تاريخ الوجودية في المشرق العربي

 

خلال السنوات الماضية من الحدث السوري، كانت قراءات بعض الأكاديميين، الأجانب والمحليين على حدٍّ سواء، في تأريخهم لحياة الأفكار وتناقلها بين سوريا والعالم على العموم مخيبّة. فكل الأفكار في منطقتنا بالنسبة لهؤلاء، ما عدا الأفكار الدينية السياسية والأفكار القومية، وربما بقدرٍ أقل الأفكار اليسارية، هي غير مرئية، وبطبيعة الحال الأفراد، حاملو وناقلو ومفعّلو تلك الأفكار، غير موجودين على الإطلاق. القوى الديمقراطية العلمانية مجرد «نيش»، جيب صغير، لا يعوّل عليه في تفسير اللوحة الكبيرة لما يحدث، مظاهرات الآشوريين والأكراد في عامودة في أول عام للثورة، أو الحراكات الصغرى في السويداء فيما بعد، هي شيءٌ يدعو للسخرية لأنه «نيش» ولا يعبّر عن الحركة الشعبية الحقيقية الأعمّ. حتى أفكار النضال اللاعنفي «نيش» مصغّر لهواة، ألصقناه بالشيخ جودت سعيد وبقدر أقل بشباب داريا الأكرميين. أما باقي الأفراد، حتى لو قلّة، أو الشبكات الاجتماعية، حتى لو صغيرة، التي عملت على أقلمة وإرساء أفكار متناقلة عن اللاعنف، في بلادنا، والتي حاولت أن تكوّنَ أفراداً آخرين وترجمت وأصدرت منشورات ومعاجم عن النضال اللاعنفي، فهي لا مرئية في الخريطة العامة للأفكار. هذا التغييب عنف، ليس عنفاً سياسياً وحسب، يشبه إلى حد بعيد العنف الإقصائي لمقولة «سوريا الأسد»؛ ولكنه كذلك، وبالدرجة الأولى، عنف تأريخي يتواطأ مع «الجيوسياسة»، ومع «دراسات الشرق الأوسط» و«دراسات الحرب الباردة»... إلخ، تُمحى بفعله كل التنوعات وكل الديناميكيات الصغرى التي تحاول شيئاً ما على مستوى الأفكار، وتُمحى صورة التبادل العالمي الكوني للأفكار، وتمحى حيوات حامليها. 

ورغم تحفظات عليه، سترد لاحقاً في النص، يقدم كتاب يواف دي-كابويا، مؤرّخ الحياة الفكرية والثقافية في المشرق العربي، لا مَخرَج: الوجودية العربية، جان بول سارتر، ونزع الاستعمار، النموذج الإيجابي المضاد لما ذكرناه من إمحاء الأفراد والأفكار المتنوعة، في تأريخه للحياة الفكرية العربية المشرقية في النصف الثاني من القرن العشرين. حياة فكرية وُسِمَت بمناهضة الاستعمار، وبتيار فكري كبير هو الوجودية، أيقونته جان بول سارتر، الفيلسوف الفرنسي. يعتبر دي- كابويا أن تأريخ حياة الأشخاص حاملي الأفكار الوجودية في العالم العربي ومترجميها ومأقلميها، وحياة المثقفين المناضلين السياسيين في مناهضة الاستعمار بين أربعينيات وسبعينيات القرن المنصرم، هو حاجة إسعافية ملحّة للردّ على تيارات أكاديمية غربية لا ترى ضرورة أو حاجة لذلك. وللرد كذلك على تقليد في التأريخ العربي يُغيِّبُ الفرد الشخص، بإنسانيته وعلاقاته المتشابكة وتناقضاته وضعفه وقوته وإنجازاته الصغرى والكبرى لخدمة أفكاره، وديناميكيات ومشاريع ثقافية محورية في المنطقة. 

