تحديق في هاوية تشيرنوبل

 

يرى بوريس شربينا، نائب رئيس الوزراء ووزير الطاقة والوقود في الاتحاد السوفييتي، دودة تسلقت على ساقه أثناء الاستراحة في إحدى جلسات المحاكمة، فينقلها برفق على راحة يده، ويتحدث إلى لغاسوف، الخبير بالطاقة النووية، قائلاً: «كم هي جميلة». يأتي هذا المشهد في الحلقة الأخيرة من المسلسل القصير تشيرنوبل، وذلك في لحظة وعي بجمال أشكال الحياة البسيطة والمعقدة على الأرض، وفي تقدير لأكثر الكائنات الحية هشاشة، وذلك بعد استخفاف واستهتار خطيرين، كانا السبب في حادثة انفجار المفاعل النووي التي قضت على كل أشكال الحياة في محيطها، وحولت برابيت الأوكرانية إلى مدينة أشباح.

يروي المسلسل التلفزيوني المؤلف من خمس حلقات، الذي أنتجته شبكة HBO التلفزيونية الأميركية، الوقائع التي أعقبت كارثة انفجار المفاعل النووي تشيرنوبل، خلال مدة زمنية غير متسلسلة، موزعة على أيام متفرقة منذ السادس والعشرين من نيسان/أبريل عام 1986، اليوم الذي انفجر فيه المفاعل النووي؛ مروراً بيوم المحاكمة في العام 1987، اليوم الذي حوكم فيه المسؤولون عن الخطأ البشري الحاصل؛ وحتى يوم الثامن والعشرين من نيسان/أبريل عام 1988، أي بعد نحو سنتين من وقوع الكارثة، وهو اليوم الذي انتحر فيه العالم النووي، الذي كان له الفضل في تقديم التفسير العلمي الكيميائي عن كيفية حدوث الانفجار، وفي تقديم قرائن علمية على مسؤولية الاتحاد السوفييتي عن تلك الكارثة البشرية والبيئية.

لم تتم مراعاة الترتيب الزمني للأحداث والأيام في المسلسل، فهو يبدأ في يوم انتحار الخبير النووي، ثم يعود إلى اليوم الذي حدث فيه الانفجار النووي، وينتهي بالمحاكمة. وتدفع هذه البنية الدرامية المُشاهد لاستيعاب كارثة بحجم تشيرنوبل على جرعات. ويولّد هذا السياق الزمني للأحداث كثيراً من الأسئلة في ذهن المتفرج خلال المشاهدة، ثم تأتي المحاكمة في الحلقة الأخيرة بمثابة الكشف، وتقدم تفسيرات لتلك الأسئلة، يكتمل معها اللغز.

ويترك اختيار المحاكمة كنقطة نهاية للمسلسل، بدلاً من الانتحار، في أنفسنا أثراً تطهيرياً بعد مشاهد الموت العبثي ومعاناة الأحياء والناجين، وذلك لسببين؛ أولهما الإجابات التي تقدمها المُحاكمة، والفجوات العلمية التي تملؤها تفسيرات منطقية، وثانيهما تحقيق جزء من العدالة لمئات آلاف الأشخاص الذين ماتوا أو تضرروا، سواء من العاملين في المفاعل ورجال الإطفاء والممرضين والسكان أثناء وقوع الحادث، أو حتى لاحقاً نتيجة انبعاث الإشعاع النووي وانتشاره في الأماكن السكنية القريبة.

يقدم المسلسل وثيقة عن الكارثة النووية، وعن كيفية استجابة المسؤولين في الاتحاد السوفييتي ووكالة الاستخبارات السوفييتية لها، وقد اتُّهم صنّاع المسلسل بعد عرضه، في مقالات عديدة نشرت في صحف ومواقع عالمية، بتلفيق العديد من القصص، وإضافة بعض التفاصيل التي ليست حقيقية بالضرورة. وربما يكون صحيحاً أن هناك تفاصيل متخيلة، لكن هذه ليست المرة الأولى في تاريخ صناعة المسلسلات المأخوذة من قصص حقيقية، التي تتم فيها إضافة تفاصيل متخيلة على القصة الواقعية لزيادة اللحظات الحرجة تعقيداً وتكثيف البعد الدرامي لأفعال الشخصيات، وبالرغم من أن هذا التدخل يمكن فعلاً أن يضر بمصداقية هذه الوثيقة أو يشوه أو يطمس جوانب من الحقيقة، إلا أن هذا المسلسل لم يقدم نفسه أصلاً على أنه عمل وثائقي، كما أن الكارثة قد وقعت فعلاً، وهي كارثة تراجيدية يقشعر لها البدن، سواء تمت هذه الإضافات المتخيلة أم لا.  

