تحديات الشرعية والديمقراطية

تندرج هذه المادة ضمن نقاش الشرعية والسيادة والديمقراطية، للاطلاع على بقية مواد النقاش اضغط هنا 

الديمقراطية بوصفها معضلة 

يطرح تقدم الأحزاب اليمينية الشعبوية من الهند إلى أوروبا، وظهور شخصيات سلطوية ذات شعبية واسعة في روسيا والمجر وتركيا، السؤال حول أزمة الديمقراطية التي تحيل إلى توتر سبق ورصده كارل شميت في عمله عن أزمة الديمقراطية البرلمانية1 في الثلاثينيات. فقد أشار إلى تناقض ترزح تحته الديمقراطية البرلمانية، التناقض بين مبدأين أساسيين وهما المبدأ الديمقراطي والمبدأ الليبرالي.

ينطلق المبدأ الليبرالي من الأفراد وحريتهم بوصفها القاعدة الأساسية. هنا لدينا أفراد أولاً، يجتمعون فيما بينهم في تعاقد لتشكيل مجتمع وسلطة، تعاقد نجد شكله المثالي في التعاقدات في السوق. حيث يبدو السوق الشكل المثالي للمجتمع، ساحة عامة ومفتوحة للأفراد ليتعاقدوا فيما بينهم بخصوص أمور محددة. عقود تتضمن وعوداً عليهم الالتزام بها وواجبات من المنتظر أن يؤدوها، حيث تكون هذه العقود نتاج خيارات شخصية ومحددة بمضامينها، وربما مقيدة زمنياً، ويمكن اختيار العرض الأفضل من بين عروض كثيرة مُتاحة. البداية من الأفراد تضمن إعطاءهم حقوقاً أصلية سابقة على إدعاءات الجماعة أو الدولة.

بالمقابل، يقوم المبدأ الديمقراطي على التماهي بين الحاكم والمحكومين، بمعزل عن كيفية تعريف المحكومين لأنفسهم، سواء أكانت فكرتهم عن أنفسهم قومية أو طبقية أو دينية. يُحيل المبدأ الديمقراطي إلى حكم الجماعة، الأغلبية. فالديمقراطية لا تبدأ من أفراد، بل من الجماعة التي تحدد المقبول والشرعي والقانوني (الحلال) في مقابل المرفوض وغير الشرعي (الحرام)، وهذه الجماعة لا تُرَدُّ إلى مجرد اجتماع أفراد، بل إلى نقطة بداية أصيلة في ذاتها، تُعرف بواسطة التقاليد والقيم المشتركة.

اعتبر شميت التناقض بين المبدأين تناقضاً أساسياً لا يمكن حله، حيث يحيل كل مبدأ إلى نقطة بداية مغايرة للآخر وإلى ترتيب مغاير للحقوق والشرعية، وبالتالي إلى تصورين متناقضين للسياسة.

ما يعنينا أن الديمقراطية باعتبارها حكم الأغلبية تطرح تحدياً يتعلق بحقوق الأفراد الأصلية وحمايتها من «عسف» الأغلبية (والذي لن تراه الأغلبية بالضرورة عسفاً، بل حماية لنظامها الطبيعي –النظام العام-، وهو تعبير قانوني يشيع في أدبيات الوسطية الإسلامية مثل محمد عمارة وحزب الوسط المصري)، فوضع حدود على حكم الأغلبية تبدو في ذاتها فكرة مناهضة للديمقراطية. لهذا، لا يبدو ممكناً اشتقاق هذه الحدود من الديمقراطية نفسها، سواء انطلاقاً من «تصورات» ما تتعلق بحقوق أصلية للأفراد لا يحق للأغلبية أن تنتهكها، أو من تقسيم للسلطات يجعل من سلطة غير تمثيلية، مثل القضائية، موازية لسلطة تمثيلية ومنتخبة من الغالبية. لا يمكن تبرير هذه القيود باسم الديمقراطية، بل بالاستناد إلى مرجعية مختلفة، المبدأ الليبرالي، كما في حالة الحقوق الأصلية للأفراد. لهذا، لم يكن عبثاً أن غالبية الحركات الثورية التي تحدثت باسم الشعب كانت ذات مواقف متشككة ومعادية لفصل السلطات، باعتبارها تقييداً لسلطة الشعب.

التركيز على الأغلبية والتماهي بين الحاكم والمحكوم باعتباره أساس الديمقراطية يجعل التحدي الذي تثيره سياسات الهوية في الديمقراطيات المعاصرة مفهوماً. ليس بسبب مناهضة سياسات الهوية للديمقراطية، بل لكونها مناهضة للمبدأ الليبرالي القائم على الاعتراف بحقوق أصيلة للأفراد. إن جوهر السياسات الشعبوية (سياسات الهوية) هو وضع الشعب في مواجهة النخبة، وهذا الشعب متخيل يتم تعريفه بهويته التي ترسم حدود الشعب، ومن ينتمي إليه، ومن يقف خارجه.

لندفع المسألة خطوة للأمام، وعوضاً عن مقابلة الجماعة (المبدأ الديمقراطي) مع الفرد (المبدأ الليبرالي)، لنفكر بمجتمعات تتكون بدورها من جماعات عضوية مختلفة، طوائف أو اثنيات أو قبائل، وليست أمة مكونة من مواطنين أحرار. هنا يصبح تحدي الديمقراطية مضاعفاً، من ناحية مواجهة بين الجماعات العضوية نفسها، ومن ناحية أخرى بين الجماعة العضوية والأفراد المنضوين فيها. فقد تُفهم الديمقراطية بوصفها سيادة الجماعة الغالبة (الأكثرية)، كذلك يدفع التنافس بين الجماعات العضوية الأفرادَ إلى الانسحاق تحت ضغط جماعاتهم باعتبارها الشكل الوحيد للتعبير عنهم، فهم كأفراد لن يكون لهم نصيب في الدولة القائمة على أساس من جماعات عضوية. الوصول إلى الدولة/السلطة يبقى محصوراً في يد الجماعات، التي تؤمن لأعضائها منفذاً إلى السلطة والثروة انطلاقاً من انتمائهم لها، وفي مقابل ذلك تطلب منهم ولاءً تاماً.