يعتمد المؤرخ على تلاقح المناهج التأريخية العامة والبحث في الأرشيفين العربي والإسرائيلي، وكذلك على سرد القصص التقليدي، سرد سِيَرٍ ذاتيةٍ لكوكبة من المثقفين الذين طبعوا جيلهم، جيل الالتزام والتحرر، صانع الكثير في الحركة الثقافية والسياسية، في المشرق على الأخص (حيث كان المغرب العربي ما زال مشغولاً بمعركته للتحرر من الاستعمار)، أي في بيروت والقاهرة ودمشق وبغداد وعمّان: الثنائي سهيل وعايدة مطرجي إدريس، بتجربتهما الرائدة في مجلة الآداب وما ابتُكر حولها، وكذلك بترجماتهما المبكرة لسارتر؛ والثنائي المصري، الذي لا ينضب طاقةً؛ لطفي وليليان الخولي، أهم من أدار زيارات وعلاقة جان بول سارتر بالوجوه الثقافية في المشرق. ويحكي كذلك عن فايز صايغ، المثقف واللاجىء الفلسطيني في بيروت وعضو حركة فتح الفلسطينية فيما بعد؛ وجورج طرابيشي؛ وشعراء وأدباء سوريين وعراقيين آخرين، مثل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وهاني الراهب وليلى بعلبكي، كنموذج أدبي وشعري حر للفكر الوجودي؛ ومحمود أمين العالم، الشخصية المثيرة للجدل، ولكن ذو الطاقة العالية في تحويل المحمول الفلسفي في الوجودية إلى عمل سياسي محسوس؛ وبلا شك، طه حسين، عميد الأدب العربي بموقفه الإشكالي من الالتزام الوجودي السارتري ومؤيد مقولة الفن من أجل الفن. أما عبد الرحمن البدوي، مُدخل فكر هايدغر إلى العالم الناطق بالعربية، والمترجم الاستثنائي الغزير للفكر الفلسفي العالمي، والشخصية صعبة المراس، فيصبح في كتاب دي-كابويا استعارةً لبداية ومآل المشروع الفكري التحرري العربي، حيث يفتتح به المؤرخ كتابه بملمح من بداية سيرته الفكرية، ملمح لامع ومبشر وواعد، وينهي الكتاب بمشهد نهائي من حياة عبد الرحمن بدوي نفسه في باريس، حيث مات وحيداً ومكسوراً وبعيداً عن وطنه مصر. تُعبِّرُ هذه الحيلة، شبه الأدبية واللافتة في افتتاح واختتام الكتاب التأريخي هذا؛ كما استعارة العنوان الإنكليزي لمسرحية سارتر لا مخرج، بإيجاز عما يؤرّخ له الكاتب من مآل مشروعٍ تحرريٍّ عربيٍّ ابتغى صناعة إنسان عربي جديد. مشروع وُسِم فكرياً بالوجودية وسارتر كفيلسوف مؤثر في المشهد الثقافي العربي، الذي تُرجم له بقدر ما تُرجم لماركس فيه، وبما يفوق بكثير ترجمة فلاسفة ومفكرين آخرين، بوصفه رائداً للوجودية كتيار فلسفي يحمل إمكانيات سياسية تحررية، ومناهضة للاستعمار. ما نعرفه عن سارتر هو التزامه بموقف تحرّري أثناء حرب الجزائر، ونعرف تقديمه لكتاب فرانز فانون المعذبون في الأرض، ولكن تاريخاً آخر مع المشرق العربي، سابقاً لهذا وغير معروف بشكلٍ واسع، يقدمه الكتاب. 

السياق هو بُعيد الحرب العالمية الثانية، حين بدأت الحركة الوجودية بالتّفتّح على مستوى التساؤلات الفلسفية والسياسية والأدبية في أوروبا، وحين أسَّسَ سارتر مجلته الأزمنة الحديثة. بالتزامن مع ذلك، كان المشرق العربي يغلي في مناهضته للاستعمار الإنكليزي والفرنسي، ووقتئذٍ كان عبد الرحمن البدوي، وهو من أوائل الوجوديين العرب، قد دافع عن أطروحته عام 1944 في جامعة القاهرة وبدأ مشروعه بدمج الفكر الوجودي الهايدغري مع التراث الصوفي في الإسلام. بدأت حركة انتقال الأفكار الفلسفية الوجودية إلى العالم العربي عبر عبد الرحمن البدوي، الذي كان يعلّق على أفكار سارتر كذلك قبل أن تُترجَمَ كتب هذا الأخير، وكان يرى فيها إمكانية معقولة ليجدّد الإنسان إمكانياته في الواقع المعاش الذي لا واقع غيره، عبر الحرية الجذرية التي قد تستدعي ثورة. وقد ساهم سهيل إدريس وزوجته عايدة مطرجي بشكلٍ كبيرٍ في هذا الانتقال، ترجمةً وتقديماً، حتى أن أحد كتب سارتر صدرت بترجمتها العربية عن دار الآداب قبل أن تصدر النسخة الفرنسية الأصلية في فرنسا. كل الأرضية السياسية والاجتماعية في العالم العربي آنذاك كانت متهيئة لاستقبال فكرة أن الإنسان ابن شرطه وليس جوهراً ساكناً غير متغير، وبأن الفرد العربي ليس بالتعريف كسولاً ولاعقلانياً وغير مكترث للقوى التي تقوده، وكانت الأرضية مهيأة لتلقي فكرة الآخرية لتعريف الذات والهوية. المثقفون المناضلون، من أمثال فايز صايغ كذلك، كانوا متهيئين لرؤية الكوني في كتابات سارتر عن نزع الاستعمار، في الجزائر وفي الكونغو و في فيتنام، الكوني الذي ينطبق على شرط الإنسان الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي. 

