تحديات يفرضها قانون قيصر على العمل المدني

 

أثارت عقوبات قيصر نقاشات واسعة في مختلف الأوساط السورية، دارت بشكل رئيسي حول مدى تأثير هذه العقوبات على حياة السوريين ومعيشتهم، وبالتوازي مع ذلك، حول ما هو متاح أمام العاملين في الشأن العام اليوم، وما يطرحه ذلك من تحديات على المستويات الإنسانية والسياسية، وعلى مستوى العمل المدني. وقد تحدثت الجمهورية مع عدد من السوريات والسوريين الذي يشغلون مواقع مؤثرة في منظمات مدنية أو في مجالات العمل البحثي والنشاط السياسي، وتوجهت لهم بأسئلة حول الأولويات والتحديات التي ينبغي التركيز عليها لدى فاعلي الشأن العام السوري، وذلك مع تدهور الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية، والجمود على مستوى العملية السياسية، ودخول عقوبات قيصر حيّز التنفيذ. بالإضافة إلى أسئلة حول الخطاب الذي يمكن توجيهه للمقيمين في مختلف المناطق السورية، والذي يمكن توجيهه لصنّاع القرار على المستوى الدولي.

 

علا رمضان، المديرة التنفيذية لمؤسسة بدائل

لم تتغير الأولويات الأساسية التي كنا نعمل عليها خلال السنوات الماضية، ألا وهي تحقيق انتقال سياسي دون وجود للأسد في المرحلة الإنتقالية، إلى جانب العديد من القضايا وأهمّها المطالبة بالمعتقلين والمغيبين قسرياً، وهو المطلب الذي أرى أنه صار الآن أشد إلحاحاً، بالإضافة إلى ضرورة دعم مسارات العدالة الخجولة التي بدأت في أوروبا، لأنها تمثل بصيص أمل للسوريين في سبيل تحقيق العدالة الإنسانية.

أما بالنسبة لعقوبات قانون قيصر، فإنها تضعني شخصياً أمام معضلة، ذلك أنني من الداعمين لفرض عقوبات اقتصادية على النظام من أجل تقويض سلطاته وإضعاف أعوانه، لكن هذا الموقف أصبح الآن أكثر هشاشة، لأننا لا يمكن أن ننكر أن عقوبات قيصير تستهدف بشكل أساسي مؤسسات الدولة ورجال الأعمال في بلد ليس فيه قطاع خاص بالمعنى الفعلي، ذلك أن الاقتصاد برمته مسيطر عليه من قبل النظام ومحاسيبه، ولا يمتلك الأفراد فيه إمكانية إنشاء أعمال مستقلة، ما سيجعل الأفراد والمواطنين في سوريا يدفعون ثمن هذه العقوبات.

وبالطبع، نحن الآن لا نتكلم عن انهيار اقتصادي سيحدث نتيجة دخول عقوبات قيصر حيز التنفيذ، إذ أنّ هذا الانهيار الاقتصادي بدأ بشكل تراكمي منذ عشر سنوات، نتيجة سوء استخدام النظام لموارد البلد وتجييرها من أجل قتل شعبه أولاً. لكننا أمام معضلة عميقة، لأنّ عقوبات قيصير هي سلاح ذو حدين، فهي من جهة تضغط على النظام وتقوض الدعم الاقتصادي الذي يحصل عليه من روسيا وإيران، وغيرهما من الدول المشاركة في التطبيع مع النظام والداعمة له في مرحلة إعادة الإعمار، ولكن من جهة أخرى، سيدفع الناس ضريبة هذا الانهيار الاقتصادي مما يهدد بشكل خاص الأمن الغذائي للشعب السوري.

عمل النظام السوري خلال السنوات الماضية على تأسيس بروباغندا مفادها أن الانهيار الاقتصادي هو نتيجة للعقوبات الاقتصادية الغربية، في الوقت الذي نعرف فيه جيداً أن النظام استخدم كافة موارده للحرب على الشعب السوري. ومن جهة أخرى، يجب أن نركز على أن آثار عقوبات قيصر ستظهر على  على المدى  المتوسط والطويل، لكن الناس أصيبت منذ أن دخلت عقوبات قيصير حيز التنفيذ بنوبات خوف شديدة تشير بوضوح إلى الأثر النفسي والاجتماعي لهذه العقوبات على المواطنين السوريين، والتي هي أكبر في الوقت الحالي من أثرها الاقتصادي المباشر. ويقتضي هذا التفكير في أشكال أخرى من التواصل مع السوريين الذين يعيشون داخل سوريا، ومساعدة الأفراد والأسر على تفعيل دور الاقتصاد الجزئي من أجل تعزيز الدخل الرديف، واقتراح سبل أخرى لتخفيف من حدة تأثير الانهيار الاقتصادي على أساسيات المعيشة.