لكن بالمقابل، تم تصوير الشخصيات المسؤولة عن الانفجار، مثل مدير المفاعل فيكتور بريخانوف والمهندس المسؤول المناوب في ليلة الكارثة أنطون ديالتوف، بطريقة لا تخلو من التنميط والتبسيط، من خلال إظهارهم بمنتهى التحجر والقسوة، لا سيما عند تعليل إجرائهم اختبار الأمان الذي تسبب بالكارثة في اليوم الخاطئ، بأهدافهم الانتهازية في الحصول على ترقية ومناصب أعلى في عملهم. ولا يندرج هذا ضمن الإضافات ذات الأغراض الدرامية، بل يندرج تحت أغراض تتعلق بالتنميط السياسي لمسؤولي الاتحاد السوفييتي، وهو ما لا ينفصل عن الصورة الأوسع خارج حدود المسلسل بحد ذاته.

لا يمكن للمتلقي أن يستقبل مسلسل تشيرنوبل بمعزل عن الموقع السياسي للشركة المنتجة، ولا عن موضوعه، الذي ينتمي زمنياً وجغرافياً لمدينة برابيت في أوكرانيا التي كانت إحدى دول الاتحاد السوفييتي، وذلك لأن هذه العودة الأميركية إلى أرشيف الاتحاد السوفييتي تحمل رسائل على المستوى السياسي، أهمها الكشف الأميركي عن واحدة من أشنع الكوارث وتقديم الشرح العلمي والكيميائي لها على نطاق جماهيري واسع في سلسلة تلفزيونية، وهو ما يمكن اعتباره إشارة إلى كفاءة علمية وشفافية لم يمتلكها الاتحاد السوفييتي في عهد ميخائيل غورباتشوف آخر رؤسائه، وإلى تفوق علمي وبحثي في تطوير الأسلحة النووية. لكن في الوقت نفسه، لا شك أن كثيراً من المشاهدين سيخطر في بالهم أن هذا قد يحدث أيضاً في الولايات المتحدة، التي تملك ستين مفاعلاً نووياً على أراضيها.

كذلك تقود مشاهدة المسلسل إلى التفكير في دول مثل إيران، تصنع مفاعلات نووية بينما تعاني من الفقر والأزمات الاقتصادية، وهي قد تلجأ إلى خيارات توفيرية تقامر فيها بحياة البشر والنظام البيئي، كما حصل في تشيرنوبل عندما تم استبدال مادة البورون بمادة الجرافيت كونها أقل كلفة، وهو ما كان سبباً في زيادة فاعلية اليورانيوم في المفاعل.

لا نعرف إذا كانت المحاكمة الأخيرة تلخص كل ما حدث فعلاً، أو تقدم إجابات لكل الأسئلة التي قد يطرحها المشاهد، إلا أن المسلسل قدم كثيراً من التفاصيل، ومن التجسيد الواقعي للمأساة الإنسانية، ولمضاعفات التعرض للإشعاع، الأمر الذي أدّى إلى قتل كافة أشكال الحياة في تلك البقعة من الأرض، وغيرها من المشاهد، التي سنراها كابوساً يوقظنا من نومنا، في وقت لا نرى فيه أمامنا خياراً غير تقبل الخطر القائم ومعايشته في عالم مدجج باليورانيوم، الذي مهما قلت نسبة احتمال وقوع الخطأ البشري في التعامل معه، إلا أنه يبقى احتمالاً حاضراً في كل وقت.

في المشاهد التي تسبق الموت المحتم في المسلسل، تظهر الحياة اليومية في فضاءات المدينة بطئية، هائمة، ملوثة بالسم، وكذلك تظهر لحظات التخلي والانفصال عن المصابين بآثار الإشعاع النووي، وغيرها كثير من اللحظات القاسية والعنيفة نفسياً، التي تضعنا في مواجهة أولئك الذين عانوا وتمت التضحية بهم في الماضي، ولا تزال تتم التضحية بغيرهم في وقائع موت جماعي مماثلة تتكرر حتى اليوم. لقد تطلب الأمر ثلاثة وثلاثين عاماً للعودة إلى الحفرة العميقة التي خلفها الانفجار النووي، والتجرؤ على التحديق في الهاوية التي ابتلعت مدناً وآلافاً من الضحايا، وهجّرت ملايين السكان.