تحمل الديمقراطية منذ البداية أسئلة مقلقة حول السلطة وممارستها، سواء سلطة الجماعة في مواجهة الفرد، أو علاقات السلطة بين الجماعات العضوية. الديمقراطية بشكلها المباشر –حكم الشعب- لا تقدم ضمانة للأفراد أو الجماعات الصغيرة في مواجهة استبداد الأغلبية. استبداد أغلبية لطالما انتهى إلى استبداد فرد يتماهى مع الشعب. إن منع تحول الديمقراطية إلى استبدادا الأغلبية يتطلب أمراً يتجاوز المبدأ الديمقراطي نفسه، وهو ما قدمه المبدأ الليبرالي في سياق الخبرة التاريخية للديمقراطيات الواقعية. بالمقابل، لم يكن تحقق الديمقراطية ممكناً دون فكرة سيادة الشعب، الأمة بوصفها صاحبة السيادة، وأن شرعية الحكم مستمدة من تمثيله لهذه الأمة. وهنا يمكن الحديث عن معضلة الديمقراطية المتمثلة بالجمع بين شروط الديمقراطية المتمثلة بسيادة الأمة والشرعية المستمدة من تمثيل هذه الأمة في ممارسة السيادة من جهة، وعدم تحول الأمة إلى «هوية» تستبد بالأفراد والجماعات الأصغر من جهة أخرى، بحيث تكون الأمة أمة سياسية وليست جماعة عضوية. وهذا يقودنا إلى أسئلة تخيّل الجماعة والسيادة والشرعية.

الشرعية والسيادة

في عمله الدولة المستحيلة2 حاجج وائل حلاق باستحالة «الدولة الإسلامية» لكون المفهوم متناقضاً. فحلاق يرى تناقضاً بين الدولة الحديثة ونظام الحكم الإسلامي فيما يتعلق بمفهوم السيادة. فالدولة الحديثة تملك السيادة، فيما تعود السيادة إلى الله في نظام الحكم الإسلامي.

سبق لشميت أن حاجج بأن مفهوم السيادة مفهوم لاهوتي مُعلمَن. فحيازة السيادة تعني حيازة إقرار القانون، وضمنه حق تحديد الحلال والحرام، المسموح والممنوع. فالسيادة تعكس سلطة موازية لسلطة الله في المجتمعات ما قبل الحديثة، فتصير الدولة صورة أرضية لله بحيازتها السيادة. تاريخ الدولة الحديثة هو تاريخ احتكارها للسيادة، احتكار العنف والتشريع وضبط الحياة اليومية. حيث تقر الدولة الحديثة القوانين وتعاقب مخالفيها، تنشئ المدارس والجامعات وتحدد ما يُدرس فيها، تحتكر حق ممارسة العنف وإنزال العقاب والقتل بصفه عنفاً شرعياً، تُلزم مواطنيها بدفع الأموال لها بوصفه حقاً (الضرائب)، وتملك حق سوق الشبان إلى الجيش وامتلاك سنوات عديدة من حيواتهم ودفعهم للموت من أجلها. الأهم، أنهم لا يفعلون هذا قسراً (وإن تحقق بالقسر والعنف) ولكن لاعتقادهم التام بأن هذا هو الصواب والواجب الذي عليهم تجاه الدولة. كل هذا يتم باسم سيادة الدولة وحقها في ممارسة هذه السيادة والقبول بهذه السيادة. بالمقابل –كما يشير حلاق- ينطلق نظام الحكم الإسلامي من موقف مغاير فيما يتعلق بالسيادة، التي تعود إلى الله وليس إلى الدولة أو السلطان. فالسلطان في الحكم الإسلامي مقيد بالشريعة، التي تمثل ضميراً أخلاقياً للأمة، ويتحدث باسمها الفقهاء. تُعرَّف الأمة باعتبارها الجماعة التي تلتزم وتمارس الشريعة، وليس بالإحالة إلى الدولة. بهذا، تكون الشرعية في الإسلام مؤسسة على الدين. يعكس التباين بين الدولة الحديثة ونظام الحكم الإسلامي حول موضوع السيادة تناقضاً جوهرياً، يتجلى لاحقاً في ترتيب علاقات الانتماء والجماعة وممارسة السلطة.

يفترض نظام الدولة الحديثة استقلال النسق السياسي عن النسق الديني، حيث تكون القواعد التي يخضع لها كل نسق مستقلة عن تلك التي يخضع لها النسق الآخر. لا يتعلّق هذا الاستقلال بالعلمانية ولا يستدعيها، فاستقلال النَسقَين لا يعني الفصل بينهما، طالما أنهما يتقاسمان الحضور في المجال العام، بينما تحصر العلمانيةُ الدينَ –بإعادة تعريفه- في المجال الخاص. وهكذا، يمكن للسياسي أن يبرر إخضاع النسق الديني للسياسي لمواجهة النزاعات التي يمكن أن تنشأ عن تباين التصورات الدينية في الدولة. بدورها، لا تتعارض فكرة الحكم المطلق القائم على الحق الإلهي مع هذا الاستقلال، فالملوك، بوصفهم الحاكمين في النسق السياسي، يملكون السلطة بفضل الحق الإلهي، بالمقابل تملك الكنيسة السلطة في النسق الديني. الاستقلال لا يعني الفصل أو الوصل، بل فقط تمايز المعايير والقواعد التي يخضع لها كل مجال.

وقد سمح استقلال السياسي عن الديني بطرح سؤال الشرعية في المجال السياسي. فلم يطرح هوبز3 تحدياً لسيادة الدولة المطلقة (الحاكم)، لكن إسهامه تمثل في نقل مصدر سيادة الحاكم المطلق من الحق الإلهي إلى التعاقد بين أفراد، يتخلون عبر هذا التعاقد عن حرياتهم مقابل الأمن. عندها، تصبح شرعية الدولة شأناً طبيعياً ونتيجة لتعاقد الأفراد فيما بينهم، وتكف عن كونها نتيجة حق إلهي لا يمكن مساءلته. وهذا ما دفع الملك والكنيسة إلى رفض أفكار هوبز، لإدراكهم للتهديد الذي مثلته.

كانت الخطوة التالية تقييد السلطة المطلقة، التي أصبحت تستمد شرعيتها من التعاقد، بحقوق طبيعية وأصلية للأفراد العقلانيين. عندها تتوقف الدولة عن كونها مطلقة السيادة، لتصير سيادتها مقيدة بهذه الحقوق4. الخطوة اللاحقة هي السيادة الشعبية مع نشوء السياسات الجماهيرية، حيث تستمد الدولة سلطتها وسيادتها من الشعب وتكون مؤسسة على العقد الاجتماعي، فتصير الدولة ملزَمة باحترام الحقوق الأصلية لهؤلاء المتعاقدين الحائزين على السيادة الحقيقية. سيادة الشعب فتحت الباب للديمقراطية، مثلما أن حقوق الأفراد الأصلية مكّنت من تقييد هذه السيادة.

