تجارب مسرحية عابرة للحدود

 

لا يكتمل الدور الاجتماعي  للمسرح، إلا أن عندما يكون العمل المسرحي فناً ونشاطاً عابراً للحدود الثقافية التي تعزل الأفراد عن بعضهم، وذلك كي يحقق الغرض الذي صُنع لأجله، وهذا ما يحاول مشروع قاف أن يحققه من خلال تصميم قراءات مسرحية طويلة على مدار ستة أشهر، باللغتين الألمانية والعربية، تجمع بين ممثلين سوريين وعرب وألمان. وفي الوقت الذي تلجأ فيه أغلب العروض المسرحية السورية للترجمة إلى اللغتين الألمانية والإنكليزية، وعرضها على شاشة كبيرة في وسط المسرح، انتقل مشروع قاف المسرحي خطوة جديدة على مستوى الترجمة، وبالتالي على مستوى التواصل مع الجمهور الألماني بطريقة جديدة، وذلك من خلال ترجمة النص المسرحي السوري إلى الألمانية، ثم تقديمه باللغة الألمانية من قبل فريق عمل ألماني.

مشروع قاف المسرحي هو أحد المشاريع التي بدأتها مؤسسة برزخ الثقافية في برلين 2020 بإدارة غسان حمّاش، والتي تأسست حديثاً لتكون إحدى المؤسسات الداعمة للعمل الثقافي السوري في برلين وألمانيا عموماً، مع التركيز على خلق شكل جديد من أشكال التعاون والشراكات بين الفنانين الألمان والسوريين.

يقدم المشروع مجموعة من نصوص مسرحية جديدة لكتّاب سوريين وعرب شباب، في قراءات مشهدية تنقسم في كل عرض إلى قسمين: قسمٌ يُقرأ باللغة العربية وقسمٌ آخر باللغة الألمانية. وتفترض سيرورة العمل هذه، والتدريب على القراءات خلال البروفات، نوعاً جديداً من العلاقات بين الممثلين، ما يمكن أن يُولّدَ نقاشات جديدة بين الممثل السوري والألماني، وتبادلاً حيّاً وفعّالاً بين الممثلين من الناحية المسرحية والثقافية، كما أن سيرورة العمل هذه تفتح أفقاً جديداً لعملية تلقٍ مختلفة عن التي رأيناها في السنوات الماضية في أغلب العروض المسرحية السورية المقدمة في برلين، والتي تعتمد في غالبها على وضع المتفرج الألماني في موقع المستمع لقصص السوريين وشهاداتهم عن الحرب واللجوء، دون وجود قنوات تواصل حقيقية بين الطرفين.

في شكل التعاون الجديد هذا، يتورط الممثل الألماني أولاً في عملية فهم النصوص السورية والعربية وتحليل شيفراتها، التي تُحيل في غالبها إلى السياق الحالي السوري والعربي بعد العام 2011، ليتورط المتفرج الألماني بعدها بالنص السوري، الذي يتم تقديمه هذه المرّة باللغة الألمانية، وهي الخطوة التي تحتسب للمشروع في محاولته لتغيير آلية إنتاج العروض المسرحية والأعمال الفنية السورية في ألمانيا.

يُقدِّمُ المشروع قراءة مسرحية واحدة شهرياً لواحد من التجارب الكتابية المسرحية الجديدة لأصحابها في بيت الأدب في برلين، وقد بدأ المشروع بالنص المسرحي غرغرينا لوديعة فرزلي، من إخراج أنيس حمدون، الذي كان نتيجة ورشة الكتابة للخشبة بإشراف مسرح الرويال كورت و المجلس الثقافي البريطاني عام 2015. أما النص القادم، الذي سيُعرض يوم 21 شباط الجاري فهو نص غرق، 2018، لكاتبه علاء الدين العالم ومن إخراج حازم صالح، والنص مستوحىً من قصة كافكا القصيرة، الحكم. أما النص الثالث فهو نص فيلم عاطفي قصير لوسيم الشرقي، الذي كان نتاج ورشة الكتابة المسرحية في مؤسسة مواطنون فنانون 2016، ومن إخراج وديعة فرزلي. في شهر نيسان، سيتم تقديم نص الحقيبة لكاتبه أحمد ميرعي ومن إخراج مضر رمضان، وفي شهر أيار نص وليمة عيد لكاتبه يوسف مسلم من مصر، ومن إخراج هبة محرز. ويختتم المشروع بنص بهيدي اللحظة بالذات من لبنان لمنى مرعي من إخراج وهاد سليمان، وذلك في شهر حزيران 2020. ويشرف على الإخراج الفني العام للمشروع المخرج المسرحي زياد عدوان. 