أعتقد أنّ أهمّ النقاط التي يجب أن تذكر في هذا السياق هي تسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا، وتكثيف الدعم للقطاع الإنساني، وهذا بدوره تحدٍ كبير، خاصةً بعد أزمة كورونا وآثارها الاقتصادية، التي ستدفع الدول الداعمة إلى تركيز اهتمامها على أزماتها الداخلية كأولوية، بدلاً من دعم الدول الأفقر أو التي تشهد نزاعات وصراعات وانتهاكات لحقوق الإنسان.

 

ماريا العبدة، المديرة التنفيذية لمنظمة النساء الآن للتنمية

أكبر المخاوف اليوم تأتي من العلاقة مع المؤسسات المصرفية، فنحن نعاني منذ العام 2014 من تخوف البنوك من أي حسابات بنكية ترتبط بسوريا، ونتوقع أن تصبح الإجراءات أشدّ، إذ قد تنتقل تلك المؤسسات إلى إغلاق حسابات المنظمات الإنسانية والمدنية السورية، وذلك عملاً بقاعدة صفر مخاطر التي تتّبعها تلك المؤسسات. 

أضف إلى ذلك التضييق الذي نتعرض له من دول الجوار، ما يجعل التحويل النقدي إلى داخل سوريا أصعب بكثير، ويترافق ذلك مع انهيار لسعر صرف العملتين السورية واللبنانية، ما يؤثر كثيراً على تمويل المشاريع التنموية للسوريين.

الأوليات بالنسبة لنا اليوم هي العمل على حماية المدنيين من تبعات عقوبات قيصر، وحماية عمل المؤسسات الإنسانية المستقلة بما يتضمن الحماية القانونية لها، في ظل التخوف من أن تتحول تلك المساعدات ومعها كثير من الأنشطة داخل سوريا إلى هدف لمافيات جديدة، ما يمنع وصولها للسوريين. المؤسسات السورية هي التي تتحمل العبء القانوني الأكبر بخصوص التحويلات المالية إلى الداخل، إذ يجب علينا شرح تلك التحويلات للجهات الممولة، وللدولة أو الدول التي تمرّ الأموال عبرها.

تقع مسؤولية أخلاقية كبيرة علينا نحن المؤسسات المدنية والإنسانية السورية التي تعمل انطلاقاً من خارج البلاد، فعلينا أن نوضّح رفضنا لأي عقوبات تطال آثارها المدنيين، وأن نثبت بأنّ عملنا ورؤيتنا تحكمها حقوق الإنسان المتساوية للجميع. نحن نرفض أن يدفع مدنيون ومدنيات ثمن إجرام النظام.

أما بالنسبة لبرمجة أنشطتنا داخل سوريا ومع السوريين، فإن علينا العمل على إيجاد فرص عمل للنساء والرجال. لدي شخصياً خوف من تأثير نموذج العقوبات النيوليبرالي على الوضع بسوريا، مما يؤدي إلى أن يكون التوجه العام هو التعامل مع أزمة إنسانية، بينما القضية بالنسبة لنا هي حق الإنسان في العيش الكريم، وليس منع المجاعة فقط. كذلك فإن لدى مؤسساتنا تخوف كبير من تأثير العقوبات على النساء، من خلال انخفاض فرص العمل المتاحة وزيادة العنف، كما حدث في العراق خلال التسعينات.

29620_web.jpg

عدسة شاب دمشقي
عدسة شاب دمشقي

د. عبد الرحمن الحاج، باحث وناشط سياسي

يجب أن ينخرط السوريون في تنفيذ القانون، بدل لعب دور المتفرج.  يحتاج القانون الأميركي، الذي تمّ إقراره بمساعي من سوريين، أن تتمّ ملاقاته بين السوريين والإدارة الأميركية، كما يحتاج الأميركيون إلى استشارة السوريين باستمرار حول توجيه العقوبات، وعلى السوريين أن يوفروا ما يستطيعونه من توجيه للعقوبات نحو أركان النظام ومموليه وأثرياء الحرب، وتجنيب باقي السوريين النتائج الوخيمة التي تترتب على تنفيذ القانون ما استطاعوا، وذلك من خلال المراقبة لتطبيق القانون على الواقع وتقديم العون في التوجيه. 