سعت غالبية المجتمعات إلى مقاومة بناء سلطة متفردة ومتعالية كالدولة، وقد عرفت العديد منها نجاحاً بفضل اتباعها استراتيجيات منعت نشوء الدولة بوصفها سلطة وسطوة متمايزة عن المجتمع، أو على الأقل قيدت هذه السلطة بشدة. مثلاً، ساهم البوتتلاش (Potlatch)، وهو طقسٌ مُمارس في بعض مجتمعات السكان الأصليين في أميركا الشمالية ويقوم على تدمير الثروة وإحراقها عبر ممارسات تنافسية، في منع تراكم الثروة في أيدي مجموعات بعينها كان يمكن لها وبفضل هذه الثروات المتراكمة امتلاك قوة أكبر من الآخرين تمكّنها من تأسيس مصدر سلطة مستقل لها، يكون لاحقاً أساساً لنشوء دولة.

في السياق الإسلامي، تم النجاح بالحد من سلطة الدولة وتسلطها بفضل الفقهاء وتصورهم عن الشريعة. فشرعية نظام الحكم في الإسلام استندت على مركزية الشريعة باعتبارها ذات مصدر إلهي تحكم شؤون الحياة بعمومها وتشكل نظاماً أخلاقياً ملزماً للجماعة الإسلامية، يتولاه الفقهاء ويعنون بنقله وتعليمه بفضل حضورهم المباشر في مجتمعاتهم المحلية وصلتهم بها عبر المسجد والمدرسة، كما أن الدخول إلى جماعة الفقهاء لم يكن محصوراً في طبقة بل مفتوحاً للجميع، شرط الحصول على الشروط المؤهلة.

علينا أن ندرك أننا، حين نتحدث عن نظام الحكم في الإسلام تاريخياً، فإننا نُحيل إلى حكم لم يكن يتمتع بأية قدرات توازي قدرات الدولة الحديثة، فلا جيشَ نظامياً ولا تجنيد إلزامياً، ولا مدارس رسمية يدرس فيها الشعب، ولا إدارة للاقتصاد لتحقيق التنمية ورسم خطط اقتصادية. هذه الأمور كانت متروكة للجماعات الأهلية وتقاليدها، أحياناً بدعم ما من الدولة عبر رعايتها لبعض المدارس أو تأسيسها أو القيام ببعض الأعمال المدنية. حيث لم تتولَ الدولة مسؤولية العديد من الأمور التي نعتبرها بشكل طبيعي اليوم من وظائفها ومن أسس شرعيتها، مثل مسؤوليتها عن الوضع الاقتصادي والتعليمي والرعاية الاجتماعية والصحية. وبفضل اعتمادهم على مصادر مستقلة للثروة (الوقف)، تمكّنَ الفقهاء من القيام بعدد من هذه المهام، مثل تمويل المدارس والطلبة والجوامع ورعاية الفقراء ودعمهم وتأمين أعمال للعديد من الأشخاص يتقاضون عليها أجوراً وهلم.

قامت علاقة الفقهاء بالسلطة على وظيفتين5، تبريرية ومعيارية، حيث تولى الفقهاء تبرير الحكم وإعطائه الشرعية، ومن ناحية أخرى مارسوا سلطة معيارية عبر فرض حدود ورقابة على هذه السلطة استناداً لكونهم الناطقين باسم الشرع. وهنا يمكن التمييز بين دورين للسلطة ميز الفقهاء بينهما، الحكم والمُلك. بالنسبة للحكم، فهو يتم من خلال الالتزام بالشرع والحكم بمقتضاه باعتباره مصدر الشرعية والسيادة، وهنا يكون الفقهاء رقباء عليه لدورهم كناطقين باسم الشرع الذي يشكل ضميراً أخلاقياً للجماعة من جهة وأيضاً بوصفه، أي الشرع، المحدد لهوية الجماعة نفسها بوصفها جماعة المؤمنين الملتزمين به والمستندين إليه. أما المُلك فيعود للسلطان، الذي قد يتولاه بالغلبة. يمارس الفقهاء دوراً رقابياً ومعيارياً كونهم ناطقين باسم الشريعة وضامنين للعمل بمقتضاها، ودوراً تبريرياً للسلطان بإضفاء الشرعية على حكمه وضمان قبوله، وذلك بحضّ الجماعة على الطاعة والصبر على الحاكم وعدم الخروج عنه بذريعة الفتنة. من هنا لا يثير السلطان ووصوله إلى الحكم، بالبيعة أو بالسيف، إشكالاً دينياً، فالشرعية لا تقوم داخل النسق السياسي نفسه. فلم يكن ممتنعاً على الفقهاء الوقوف إلى جانب صاحب الشوكة وتبرير وجوب طاعته لدرء الفتنة، طالما أن الشرعية تقع في مكان آخر تماماً وتتحدد عبر الالتزام بالشرع والعمل بمقتضاه. بلغة معاصرة، يمكن اعتبار السلطان في الحكم الإسلامي (الدولة) بمثابة السلطة التنفيذية، فيما مثل الفقهاء شكلاً من السلطة التشريعية التي تقيد التنفيذية وتنظم عمل السلطة القضائية حتى ولو خضعت الأخيرة للسلطة التنفيذية6. إضافة إلى تغول السلطة السياسية، واجه الفقهاء خطراً آخر تمثل في الخوارج، الذين سعوا إلى إحلال السياسي في الديني بشكل تام، محولين بذلك كل خلاف سياسي إلى خلاف ديني والعكس صحيح، بما يهدد بفتنة مستمرة.