تركز النصوص السورية الأربع الأولى من المشروع على ثيمات تتعلق بشكل وطيد بالسياق السوري الراهن، عن الثورة والحرب، وعن اللجوء أو العيش في سوريا تحت ضغوط معيشية قاسية، وعن حساسية العلاقة بين السوريين الذين هُجّروا إلى أوروبا أو أماكن أخرى من دول الشتات، وعلاقتهم بالسوريين داخل سوريا. وتطرح هذه النصوص أسئلتها من خلال مؤسسة العائلة كما في نصوص غرغرينا وغرق والحقيبة،  أو من خلال العلاقات الاجتماعية مع الأصدقاء وزملاء الدراسة كما في نص فيلم عاطفي قصير. وبالرغم من أن هذه النصوص الحديثة قد تم إنتاجها في وقت سابق لانتقال كتّابها إلى ألمانيا، إلا أنها تستشعر حساسيات قد تحدث فعلاً في المستقبل القريب مع الأفراد وضمن الدوائر الاجتماعية السورية، التي أُعيد تشكيلها بعد عام 2011. ذلك عدا عن أن هذه النصوص لا تتناول الوجود السوري في دول الشتات من زاوية اللجوء فحسب، بل تعيدنا إلى حوارات يومية بين العائلة والأصدقاء، موضوعها تفاصيل وسلوكيات لا تتعلق بالحرب والكارثة السورية بشكل مباشر، لكنها تحدث في زمن الكارثة وفي شرط تاريخي معقد. هذا التمايز بين شكلي الطرح؛ نصوص مسرحية عن الحرب واللجوء السوري وأخرى عن حيوات أشخاص وأحداث قد تبدو ثانوية إلّا أنها تجرى في زمن الكارثة، يفتح الباب أمام نقاش أعمق وأكثر فردانية، يتناول الاشتباك بين الخاص والعام في حياة الشخصيات، ومراجعاتها لعلاقاتها الإنسانية، وللبنية الشعورية الجديدة التي تكونت في أعقاب الثورة والحرب.

تختبر القراءات المسرحية جودة النص المسرحي  بالدرجة الأولى، وذلك من خلال تقديم عرض أولي يتم التركيز فيه على أداء الممثل الصوتي، مع درجة معينة من التبني تسمح للكاتب والمتلقي على حد سواء باختبار اللغة المسرحية التي كُتب بها النص، واستطلاع ردود فعل المتفرجين على بنيته وحكايته قبل أن يصبح عرضاً متكاملاً. تعدُ هذه المرحلة من سيرورة إنتاج العمل المسرحي واحدة من أهم المراحل التي تصبّ في تطوير النص، وربما إجراء تعديلات جذرية عليه بعد تقديم القراءات، وذلك بسبب الاختلاف الجوهري بين كتابة النص الإبداعي الأدبي وكتابة النص المسرحي، وهي أن الأخير يُكتب للخشبة وللعرض. للأسف، ليست هذه الفرصة متاحة أمام عدد كبير من الكتّاب السوريين، وذلك بسبب صعوبات كثيرة أهمها عدم اهتمام الجهّات الممولة بدعم مشاريع القراءات، وتفضيلها العروض المسرحية المكتملة. ولذلك يُعد هذا المشروع فرصة مناسبة للكتّاب الشباب لتطوير نصوصهم الجديدة واختبارها على الخشبة في ظروف مناسبة، والتعامل مع الكتابة المسرحية بوصفها ورشة عمل مستمرة وغير منتهية.