التلاقي في الأفكار الوجودية بين أوروبا والعالم العربي عايشه تلاقٍ آخر، وهو نمط عيش المثقفين. وهنا يستعيد المؤرخ عناصر من حياة المقاهي في شارع الرشيد في بغداد، بغداد التي كانت عاصمة الوجودية العربية بامتياز، حيث كان المثقفون يعرفون عن أنفسهم بذلك دون أن تكون هذه الهوية واضحة المعنى والملامح دائماً. 

عند تلك القمة من تداول وتناقل الأفكار الوجودية المُحرِّرَة، وتكريس سارتر كفيلسوف عربي، تأتي السنة الرهيبة، سنة الانقلاب التي سقط فيها سارتر عربياً سقوطاً تزامَن مع هزيمة العرب، سنة 1967. في بداية ذلك العام، زار سارتر وسيمون دو بوفوار القاهرة بمساعي الثنائي القاهري النشيط وصديق سارتر وسيمون دو بوفوار، لطفي وليليان الخولي، ليُلحِقها سارتر فيما بعد بزيارة ثانية إلى اسرائيل بترتيب من محيطه الباريسي الداعم للصهيونية، والذي تحدث إدوار سعيد عنه إثر زيارته المخيبة لسارتر ودو بوفوار في باريس في أواخر السبعينيات: سيمون دوبوفوار وكلود لايزمان وأرلييت القايم، زيارة يوثق دي-كابويا تفاصيلها الإسرائيلية بأرشيف غير منشور مسبقاً. وقد أصدر سارتر بعد الزيارة إلى إسرائيل بياناً صادماً لمؤيدي القضية الفلسطينية، نُشر مضمونه فيما بعد في مجلة الأزمنة الحديثة، يساند فيه ولو بشكل غير مباشر دولة إسرائيل، ويتحايل خطابياً على موضوع اسرائيل ومعاداة السامية ومأساة اليهود في الحرب العالمية الثانية في أوروبا. إثر ذلك، مُنعت كتب سارتر في العراق بشكلٍ فوري، وأُحرقت في الجزائر، وسقط  الفيلسوف عربياً، وسقطت معه آمال كبيرة، وكبرت الخيبات مع خيبة هزيمة 1967، لتتعالى الأصوات، أولها صوت سهيل إدريس، لاستبدال سارتر بمفكرين آخرين.  

سارتر وسقطة 1967 يشكلان الخطّ النّاظم القصصي للكتاب، الذي يحكي أيضاً على الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لذلك الجيل، وعن نشوء الدولة وتغوّلها وتماهيها مع مفهوم الأمة العربية في عددٍ من الدول، ويحكي أيضاً عن تلقي سارتر عربياً. مسار التلقي هذا شديد الأهمية لدراسات الترجمة، وهو يحاول أن يبحث بما هو عربي محلي في الوجودية المستوردة. التحرر من الاستعمار هو إذاً السمة الأساسية للوجودية العربية، وهناك أيضاً ثلاث قيم/خصائص عربية في الوجودية المتلقاة تلك، هي «الحرية» و«السيادة» و«الأصالة»، الضرورية من أجل «تقرير المصير». ما هي الحرية بالمعنى العربي؟ هل هي الحرية نفسها بمعنى الفردانية الذي ركّزت عليها الوجودية الغربية؟ أم هي الحرية الوطنية الجمعية، بمعنى التحرّر من الاستعمار؟ وماهي الأصالة والسيادة؟ يحاول الكتاب أن يجيب على هذه الأسئلة من خلال تحليل الخطاب في أرشيف فكري وأدبي هائل لتلك الفترة. 