إن إخضاع السياسي للديني فيما يتعلق بالشرعية لا يعني إحلاله في الديني، بل يحافظ السياسي على تمايزه. تمتد العلاقة بين السياسي والديني على طيف واسع يمكن رصد أربع إمكانيات داخله: الانفصال كما يُقدَّم في العلمانية، فيتم تعريف الديني بما يحصره في الخاص؛ الاستقلال الذي يعني أن كل نسق يخضع لقواعد مستقلة تنظمه وتنظم أسئلة الشرعية الخاصة بكل نسق دون أن تلغي تداخلهما الممكن؛ التمايز الذي يقر برد قواعد أحدهما للآخر دون أن يتماهيا، وهو ما نشهده في السياسة الشرعية، حيث يُخضع السياسي للديني، دون أن يلغي تمايز السياسي كوظيفة ودور مختلف؛ وفي المستوى الأخير تتم مماهاة السياسي والديني بشكل كلي، والذي نشهده لدى الشيعة والخوارج.

ما قام به الفقهاء ليس مجرد «تبرير» للسلطة، بل قدموا استراتيجية ناجحة في لجم السلطة والحد من نفوذها وإلزامها بمعايير تقع خارجها وتمنعها من التغول على مجتمعها. لكن هذه القيود اعتمدت نقل مناط الشرعية من النسق السياسي نفسه إلى خارجه، إلى الشريعة. فلم يعد النسق السياسي يتمتع باستقلال خاص به لجهة وجود قواعد ومعايير خاصة به تسمح له بطرح السؤال الشرعية من داخله، بل توجب عليه العودة إلى النسق الديني لتأمين هذه الشرعية. يمكن القول، بعبارة بيير بروديو، أن نجاح هذه الاستراتيجية عنى نجاح الفقهاء في احتكار الرأسمال الرمزي في مواجهة نظام الحكم.

من النتائج المترتبة على هذا النجاح أن مفهوم الأمة أصبح مقروناً بجماعة المؤمنين التي تعترف وتسلم بسيادة الشريعة وتعمل بمقتضاها في كل شؤون حياتها. لهذا، غاب مفهوم التمثيل، تمثيل الأمة أو جماعات ذات مصالح أمام الدولة التي تعترف بهذه التمثيلية وبدورها الرقابي من جهة والتشريعي التي يسعى إلى تلبية مصالح هذه الجماعات بمقتضى ما يطلبه هؤلاء الممثلون. فاختُزل التمثيل إلى علاقة مرتبطة بالشريعة والعمل بها، وهو ما يتولاه الفقهاء على كل حال. إضافةً إلى الفقهاء، كانت هناك الجماعات الأهلية من نقابات وأشراف وطرق صوفية، يتم التشاور معهم بخصوص ما قد يهمهم ويعنيهم دون التمتع بصفة رقابية وتشريعية.

جادل برتران بادي في الدولتان في أن الفرق بين الغرب والإسلام يكمن في استقلال النسق السياسي عن الديني في الغرب، والذي تمثل بخضوع كل منهما لقواعد خاصة تنظمه، الأمر الذي سمح لاحقاً بطرح أسئلة الشرعية والسيادة والتمثيل على المجال السياسي. بينما غاب استقلال النسق السياسي في الإسلام، الذي خضع للنسق الديني الذي يقوم عليه الفقهاء، الأمر الذي جعل من «فكرة الشرعية غير مستقرة في الثقافة الإسلامية بسبب غياب مقولتين مناوبتين لها في الشرعية الغربية: إنهما مقولتا السيادة والتمثيل»7. وهذا هو الثمن المدفوع نظير نجاح الفقهاء في الحد من سلطة الدولة وتقييدها تاريخياً.

تشير النقاشات المعاصرة إلى هذه الإشكالية فيما يتعلق بسؤال الديمقراطية إسلامياً، حيث يصرح العديد من الإسلاميين بقبولهم الديمقراطية إجرائياً ورفضها فلسفياً، وهم يعنون في هذا رفضهم لمقولة السيادة الشعبية التي لا سند لها في التراث الإسلامي. فهي تطرح تحدياً صريحاً على التقليد الإسلامي، حيث تعود السيادة لله وليس لأحد آخر، سيادة يعبر عنها الإلتزام بالعمل بمقتضى الشرع كأساس لسؤال الشرعية. إنَّ أقصى ما يستطيع الشرع تقديمه توجزه مقولة تقي الدين النبهاني «السيادة للشرع والسلطان للأمة»، أي إعادة إنتاج الموقف الكلاسيكي حيث يكون الله مناط السيادة فيما تستند الشرعية إلى الحكم بالشرع. لكن السلطان، الذي قبله الفقهاء مرة بحكم الغلبة، يكون هذه المرة مُمثِّلَ الشعب/الأمة الذي يصل بآلية ديمقراطية إجرائية مثل الانتخابات. لا يواجه الفقهاء مشكلة فيما يتعلق بالطريقة التي يظهر بها السلطان (السلطة التنفيذية)، سواء بالغلبة أو بالديمقراطية، طالما أن السلطة التشريعية المحددة للشرعية تخضع للشرع الذي يعين لنا الأمة وحدودها التي لا تطابق حدود الدولة. هكذا نجد أنفسنا أمام مفهوم عضوي للشعب والأمة يتعين بالتقليد ولا يتحدد بالسيادة والتمثيل، ويبقى خارجاً عن السياسة.

الدولة العربية الحديثة

في مواجهة تحدي الغرب، توجَّبَ على الدول الإسلامية الشروع بالإصلاح تحت تهديد فقدان استقلالها، وهي حاجة لم تكون وليدة المجتمعات المحلية نفسها. تولت الدولة، وبشكل خاص الفئات المتأثرة بالغرب، أمر الإصلاح، فقدم غالبية الإصلاحيين العثمانيين من مكتب الترجمة. هذا الدافع للإصلاح أثَّرَ بدوره على طبيعته، حيث بدأ من الجيش، فكانت أول المعاهد والكليات تابعة للجيش. بدوره، احتاج الجيش الحديث اقتصاداً حديثاً، وعليه استهدف الإصلاح الاقتصادي تعزيز قدرات الدولة ومواردها بالوصول المباشر إلى رعاياها، متجاوزة الفئات الوسيطة التي توسطت بين الدولة ورعاياها وحازت شكلاً من السيادة على جماعاتها. أطلق الإصلاح عملية بناء وتوسيع قدرات الدولة بشكل هائل لتعزيز قدراتها على المواجهة الخارجية، وهذا لم يكن ممكناً في حالتنا إلا عبر استغلال المجتمع المحلي نفسه وفتحه أمامها بغياب القدرة على إطلاق عملية استعمارية لمناطق أخرى. أعادت عملية البناء هذه النظر في موقع الدولة وعلاقاتها بالمجتمع والجماعات المحلية والوسيطة ومنهم الفقهاء، وبالتالي قادت إلى إعادة ترتيب كاملة لمسائل السلطة والشرعية.

