار الانتقامية تجاه بعض المجرمين من أمثال من يقومون بالاغتصاب أو المغررين بالأطفال. ما يعني، وباختصار، أنه يستطيع حتى أبعد الناس احتمالاً، في حالات محددة، أن يفهموا الضغط الانفعالي الذي يقود إلى ممارسة التعذيب.

المضمون الجنسي للتعذيب

إن احتمالية أن يرتكب أي إنسان فعل التعذيب، تأتي من قابلية يبحث عنها ج.هروود في المضمون الجنسي للتعذيب، فهو يخصص فصلاً كاملاً لـ «أصول التعذيب في الأدب»، عبر تحليل أعمال الماركيز دو ساد (1740–1814) ، وأدب الشوفالييه فون ساشر مازوخ (1836–1895)، ليصل من هذه الأعمال الأدبية إلى أن: «أفضل مصطلح فني يمكن استخدامه لشرح مبدأ التمتع بالألم هو (Algolagnia)، وهي كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين هما ألغوس وتعني الألم، ولاغنيا وتعني الإثارة الجنسية، وهي تعني بدقة الشبق التألمي، أي الرغبة في إدخال الألم كعنصر أساسي في الفعل الجنسي».

التعذيب الذاتي أو الطوعي

تتعدد أشكال التعذيب الذاتي والطوعي، وإذا كان العامل الأكثر شيوعاً في التعذيب الطوعي عاملاً جنسياً، إلا أن هناك دوافع أخرى للتعذيب الطوعي، منها: التعذيب الذاتي الديني. التعذيب الذاتي الطقوسي. التعذيب الذاتي التجميلي. التعذيب الذاتي المالي.

التعذيب الذاتي - الطوعي الديني: يتنوع من الصيام البسيط لفترات محددة، ليصل إلى عمليات الانتحار العنيفة التي كانت شائعة لدى أرامل الهندوس، وبعدهنَّ لدى البوذيين الفيتناميين. فالكثير من الآلام  يفرضها البشر على أنفسهم باسم الإيمان والمعتقد. 

لكن «التسوّط» يُعدّ من أكثر أنواع التعذيب الذاتي الديني انتشاراً، وتكتب عنه الموسوعة البريطانية: «إن التسوّط الطوعي كنوع من الورع الخالص، موجودٌ في الديانات كلها تقريباً». ويورد هيرودوتس أن المصريين كانوا يمارسونه على شرف الربة إيزيس، ويحكي لنا بلوتارك أن الإسبارطيين كانوا يجلدون أطفالهم أمام مذبح أرتميس أوريتا، وتشير لوحات بومباي الجدارية إلى تسوّط الرومان على شرف ديونيزيوس.

وكان الزُّهاد المسيحيون الأوائل يمارسون التسوّط بحماس بالغ، ولم تكن تلك مسألة منقولة عن الوثنية، بل هي مجرد وسيلة للتمرد على نزوات الجسد الطبيعية. والعذابات التي كان هؤلاء المتحمسون الأوائل يوقعونها على أنفسهم لم تكن معنية فقط بالجانب الحسّي من طبيعة الإنسان، بل بحواسّه كلها عموماً. لقد أقنعوا أنفسهم أنه من أجل تحقيق الصفاء الكامل للروح، فإن عليهم أن يتجنبوا المتع الحسية كافة، وأن يعاقبوا الجسد بقسوة على متطلباته المادية المحددة.

في القرن الحادي عشر، بدأ التسوّط يكتسب شعبيته في الأوساط الكنسية كأسلوب فعّال للتكفير عن الذنوب، وكان الفرانسيسكان يفضّلونه بشكل خاص. منذ أواسط القرن الرابع عشر، انتشرت في إيطاليا وأنحاء ألمانيا وبوهيميا كافة. كانت مواكب المتسوطين تُنشد:

المسيح انتعش بالقروح

ولذا فنحن نسقط على الصليب.

تُجلدُ الآن جلداً مؤلماً

لتعبد الله،

تخلَّ عن كل كبرياء الآن، من أجل الله

وهو سيرينا رحمته.

التعذيب الذاتي - الطوعي الطقوسي: يُعدّ ختان الأطفال، ذكوراً وإناثاً، أكثرها انتشاراً، والآلام الجسدية المصاحبة لذلك رهيبة. ومن ثم هناك طقس القبول أو طقس البلوغ، وهو واسع الانتشار لدى شعوب عديدة، ويشتمل على تشويهات من الأنواع كافة لأجزاء مختلفة من الجسم. ورغم أن الأطفال لا يقررون ختان أنفسهم طبعاً، إلّا أن المؤلف يعتبر طقوس الختان من أنواع التعذيب الذاتي الذي تمارسه الشعوب على نفسها، كونه يُمارس طوعاً دون أن تكون هناك قوة قاهرة أو خارجية تفرضه عليهم.