والحال أن أقلمة الفكر الوجودي عربياً، ودمجه مع الفكر الماركسي أحياناً، هي أشياء لم تخلُ من تناقضات، دائماً بحسب دي-كابويا، كما أنها لم تكن متّسقة أو مترابطة دوماً، بل حملت من الأسئلة أكثر مما أجابت عليه. يرى المؤرخ، مثلاً، أن ترجمة جورج طرابيشي لكتاب سارتر المادية والثورة قد جاءت إلى «الماركسية والثورة» (وهذا غير دقيق، بالمناسبة، فكتاب طرابيشي صدر بعنوان المادية والثورة). ما أراد الكاتب قوله هو أن قسر سارتر لينطوي تحت ظل الماركسية هو أحد سمات الوجودية العربية. الفكرة بحدّ ذاتها مثيرة في دراسة تلقي الأفكار، لأن ما يعرفه المتلقي سابقاً يؤثّر في فهم وأقلمة المادة المتلقاة الجديدة. 

يحمل كتاب دي-كابويا فرصة أرشيفية ومنهجية مهمّة، وكذلك في تأريخ الحياة الاجتماعية للأفكار وتناقلها العالمي وجدليتها مع الظروف المحلية التي تؤثر على التلقي، بالإضافة إلى أن استعادة وتأمل هذا النوع من الدراسات، التي تتعرض للحظات مفصلية سياسياً في الحياة العربية، هو أمرٌ بالغ الأهمية بالنسبة لمسائل يعاد صوغها راهناً؛ مثلاً ما هي العروبة الآن كهوية جمعية وفردية؟ لقد كان للعروبة معنىً في مناهضة الاحتلالات والامبريالية في لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن هل يمكن أن نجزم أنها فقدت معناها اليوم في لحظة تتقاسم فيها بلدان عربية كثيرة المعارك والنضالات نفسها؟ 

أكثرنا من الحديث عما يقدمه الكتاب من مزايا كثيرة، منهجية وتوثيقية بالدرجة الأولى، وتأخرنا في إتيان المآخذ التي ألمحنا لها بدايةً. إن الخطط القصصي المتمحور حول سارتر وزيارته لإسرائيل عام 1967 جذاب للقارىء ومثقِّف جداً على مستوى التأريخ والأرشفة، إلا أنه يوحي بأن المصادر الفكرية في العالم العربي المشرقي آنذاك، المصادر المُغنية للنضال ضد الاستعمار على وجه الخصوص، كانت ضئيلة جداً لدرجة يكاد سارتر يسيطر عليه كلها. لا مرئيةُ الفاعلين الثقافيين وحيواتهم، التي أراد دي-كابويا أن يحاربها، تعود مرةً أخرى لإغفال فاعلين آخرين، غير وجوديين. إضافةً إلى ذلك، فإن المؤرخ يلصق صفة الوجودية بطيف كبير من الأدباء دون أن يذكر تفصيلياً كيف وأين تأثّر أدبهم بالوجودية، وهل بينهم حقاً من أطلق على نفسه اسم وجودي؟ في مواضع أخرى، يحكي فيها المؤرخ عن الوحدة العربية وعن الدولة القمعية (المقصود الدولة الناصرية) كشكل من أشكال وحدة الأمة العربية، يشير إلى مواقف اليساريين المناضلين المصطفّة إلى جانب هذه الدولة، في إغفالٍ تامٍّ لاختلافات السياق بين بدايات هذه الدول القمعية ومشاريعها الاجتماعية الوطنية بعد الاستعمار، وبين طور آخر قمعي بالمعنى الأول للكلمة، كما أنه لا يحكي كذلك عن اختلافات المثقفين فيما بينهم في موقفهم من هذه الدولة. لعلّ إحدى النهفات اللغوية، المعبّرة عن هذا الموقف، هي أن المؤرخ يترجم في بعض المواقع كلمة «مناضل» بمعادل إنكليزي هو «مقاتل» (Fighter). 

وأخيراً، هل يمكن أن يعزى مآل المشروع التحرري الثقافي الكبير، والذي نكص باتجاه عودة إلى النصوص الدينية والتراث بحسب دي-كابويا، إلى الخيبة من المشروع الفكري الوجودي وحده؟ هل الهزائم كانت هزائم فكرية أولاً، بمعزل تام عن هزائم سياسية تُترجم على أرض الواقع؟ قد يبدو عرض الأمر بهذه الطريقة وكأن الهزيمة قرار ثقافي متخيل لا واقعي، أو كأن السياسي الكامن في الفكري هو خيار ليس من الضروري اتخاذه، أو كأن اسرائيل لم تكن بالفعل استعماراً وأن معركة مناهضة الاستعمار انتهت مع الاستقلالات المتتالية للدول العربية.