تحت الضغط الغربي، انطلقت إصلاحات تشريعية تستهدف خلق بيئة قانونية حديثة، ومنها المساواة بين جميع المواطنين بمعزل عن انتماءاتهم. لكن هذا واجه تحديات متنوعة تمثلت بمعارضة فئات واسعة من داخل الدولة تعرضت للتهميش والتهديد بفقدان المكانة، مثل الإنكشاريين، وأيضا الجماعات الوسيطة8. تمثَّلَ التحدي الأبرز في سؤال الشرعية التي استُمدت من التقليد الديني القائم على الشريعة، التي تم التخلي عنها بشكل متزايد تحت ضغط الإصلاح وحصرها في قضايا الأحوال الشخصية. لكن من أين تستمد الدولة شرعيتها؟ التداخل بين التحديث القانوني ومركزية الشريعة في ضمان الشرعية ووعي الجماعة الإسلامية لنفسها (وشرائع الملل الأخرى لنفسها)، واستمرار العمل بالشريعة في مجالات مختلفة من خلال قوننتها، غَيّرَ من طبيعة العلاقة التي ربطتها بالناس9، كل هذا أدى إلى الازدواجية القانونية واضطرابها الذي ورثناه وظهر جلياً في قانون الحسبة وتطبيقه في حالة حديثة مثلاً (نصر حامد أبوزيد).

ترافق هذا مع سؤال الأمة والجماعة. فالمساواة المُقرة بين الرعايا لم تعنِ أو تترافق مع الاعتراف بهم كمواطنين لهم حقوق وواجبات ويربطهم تعاقدٌ بالدولة، أيضاً تحدت هذه المساواة مصادر الشرعية لدى النظام التقليدي القائم على تراتبية بين الجماعات بحسب هويتها وانتمائها، خاصة مع بقاء الشريعة (وما يقوم مقامها لدى الملل الأخرى) كقانون فيما يتعلق بالأحوال الشخصية، وبذلك هددت آليات التضامن الداخلية لدى كل جماعة. لم يقتصر رفض الإصلاح على السنّة الذين رأوا فيه تهديداً لمكانتهم وتفوقهم، بل امتد لجماعات أخرى رأت أن مكانتها، الأفضل قياساً بغيرها، مهددة كذلك، أو شعرت بخطر يتهدد التضامن الداخلي بين أعضائها ويضعف من سلطة القائمين عليها تجاه أعضاء هذه الجماعة.

كيف يمكن جعل جماعات مختلفة يحكمها نظام دقيق للتراتب، قائمٌ على التقليد الديني والعرف، أمةً عثمانيةً يتساوى أفرادها فيما بينهم دون تحطيم هذا التقليد؟ كيف يمكن بناء الأمة العثمانية دون ما يترتب على هذا من سيادة شعبية، وبالتالي إبقاء المواطنين مجرد رعايا خاضعين للسلطان؟ إن بناء أمة مرهون بقدرة الدولة على احتكار الرأسمال الرمزي، وبالتالي السيادة والشرعية، وهو ما يدخلها في مواجهة غير مأمونة العواقب مع الشريعة والتقاليد الدينية الأخرى للجماعات الأهلية. بالمقابل، فقد كان للسلطان وحاشيته أسبابهما الكافية للخشية من الطبقة الوسطى الحديثة، الناشئة والمنخرطة في الإصلاح انطلاقاً من مقولات الثورة الفرنسية، فرغم أن مشروع هذه الطبقة هو تعزيز الدولة والهوية المرتبطة بها، لكن تحقيق هذا كان بدوره تهديداً للسلطان وحاشيته. تناقضٌ نراه أيضاً في المرحلة الليبرالية للدولة العربية، عندما يتناقض مشروع بناء الدولة مع مصلحة الوجهاء المسيطرين عليها.

كان نشوء مجال عام حديث قائم على السياسات الجماهيرية والسلطة الشعبية السبب في نشوء الإسلام السياسي بوصفه ظاهرة حديثة، تشكلت على أساس أسئلة فرضها الواقع الجديد، أسئلة تسعى لإيجاد أجوبتها في التراث. لكن التراث لن يسعف في تقديم هذه الاجابات، فهو لم يعرف مجالاً سياسياً عاماً ولا مشاركة شعبية. الأمر الذي فرض «إعادة اختراع» التراث، عبر قراءة معانٍ وإشكالات معاصرة فيه. لكن مركزية التراث تمثلت في أن الشرعية والسيادة لا تؤسَّسان في النسق السياسي نفسه، بل في النسق الديني.

في المرحلة الليبرالية، ومع نشوء طبقات وسطى حديثة متأثرة بالغرب وبمقولات الثورة الفرنسية، تسعى إلى تسويغ دخولها إلى المجال العام والسياسة والمشاركة في الحكم، ظهرت البرلمانات وأُقرت دساتير شارك رجال الدين في صياغتها، ولاحقاً أصبحت البرلمانات سمة للحكم الليبرالي. غير أن الطبقة الوسطى الحديثة بقيت هامشية في مجتمعاتها التقليدية، وحتى مع صعود وسائل الاتصال الحديثة، فإنها لم تستطع النفاذ إلى العمق الاجتماعي. بالمقابل، تمتع ممثلو الهويات المحلية، وجهاء ورجال دين، بقدرة أكبر على الوصول إلى المجتمع سواء عبر الأشكال التقليدية للعلاقات والولاءات أو بفضل الاستخدام الناجح لوسائل الاتصال الحديثة، فالجريدة والمجلة لم تعد مقتصرة على أنصار الحداثة، فقد نجح التقليديون بدورهم في استخدامها بكفاءة، كما بادروا إلى إنشاء المدارس وتعزيز التعليم وغيره10. نجح الفقهاء في معارضتهم للدساتير والقوانين الحديثة التي هددت سلطتهم أو سعت تعزيز المساواة القانونية، سواء بين الأفراد كمواطنين أو حتى الجماعات الأهلية (القانون الفرنسي للطوائف على سبيل المثال).