التعذيب الذاتي - الطوعي التجميلي: التسبب بألم للجسد لأغراض تجميلية أمر شائع منذ القدم، فكل من أجرى عملية وشم يقع ضمن هذه المجموعة، إلا أن معظم الموشومين لن يعترفوا بأن العملية مؤلمة. نقش الوشم، بين البدائيين، أحد أقل وسائل التجميل الذاتي إيلاماً، ولا شكّ في أن التدريب على صنع ندوب جميلة، من أكثر العادات إزعاجاً. فعلى أولئك الذين يخضعون لهذا النوع من التشويه الجلدي أن يسمحوا بأن يتم تجريحهم في أي جزء يريدون تزيينه من أجسادهم.

يتابع ج. هروود مسألة ممارسة التعذيب الذاتي التجميلي في العصر الحديث، ويبين الأمثلة الشائعة في العصر الراهن، فيذكر: إدخال أجسام غريبة في العيون (العدسات اللاصقة). سمط الشعر بآكلات كيماوية أو بالملاقط. تغطية الجسد بمهدئات للحركة الدموية. الثياب الضاغطة على المعدة، والتي يمكن لها، كما يقول الأطباء أن تتسبب في تشوهات جسدية شنيعة. تعريض الجلد لحروق فوق بنفسجية قاسية متناوبة. حجرات البخار التي تقترب من التسبب بالاحتراق أو الاختناق، والتي تشبه ما كان الرومان القدماء يستخدمونه كإحدى وسائل الإعدام. أليست هذه الطقوس الحديثة الشائعة نوعاً من التعذيب المعاصر للنفس؟

التعذيب الذاتي المالي: وهو تعذيب ذاتي لدوافع اقتصادية تتعلق بالمهنة، مثلما كان يُمارَس الخصاء مثلاً على الأولاد من مغني طبقة السوبرانو، أو على حراس الحريم في القصور. كل من المغنين المخصيين وحراس الحريم ينحدرون من أسر فقيرة، يتم التعويض عليهم بالمال لقاء الخسارة التي يتعرضون لها، وهو على كل حال نمط تعذيب ذاتي يقترب من الاختفاء في سائر أنحاء العالم.

التعذيب العسكري والبحري

إن الروابط التي تربط التعذيب بالمؤسسات العسكرية والبحرية، تظهر في طبيعة الأحكام والقوانين العرفية، التي تكون وبالضرورة، أشد قسوة من القانون المدني. وحتى القوات العسكرية والبحرية الأكثر انضباطاً، تفرض التعذيب على الأسرى، وكذلك الأمر على الأفراد من رجالها، كنوع من نظام التأهيل.

ومن أبرز المشرعين في موضوع النظام العسكري، كان الجنرال البريطاني شارل نابيير، الذي كان يرفض المبدأ القائل: «إن نجا 12 مذنباً، فهذا أفضل من أن يتعذب بريء واحد»، ويقول إن اتبّأع مبدأ كهذا ليس أمراً مناسباً فيما يتعلق بسلامة الجيش: «في ظروف مفترضة قد يتطلب الأمر عدالة من نوع التضحية بالبريء حتى لا ينجو المذنب».

التعذيب في القرن العشرين

بعد أن كتب عن التعذيب في العصور القديمة، والتعذيب عبر العالم، يفرد ج.هروود الفصل الأخير من الكتاب للتعذيب في القرن العشرين، فيكتب: «لم تكن صنوف التعذيب كافة والتي مورست على الضحايا المتألمين حتى عام 1899، أكثر من تجارب بروفات على الفظائع بالجملة، وعلى القتل الجماعي الذي قُدِّرَ له أن يكون آفة القرن العشرين».

اندلعت ثورة في روسيا القيصرية عام 1905، قُمع الشعب بضراوة، ومُورست شتى أنواع التعذيب. وحين أشرق يوم الثوار عام 1917 وأسقطوا الحكومة القيصرية، وفيما كانوا يتقاتلون فيما بينهم من أجل السلطة، فرضوا ضد الروس البيض نظاماً رهيباً. وقد كشف تقرير بريطاني من فلاديفستوك أن ضباط الجيش القصيري الذي اعتقلهم الجيش الأحمر الثائر، قد تم تثبيت حمالاتهم بالمسامير على أكتافهم، كما اقتلعت عيون بعضهم. وفي منطقة أخرى عُثر على أجساد مشوهة بوجوه مجروحة وعيون وألسنة مقتلعة، ودلّ تشريح الجثث على أن هذه الفظائع حدثت قبل الموت. حدث ذلك بين عامي 1918 و1919.

وقد شهدت سنوات الحرب العالمية الأولى فظائع رهيبة، كانت من أبرزها مذبحة الأرمن في تركيا 1915 – 1917، وهو ما ما كان مشابهاً لما سيفعله النازيون باليهود بعد ربع قرن فقط. كانت مذبجة مدبرة، وكانت الأساليب التي تمّ اتباعها متشابهة إلى درجة مروعة.