تستطيع الجهات الفاعلة في الشأن العام، وخصوصاً منظمات المجتمع المدني، لعب دور مهم في ذلك . 

يجب الانخراط في تنفيذ القانون بدل الترقب وانتظار النتائج، فالقانون فرصة مهمة لإضعاف النظام وحلفائه، ولكن يجب أن لا يتمّ التعويل عليه في انهيار النظام أو الرهان عليه في مسألة إسقاطه. ربما ينبغي أن يأخذ الفعلون السوريون يعين الاعتبار أنّ هذه فرصة يجب اغتنامها، عبر إعادة تنظيم أنفسهم استعداداً لمرحلة مقبلة ستكون على الأرجح في صالح السوريين. النظام وصل إلى انسداد في العمل العسكري في إدلب، ويفتقد إلى الموارد، وهو الآن يعاني ضغطاً إضافياً. هذه مؤشرات لمرحلة جديدة.

كذلك يجب تكثيف عمل منظمات المجتمع المدني وتطويره لمواجهة تداعيات قانون قيصر على الحياة اليومية قدر الإمكان. ثمة شعور واسع بالتضامن مع جميع السوريين، وخصوصاً مع الذين يعيشون تحت سلطة النظام، والمطلوب اليوم هو تطوير الأداء والتكيف مع المرحلة، للتخفيف من نتائج تطبيق القانون على عموم السوريين.

 

مازن غريبة، ناشط سوري وعضو في اللجنة الدستورية

قانون قيصر هو قرار سياسي للإدارة الأميركية، وبالتالي فإن تأثير الفاعلين السوريين على شكل وتطبيق القانون محدودٌ جداً، إن لم يكن معدوماً، على خلاف ما يعتقده كثيرون منا. وأعتقد أن تأثيره المباشر على العمل الإنساني يقتصر على زيادة الصعوبات اللوجستية المتعلقة بالتحويلات البنكية والمعاملات المالية للجهات السورية العاملة في المجال الإنساني، وهذا ليس أمراً جديداً، ذلك أن هذه المعوقات موجودة قبل إصدار القانون، لكنها ستتزايد خلال الفترة المقبلة. وبالمقارنة، فإنّ التأثير المباشر لجائحة كورونا على انخفاض الدعم المالي واللوجستي، المقدم من الجهات المانحة الأساسية، سيكون أكبر من الآثار المتوقعة لقانون قيصر على العمل الإنساني.

لا يمكن إلقاء مسؤولية الانهيار الاقتصادي في سوريا اليوم على العقوبات الاقتصادية فقط. لا شكّ أنّ هذه العقوبات لعبت دوراً في التضخم غير المسبوق لليرة السورية، لكن الأسباب الأساسية لهذا الانهيار هي تفشي الفساد، والخلافات في بنية الشبكة الزبائنية المرتبطة برأس النظام السوري، والسياسات النقدية الفاشلة التي تبناها المصرف المركزي السوري، وتسخير كل موارد الدولة لخدمة آلة حرب النظام السوري، وبالتأكيد انهيار البنى التحتية الأساسية نتيجة سنوات الحرب.

أرى أن الأولويات الحالية بالنسبة للعمل الإنساني والنشاط السياسي يجب أن تركز؛ أولاً على الانهيار الاقتصادي وتأثيره على الجانب الإنساني، إذ يجب على الفاعلين السوريين أن يتوجهوا بشكل مباشر إلى كل المتضررين وفي كافة المناطق السورية، بما يشمل المدنيين في مناطق سيطرة النظام السوري، لمحاولة العمل على تخفيف العبء الاقتصادي. ويمكن العمل في هذا السياق على مشاريع تمويل أو إقراض صغيرة، من شأنها دعم مشاريع تنموية ذات عائدات مالية. 