في مواجهة عجز الطبقة الوسطى الحديثة عن تحقيق الإصلاح عبر الديمقراطية مع سيطرة الوجهاء وإفسادهم للديمقراطية لمصلحتهم، اتجهت هذه الطبقة إلى الراديكالية السياسية. كانت الدولة، وفي قلبها الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر حداثة وتنظيماً والأكثر استقطاباً لهذه الطبقات، الرافعة لتنفيذ البرنامج الثوري التحديثي للطبقة الوسطى. في المرحلة الثورية، بررت الدولة نفوذها وسيطرتها بشرعية التحديث، فالمجتمع يئن تحت وطأة التقاليد البالية والرثة بسبب الاقطاع، والدولةُ هي الجهة الوحيدة القادرة على إنجاز التحديث وتحقيق أهداف الشعب. شكلت الإيديولوجيات التحديثية في منتصف القرن العشرين أساس الشرعية للدولة في مواجهة مجتمع منقسم ومتأخر11. بالمقابل، فإن الشعب الذي لم تَعنِهِ مقولات السيادة والشرعية والتمثيل انحاز لهذه الدولة الراعية، ووقف أحياناً وبشكل صريح ضد الديمقراطية التي لم تعنِ له سوى حكم الوجهاء. وفي حالة الهلال الخصيب، حيث نشأت الدول كتعبير عن إرادة الاستعمار، فإن الشعب لم يعد يحيل إلى شعوب الدول، بل إلى شعوب تتجاوز الدول، وهكذا فإن سيادة الشعب لا تحيل إلى مواطني الدول نفسها، بل إلى شعب مُتخيل يتجاوز هذه الدول. وهكذا صرنا نقف أمام مفارقة تتمثل في أن النظام يكسب شرعية الحكم عبر نفي شرعية الدولة القائمة التي يحكمها. وبهذا الشكل لم تعد شرعية الحكم تنتظم حول العلاقة الداخلية للدولة بشعبها، بل خارجية مرتبط بالمهمات المطروحة على الدولة.

بشكل موجز، بِدءاً من الاصلاح المدفوع بالرغبة في تعزيز قدرة السلطة التنفيذية (الدولة) على مواجهة الغرب، لم تعن عملية بناء الدولة سوى تعزيز السلطة التنفيذية ومراكمة القدرات في يدها دون أن تترافق مع تأسيس شرعية مستندة إلى استقلال المجال السياسي والتمثيل الشعبي. فالدولة –من ناحية- لم ترغب بمثل هذا التمثيل الذي يهدد مشروعها الإصلاحي من طرف المجتمع التقليدي، أو يهدد سلطة الطبقات المسيطرة على الدولة في مواجهة ادعاءات الطبقات الوسطى الحديثة.

بفضل هذا التحديث للدولة، ظهرت أشكال حديثة من التنظيم البيروقراطي والجيش النظامي والسلاح الحديث، وتضخمت قدرات الدولة بشكل هائل مقارنة بمجتمعها العاجز عن تطوير استراتيجيات موازية لمواجهة هذا الاختلال الخطير في توازن القوى. عجز المجتمع في مواجهة الدولة يجد جذوره سواء في مخيلة سياسية مغايرة لنظام الدولة الحديثة، فلا تعبأ بأسئلة الشرعية والتمثيل والسيادة الشعبية، أو بسبب انقسامات اجتماعية جعلت جماعات مختلفة ومتباينة تتنازع ادعاءات الأمة والسيادة من تحت أو فوق الدولة. ولهذا لم تلعب الديمقراطية والسيادة الشعبية دوراً مهماً في تاريخ النضالات الشعبية، وغابت بشكل كبير عن نضالات مدينية ظهرت منذ بداية العصر الحديث، بل وأحياناً تحركت الجماهير مباشرة ضد الأشكال الديمقراطية ولمصلحة الادعاءات الشعبوية، كما حصل في مصر 1954. بقيت اللحظات الديمقراطية مقتصرة على الفترات التي تداخل فيها النضال مع لحظة الاستقلال الوطني في مواجهة الاستعمار الأجنبي، ولكن الديمقراطية لم تعد مدرجة على أي برنامج نضالي محلي في الدولة الوطنية ما بعد الاستعمارية، وهو ما سبق ودلل بادي عليه. هذا الاختلال يعبر عنه تماماً الاختلال المرتبط بقدرة الدولة العربية الحديثة على مراكمة مصادر القوة المادية، من ثروة وقدرة قمع، وعجزها عن مراكمة واحتكار الرأسمال الرمزي، الشرعية. فلم تؤسس الدولة العربية الحديثة شرعيتها على أساس من العلاقات الداخلية التي تجمعها بمواطنيها، من حيث تمثيليتها لهم وباعتبارها تعبيراً عن إرادتهم الجماعية، بما يلزمها أن تحظى بقبولهم وتولي عناية بآرائهم وتفضيلاتهم في تشكيل سياساتها. بل لجأت إلى إدعاءات شرعية خارجية بالنسبة إلى هذه العلاقة، وتقوم على أساس «مهمة تاريخية» منوطة بالدولة والجماعة التي تحوز السلطة فيها، سواء كانت مهمة تحديثية أو مهمة توحيد قومي. فبقيت مسألة الشرعية غائبة عن علاقة الدولة بشعبها، ومعها تحولت المعارضة إلى مناوءة للدولة ومنازعة تهدد بالفتنة (راجع بادي – الفصل السابع).

صار الوصول إلى الدولة والسلطة غير متاح عبر الديمقراطية أو النضال الاجتماعي أو حكم الجدارة، بل عبر السيطرة على مصادر القوى في جهاز الدولة، الجيش والأجهزة الامنية (بعبارة تشارلز تيللي، الدولة عصابة)، وهو ما تم على أساس العلاقات الأهلية، القرابة والمحسوبية والراعي-الزبون للولاء الشخصي. فنجح المجتمع الأهلي في النهاية في غزو الدولة وإعادة إنتاج تناقضاته الأهلية بشكل جديد عبر الدولة، وطبعاً مضخمة ومستقطبة بما يسمح بالحفاظ على السلطة، عكس التناقضات التقليدية التي عرفتها المجتمعات الأهلية. فصارت الدولة العربية الحديثة في النهاية شكلاً محدثاً للحكم السلطاني/المملوكي، ولكن بقوة فتاكة تتجاوز ما كان للأخير تاريخياً.