في العشرينيات أصبحت روسيا السوفيتية قادرة على تصدير الثورة، التي استقبلتها الصين بحماس، حيث كان يتعايش الفقر والاضطهاد منذ قرون. في عام 1927 استولى الشيوعيون على مدينة كانتون، وتعرض المعادون للشيوعية إلى النهب والقتل والتعذيب بشتى الطرق. بعد ثلاثة أشهر، قدمت لندن تايمز في عدة أعداد متتالية وصفاً شاملاً لما كان يجري. في قرية واحدة جمعوا ثلاثين راهباً بوذياً في معبد ثم أحرقوهم أحياء، وكانت هناك حالات تعذيب للتجار كي يدفعوا أموالهم، وصلت إلى حد استخراج قلوب الضحايا لتُطبخ وتُؤكل.

التعذيب لإجراء التجارب العلمية والطبية

من بين أنواع التعذيب في القرن العشرين، يخصص المؤلف فقرات أساسية لما اعتبره «أشنع الفظائع التي اقترفها النازيون»، وهي «تلك التجارب العلمية وغير العلمية التي أُجريت على بشر التجارب، الذين لم يكن أي منهم متطوعاً».

كانت عمليات البتر والجراحة الداخلية تتم دون تخدير. وأُجريت تجارب أخرى على نزلاء معسكرات الاعتقال، بأن تطلق عليهم رصاصات مسمومة لاختبار فعاليتها في الحرب، وآخرون كانوا يُعرضون لغازات سامة في ظروف اختبارية. كان الناس يُوضعون في غرف مفرغة لمعرفة المدة التي يستطيع الإنسان أن يظل فيها حياً وهو على ارتفاعات عالية أو دون أوكسجين، ما يؤدي إلى انفجار رئاتهم؟ كان الهدف معرفة مدة مقاومتهم وكم يستطيعون البقاء أحياء، لأجل الحصول على معلومات مفيدة للطيارين الحربيين.

يكتب ج.هيروود عن التعذيب لغايات علمية وطبية: «ربما قد نفهم تصرفات الساديين، لكن أن تتصرف مجموعة كبيرة من الأطباء على هذا النحو، فهي مسألة يصعب فهمها. وما لا يمكن استيعابه على الإطلاق هو أن "عملهم الإجرامي" كان معروفاً لدى آلاف الأطباء في الرايخ، ورغم ذلك لم يقم أي منهم، بمقدار ما تُبين لنا التقارير والوثائق، بالتعبير عن أي احتجاج علني».

في العام 1944، تحررت فرنسا من الحكم النازي، لكن ما لبثت حكومة ديغول أن مارست عمليات التعذيب بحق الجزائريين المطالبين بالاستقلال عنها، وحتى بحق من وقف إلى جانبهم من الفرنسيين، فكتب جان بول سارتر منتقداً الممارسات الفرنسية: «إذا كانت خمسة عشر عاماً كافية لتحويل الضحايا إلى جلادين، فإن أي إنسان في أي وقت يمكن أن يجد نفسه ضحية أو جلاداً». ولعلّ هذا يكون من أبرز ما نستنتجه من قراءة كتاب تاريخ التعذيب، أن هناك تبادلاً للأدوار مستمراً عبر التاريخ بين الجاني والضحية، يقوم أساساً على الرغبة في الانتقام، التي تُحوِّلُ الضحايا إلى جلادين.

خاتمة

عبر فقرات الكتاب، يمرر المؤلف بيرنهارت ج. هيروود العديد من التأملات، والآراء الهامة التي آثرنا أن نجمعها في الخاتمة، لأهمية الإشارة إليها، ولصعوبة دمجها في إطار السرد.

- عن قناعة منفذ التعذيب: «يجب علينا أن نتملّى جيداً أولئك الذين يرتكبون فعل التعذيب، هؤلاء قيل لهم إنهم هم الطيبون، والأكثر أهمية من هذا أنهم يصدقون ذلك».

- عن التعذيب كممارسة: «كما أن الجريمة لن تزول في القريب العاجل، فكذلك إن التعذيب لن يزول. هاتان الوصمتان ستبقيان طالما أن الإنسان موجود للإبقاء عليهما».

- عن الإحساس بالضحايا: «إن مُشاهد التلفزيون المعاصر، الذي يرى كثيراً من سفك الدماء والعنف الإلكتروني، يصل به الأمر إلى حين يواجه الصيغة الواقعية لهما، فلا يثيران فيه أي اهتمام. وكل من يحتك بممارسة التعذيب، سيان كمساهم إيجابي أو كمتفرج سلبي، فإنه يفقد كل قدرة على الإحساس بالضحايا».

- عن أثر الحرب: «إن ذروة الوحشية التي يصلها الناس في الحرب ليست وقفاً على شعب أو أمة. ولكن معظم الأفراد في الشعوب، للأسف، يميلون إلى النسيان وينظرون إلى مظالم الماضي بلا مبالاة، ويندفعون إلى الدفاع عنها والتقليل من شأنها أو إنكار كل ما قام به أبناء ثقافتهم. يتحدث ضابط إيطالي عن تجربة الحرب: الحرب تحولنا كلنا إلى وحوش، هذا ما يستطيع أن يقوله كل إنسان».