أما فيما يتعلق بالعملية السياسية، النظام السوري اليوم في أضعف حالاته، وقانون قيصر قطع الطريق أمام إعادة التطبيع المباشر معه، وألغى احتمال البدء بإعادة الإعمار دون انتقال سياسي حقيقي يضمن المساءلة والمحاسبة والعدالة الانتقالية والعودة الآمنة والطوعية للمهجرين السوريين. وقد يتيح ذلك فرصة مهمة لزيادة الضغط على النظام السوري لخوض عملية سياسية حقيقية، تركّز أولاً على الإفراج عن جميع المعتقلين والمعتقلات في السجون الرسمية وغير الرسمية للمخابرات السورية. إضافة إلى ذلك، هذا الضغط قد يساعد في إعادة تفعيل العملية السياسية التفاوضية متعددة المجالات وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254، ومن ضمنها العملية الدستورية بما يضمن أن تكون مدخلاً لتحريك ركود المفاوضات السياسية في جنيف بسلالها الأربع.

إنّ عقوبات قيصر، وما سبقها من عقوبات اقتصادية أخرى، فُرضَت لأسباب وشروط واضحة، منها الإفراج عن المعتقلين والمعتقلات والانتقال السياسي في سوريا، بالتالي فإنّ رَفعَ هذه العقوبات وغيرِها مرتبط بشكل أساسي بتحقيق هذه الشروط، وهذا ما ينبغي على الشارع السوري الدفع نحوه، وأعتقد أنّ الحراك الشعبي في محافظة السويداء هو مؤشر واضح لمطالب السوريين السياسية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوضع الاقتصادي الحالي.

 

فادي ديري، المدير الإقليمي لمنظمة هاند أند هاند، وعضو اللجنة التوجيهية لتحالف المنظمات السورية غير الحكومية SNA

تم تصميم العقوبات بشكل جيد لتستهدف أشخاصاً وكيانات بعينها، ساهمت في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لكن عندما نأتي إلى تطبيقها فإن الأمر يختلف، إذ سنكون أمام معضلة جديدة هي زيادة التدقيق في البنوك على حركة النقود باتجاه المنظمات غير الحكومية العاملة في سوريا، من أجل أن تتأكد أنّ النقود المحولة ستصرف في الهدف المعلن عنه من قبل المنظمات. زيادة التدقيق هذه ستسبب تأخيراً لا يمكن احتماله بالنسبة للمستفيدين، كما أنّ ذلك سيضع عبئاً إضافياً على البنوك، وبما أنها لا تحصل على أرباح كبيرة من العمل مع المنظمات غير الحكومية، على عكس العمل مع الشركات الخاصة، فإنّ كثيراً من المؤسسات المصرفية ستفضّل إغلاق حساباتنا، لأنّ الأمر لا يستحق من وجهة نظرهم ربما هذا العمل الإضافي والمخاطر المرافقة له.

نحن بحاجة إلى إيصال رسالة واضحة للمجتمع السوري حول أنّ الأسوأ سيأتي قبل أن نبدأ برؤية بعض التقدم، وقبل أن تبدأ الأشياء في التحرك في الاتجاه الصحيح، كما أن طريقة عملنا سوف تتغير بشكل كبير. مثلاً، حالياً هناك صراع لتمويل العمليات الحالية ناهيك عن تلبية الاحتياجات المستقبلية، بالإضافة إلى تأثير جائحة كوفيد-19 على المانحين، سواء كانوا أفراداً أو حكومات حول العالم، وهو ما سينعكس علينا بالطبع.

يدرك المانحون تماماً الاحتياجات والتحديات الإنسانية، ورسالتنا مرتبطة بالقضايا الأساسية اليوم، مثل التوثيق الحقوقي وقضايا المعتقلين والعدالة والمساءلة. هذه بعض الرسائل التي نود تذكير صناع القرار السياسي بها.

أزمة سوريا هي أزمة حماية، ينبغي منح المدنيين مساحة آمنة وأملاً بالسلام، وسيكونون قادرين على الصمود والنجاة مهما كان الدعم قليلاً.

 

تتفق هذه الآراء إذن على أن السياسة المالية والمصرفية تجاه سوريا، وما تتركه من آثار على الدعم المقدم للعمل الإنساني والمدني في البلاد ودول الجوار، هي أحد أهم المسائل الملحّة التي ينبغي التعامل معها اليوم. كما تتفق على ضرورة القيام بكل ما يمكن القيام به للتخفيف من آثار العقوبات على المعيشة اليومية لعموم السوريين في سائر مناطق البلاد، مع التركيز دوماً على أن لا يتم تجاوز المسائل الرئيسية المتعلقة بالانتقال السياسي والعدالة والمحاسبة، التي لا بديل عنها لإخراج السوريين من دائرة الموت والمعاناة.