في مواجهة مأزق شرعية الدولة، بقيت الديمقراطية معضلة لغياب فكرة السيادة الشعبية عن المخيال السياسي المترافق مع طغيان سياسات الهوية القائمة على التقليد في «المجتمع»، بما يجعله مجرد جماعات عضوية متواجهة. هكذا صارت الديمقراطية موضع نزاع أكثر من كونها محل إجماع في مواجهة تضخم الدولة وتسلطها. في الغرب، كان هناك «لاهوت» الحقوق الطبيعية وحكم العقل بوصفه المساحة التي سمحت للديمقراطية بالاستقرار وتشكيل أمة سياسية من مواطنين أحرار، فيما مجتمعاتنا منقسمة إلى جماعات عضوية تتعرف على نفسها عبر التقليد والهوية، بما يجعل سياسات الهوية السياسة الأكثر حضوراً وهيمنة.

خاتمة

معضلة الشرعية في الدولة العربية لها وجهان، يتمثل الأول في الدولة العربية الهجينة والمتغولة على مجتمعها بدون اعتبار لسؤال لشرعية، ويتمثل الثاني في الثقافة السياسية، بما تعنيه من قيم وترتيبها وذاكرة تحدد الهوية والولاءات، المتخارجة مع منطق الدولة والديمقراطية والسيادة الشعبية. هذا ما يدفع للسؤال عن أشكال أخرى من الاجتماع السياسي تأخذ بعين الاعتبار أنماط الشرعية والانتماء للجماعات الأهلية من ناحية، وحماية الأفراد والجماعات الصغيرة وتقييد سلطة الدولة الحديثة وتغولها على مجتمعها من ناحية أخرى. قُدِّمَت عدة اقتراحات سعت للعودة إلى التقليد لبناء أشكال من الشرعية تؤسس وتدعم النسق السياسي وتُقيّد سلطان الدولة والقائمين عليها، دون إحلال الدولة في الدين ومصادرة التقليد الديني واحتكار الكلام باسمه. وبالتالي جعل التقليد يلعب دوراً موازياً لحقوق الانسان الطبيعية في الغرب كإطار مقيد للسلطة.

يدافع رضوان السيد12 عن إعادة الاعتبار للتقليد الاسلامي في مواجهة المعسكرين اللذين تناوبا على منازعته. الحداثيون الرافضون للتقليد من جهة، والاسلام السياسي الذي فجر التقليد الإسلامي من داخله عبر إحلاله السياسي في الديني وتحديد الشرعية بحاكمية الشريعة ليكون في هذا استمراراً لتقليد الخوارج. وفي مقابل هذه المواجهة وما آلت إليه، استبداد الدولة الحديثة وغياب الشرعية في حالة الحداثيين، والحرب الأهلية والحكم الثيوقراطي في حالة الإسلام السياسي، يدعو السيد إلى إعادة الاعتبار للتقليد عبر تقديم فهم حديث له، مدافعاً عن الديمقراطية والمدنية عبر وضع السلطان في الأمة، باعتبار الدولة والشرعية شأناً مدنياً متروكاً للأمة، في مقابل حفظ السيادة لله. لكن هذه الدعوة تعيد مداورة أسئلة الشرعية مع تخارج الدولة والأمة. فالأمة في التقليد هي جماعة المؤمنين والمعرفة بالتزامها بالشريعة، الأمر الذي يجعل من الأخيرة معيارية في تعريف الأمة لذاتها وأساساً للشرعية بحسب التقليد نفسه.

بدورها، تأخذ هبة رؤوف عِزّت على الإسلاميين سعيهم «لإعادة التأسيس للرابطة السياسية الإسلامية على قاعدة الدولة الحديثة التي تقوم على مصادرة وتقويض مفهوم الجماعة والأمة والناس الإسلامي التعددي»، وتُقدم مخيلة مغايرة قائمة على القيم الإسلامية «وذلك كما صاغه دستور المدينة مؤسساً على مرجعية الشرائع الدينية لجماعات عضوية متحالفة ضد تحول السلطة إلى مُلك، وضمان الحريات في المجال العام وتفصيل الخاص والخصوصية في قضايا القيم والأخلاق والعام والمدني فيها». فعِزّت مدركة للمعضلة التي تمثلها الدولة الحديثة لمجتمعاتها، وللخطر الذي يحمله مشروع أسلمة هذه الدولة من حيث إعادة إنتاجه لتسلط الدولة الحديثة لكن بلبوس إسلامي. في المقابل، تطالب بشكل آخر من أشكال التعاقد بين الجماعات العضوية، يراعي هذه الجماعات ويضمن حقوقها وحرياتها. لكن ما يبقى مطروحاً، كيف يمكن أن يكون شكل العقد الاجتماعي بين الجماعات العضوية؟ هل يضمن مساواة هذه الجماعات أم يخضعها لتراتبيات معينة مشتقة من تقاليدها؟ ويبقى السؤال المركزي، هل يتسق مفهوم التعاقد بالأساس مع مفهوم التقليد والجماعة العضوية؟

هنا تعوزنا الإجابات، وتبدو هذه التصورات متناقضة في ذاتها، فهي في مسعاها إلى بناء شرعية «تعاقدية» للسلطة مستندة إلى الأمة، تَردُّنا إلى الجماعة العضوية التي تشكل هذه الأمة. كما أن التعاقد يفترض مساواة المتعاقدين وحرية مصونة لهم، بينما لا تقدم التقاليد مثل هذه الضمانات، بل إنها تتعارض مع فكرة التعاقد من حيث كونها تقليداً.

لا ينتقص هذا من جدوى هذه المقاربات وأهميتها القائمة على إعادة النظر في الدولة الحديثة ومساءلتها ومساءلة أنماط الشرعية التي تنظمها، وإعادة الاعتراف بالحاجة إلى التقليد لجهة الاستراتيجيات التي اتكأ عليها لتقييد جموح السلطان. لكنها تبقى بعيدة عن تقديم حل للمعضلة الأساسية، والمتمثلة بطبيعة القواعد التي تنظم النسق السياسي وشكل الشرعية التي يستند إليها، وهي أشياء لا يسعفنا التقليد الديني في حلها إلا بردها إلى نسق آخر غير سياسي (ديني)، بما يستدعي الخروج من التقليد نفسه أو إعادة تأسيسه أو مقاربته بطريقة أكثر جذرية، أو أن ننغلق في تناقض الدولة الحديثة والإسلام بما يحتم علينا الاختيار بينهما.

إن ما نحتاجه الآن هو الكثير من الخيال.

  • 1. Carl Schmitt, The Crisis of Parliamentary Democracy. MIT Press 2000.
  • 2. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي وائل حلاق. ترجمة: عمرو عثمان، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
  • 3. اللفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة توماس هوبز، ت: ديانا حبيب حرب وبشرى صعب. الفارابي وهيئة أبو ظبي للثقافة والتراث. 2011. 
  • 4. في محاضراته في الكوليج دو فرانس لعام 1987-1979 ناقش فوكو (انظر: The birth of biopolitics. Palgrave macmillan. 2010) هذا التمييز بين شرعية الدولة بوصفها مطلقة السيادة وشرعية الدولة عبر خضوعها لنظام الأشياء القائم على حقوق أصلية وطبيعية عبر مناقشتها نمط الشرعية للدولة الليبرالية في القرن العشرين. هذه المسألة كانت مجال سجال، حيث سعى الليبراليون إلى نقد هذا التصور «اللاهوتي» للسيادة باخضاعها لمبادئ وحقوق طبيعية أولى، الفرد والعقل، وهنا يمكن مراجعة نقد هابرماس لشميت في ورقته «المعنى العقلاني لميراث اللاهوت السياسي المريب» في قوة الدين في المجال العام، ت: فلاح رحيم. دار التنوير للطباعة والنشر. 2013. أخيراً، إن النقد الرومانسي للحداثة، وفي حالتنا الإسلامية مثل وائل حلاق وهبة رؤوف عزت وسيف الدين عبد الفتاح، يقدم نقداً للدولة عبر تقديهما في بعد وحيد متمثل في هذا الشكل السيادي الأقصى، متجاهلاً الإسهام الليبرالي في تقييد هذا التصور المطلق للسيادة واعتباره غير مؤثر في طبيعة الدولة.
  • 5.  راجع دولة الفقهاء: بحث في الفكر السياسي الإسلامي، نبيل فازيو. منتدى المعارف. 
  • 6. مقاربة نوح فيلدمان للشريعة في اعتباره اياها شكلاً للسلطة التشريعية التي تقيد السلطة التنفيذية، ولهذا يرى فيلدمان أن شعار الحكم بالشريعة الذي ترفعه الحركات الإسلامية ويحظى بشعبية هائلة في المجتمعات الإسلامية هو استجابة لرغبة العدل وتقييد جور السلطان وعسف الحكام بفضل الشريعة التي تمثل تقليدياً السلطة التشريعية. راجع سقوط الدولة الإسلامية ونهوضها، نوح فيلدمان. ترجمة: الطاهر بوساحية، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2008.
  • 7. الدولتان: السلطة والمجتمع في الغرب وبلاد الإسلام، برتران بادي، ت:لطيف فرج، مدرارات للأبحاث والنشر. 2017. ص 111. يقدم بادي مرافعة واسعة حول العلاقات التي حكمت النسق السياسي مع النسق الديني في الغرب والإسلام، مبرهناً على ما تمتع به النسق السياسي من استقلال في الغرب مقابل غياب هذا الاستقلال في الإسلام وما ترتب عليه، وهي الأطروحة التي تستند عليها الورقة بشكل كبير.
  • 8. يبقى موقف الفقهاء من هذا الإصلاح القانوني، الذي عنى تحجيم سلطتهم وتهديدها مباشرة، مسألة مثيرة للاهتمام. وقد اختلفت مواقفهم باختلاف طبقاتهم وعلاقاتهم مع الدولة، فعموماً مال كبار الفقهاء والمنخرطين في جهاز السلطة إلى قبول هذه الإصلاحات انطلاقاً من إدراكهم لطبيعة الضغوط والتحديات التي تواجهها الدولة، بما يستوجب قبول هذه الإصلاحات وإن يكن ضمن حدود. في المقابل، رفضها مثلاً رجال الدين الفقراء والمرتبطون بالعامة باعتبارها تهديداً للإسلام وللمسلمين ومركزهم في «دولتهم». من أجل مراجعة أكبر لمواقف الفقهاء من الإصلاح راجع العلماء العثمانيون والتغريب في زمن سليم الثالث ومحمود الثاني في الشرق الأوسط الحديث، المجلد الأول. تحرير ألبرت حوراني، فيليب خوري وماري ويلسون. ت:أسد صقر. مدارات للأبحاث والنشر. 2015
  • 9. هذا التحول الذي أصاب الشريعة بتحولها إلى قانون درسه حسين عجرمة، من خلال دراسته لعدة لقضايا تم الحكم فيها بالمحكمة وبالاستناد إلى الشريعة وحالات أخرى تم حلها بالعودة إلى مؤسسة لجنة الفتوى التابعة لمؤسسة الأزهر، وكيفية علاقة الناس وتعاطيهم في الحالتين، المحكمة ولجنة الفتوى، واختلافاتها. مساءلة العلمانية، حسين علي عجرمة، ت: مصطفى عبد الظاهر، مركز نماء للبحوث والدراسات.2017.
  • 10. لمراجعة واسعة عن خطابات عصر النهضة ووسائل الاتصال الحديثة المعتمدة في بناء هذه الخطابات وحجم النخب الحديثة مقارنة مع تلك التقليدية، راجع ثقافة النهضة العربية وخطابات الهويات الجماعية في مصر وبلاد الشام. قيس ماضي فرو. الفارابي. 2017
  • 11. لم يقتصر هذا فقط على تلك المرحلة، بل ما يزال معاصراً إلى اليوم في خطاب تحديثي يؤمن شرعية الدولة في مواجهة مجتمعها المتخلف من ناحية، وفي تصور معياري للدولة بوصفها الفاعل المعياري والأكثر عقلانيةً والمستقل عن الانقسامات الاجتماعية المفوتة (قبلي وإثني وطائفي وهلم)، بما يضفي عليها قيمة أخلاقية ويعطيها حقاً وواجباً أخلاقياً في «توحيد» مجتمعها وتحديثه. مثل هذه القراءة للدولة حيث يتداخل الوصفي والمعياري في مقاربتها نجده لدى عبد الإله بلقزيز، الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر، الشبكة العربية للأبحاث، 2008.
  • 12. محاضرته «الجماعة والتقليد والإصلاح:سياسة الدين في أزمنة التغيير»، في المؤتمر السنوي الثاني لمؤسسة «مؤمنون بلا حدود» في مراكش، 2014. أيضاً «الدين والدولة من منظور إسلامي عصري ومنفتح» في الدين والدولة في الوطن العربي: بحوث ومناقشات مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي بالإسكندرية. 2013.