تحرّيات بين صور الحوامل

 

1

من المتوقع لكل النساء أن يصبحن أمهات وينجبن أطفالاً يوماً ما، لكن لسن جميعاً قادرات أن يصبحن أمهات جيدات. لتكون الامرأة أماً جيدة يجب تربيتها منذ اللحظة الأولى لولادتها، وقبل حتى أن تمتلك وعياً مستقلاً. تبدأ التحضيرات لدور الأم الجيدة منذ الطفولة، دون مناقشة مسألة الإنجاب أساساً، لأنها مسألة ستحدث عاجلاً أم آجلاً. كل النساء يجب أن ينجبن أطفالاً، وكل النساء يجب أن يسعدن بامتلاكهنّ هذه الميزة في أجسادهنّ. هذه التحضيرات غالباً ليست عملية واعية، بل تتشربها النساء من أمهاتهنّ أولاً، وكل التصريحات والسلوكيات والمواقف من الزواج والعائلة والأطفال ليست إلا حرب تقديم أدلة وإثباتات متينة ودفاع مسبق عن النفس يدل على الجاهزية الحتمية لأن تكون إحداهنّ أماً.

الحمل بالغلط أو بالصدفة هو أمر شائع بين النساء، قد يحدث للواتي يرغبن بأن يصبحن أمهات أو لا يخططنّ للإنجاب. أحياناً يغافل الحمل جسد المرأة، مهما كانت مستعدة لحدوثه أو تتخذ التدابير لمنعه. وفي حال قررت المرأة الاحتفاظ بالحمل، فعليها أن تبدأ مرحلة التحضيرات لاستقبال المولود/ة الجديد/ة: شراء الثياب الجديدة، تخصيص غرفة في البيت، شراء احتياجات وألعاب وشامبوهات وكريمات وغيرها من المستلزمات. الهدف من هذه التجهيزات في معناها الأعمق إعلان جاهزية الأم والأب؛ الجاهزية النفسية والاقتصادية والاجتماعية للأمومة والأبوّة. ومن الطقوس الممتازة لإعلان الحمل والكشف عن جملة الاستعدادت هذه بطريقة محببة اجتماعية، تشويقية وتشجيعية لمن لم ينجبن بعد، هي جلسات التصوير للنساء الحوامل.

2

انتشرت موضة جلسات التصوير للحوامل مع أزواجهن بشكل كثيف في السنوات الخمس الأخيرة، وصارت تُظهر النجمات والمغنيات والممثلات ببطونهنّ المنتفخة على المسارح أو أمام الكاميرات وفي المقابلات التلفزيونية. ولعلّ الصورة الأكثر تأثيراً في ذاكرتي كانت قبل ثلاث سنوات، عندما شاركت بيونسه، مغنية البوب السمراء الأميركية، صورة لحملها بتوأمين. كانت الصورة صادمة وجميلة إلى درجة ضاعفت من لغز الحمل وجماليات الجسد الحامل. استطاعت الصورة أن تعكس قدراً من التوازن في العلامات البصرية بين كل من الجسد الحامل وجنسانية الأم-الحامل؛ توازن بين الأجزاء المكشوفة من الجسم والأخرى المغطاة وراء أقمشة شفافة وورود وعشب أخضر، بالإضافة إلى مجموعة من الألوان الجديدة على ثيمة الحمل والأمومة.

أربك هذا التوازن غالبية الأذواق، وحصدت الصورة عدداً هائلاً من المشاركات والإعجابات. في السياق العربي، وتحديداً بعد صورة بيونسه، أصبحنا نصادف بكثرة صوراً لمغنيات وممثلات خلال فترة الحمل، والغرض من هذه الصور إخباري وتشويقي للجماهير الذي تتبع أخبار النجمات.

3

بعد مراجعة واسعة لصور جلسات التصوير للحوامل على صفحات التواصل الاجتماعي من فيسبوك وإنستغرام، انتظمت هذه الصور ضمن ثلاث مجموعات:

الأولى هي صور النساء الحوامل اللواتي لسن من المشاهير أو من نجمات السوشل ميديا، وغالباً ما تكون الصور ضمن هذه المجموعة توثيقية احتفالية.

المجموعة الثانية هي صور النساء الحوامل بالأبيض والأسود، وهي غالباً ما تكون صوراً فنياً تقف فيها المرأة وحيدة أمام عدسة الكاميرا.

أما الفئة الثالثة من الصور فهي صور النساء الحوامل بالبكيني أو ثياب داخلية شفافة، أو حتى يمكن أن تكون صوراً تظهر فيها الحامل عارية تماماً. ويمكننا أن نضم لهذه المجموعة صور النساء الحوامل في حوض الاستحمام المعبأ بالورود الطافية على سطح الماء أو الحليب.

لكل واحدة من مجموعات هذه الصور نظام لوني مختلف، ووضعيات تصوير مختلفة، ونوع مختلف من الأقمشة والملابس يتراوح بين الفساتين الضيقة والملابس الفضفاضة المكشوفة البطن، ومن هذه الصور ما يُلتقَط في الطبيعة ومنها في الاستديو.

تحمل هذه الصور سيلاً من المشاعر المختلطة و المقدسة، لكنها غالباً ما تكون صوراً مجتزأة واستباقية عن ملامح الأم الجيدة، كما لو أن هذه البطون المنتفخة مجتمعة، والأجساد الحوامل التي تقف وقفة جانبية (بروفايل) أمام الكاميرا، والأيدي التي تحيط بالجنين المختبئ، تحاول أن تقول شيئاً مغايراً أكثر اتزاناً وصدقاً مما تقوله صورة منفردة لوحدها في ألبوم العائلة، أو من جملة «آسرة» تكتبها الفنانة تعليقاً على صورتها الحامل.

4

أثارت مجموعة صور الرجل الحامل موجة من السخرية على صفحات التواصل الاجتماعي. وقد أُشيع أنها لرجل رفضت زوجته لسبب من الأسباب أن تذهب لجلسة التصوير التي سبق وحجزها الرجل هدية لزوجته الحامل، فذهب هو بدلاً منها وأخذ صوراً له بملابس ووضعيات تصوير تشبه تلك التي تأخذها النساء الحوامل في جلسات كهذه. فيما بعد اكتشفنا أن هذه القصة مزيفة.

ما يهمنا في الأمر هو موجة الضحك والسخرية التي رافقت انتشار هذه الصور. فبالرغم من أننا نصادف يومياً صوراً لنساء حوامل على فيسبوك وإنستغرام، إلا أننا نقابلها بالإعجاب والمباركات والقلوب. ولا نتجرأ أبداً على الضحك عليها. من البديهي أن يكون تبادل الأدوار بين الجنسين السبب الأول وراء كوميدية هذه الصور، لكني شخصياً لا أعتقد أن المضحك هو استحالة أن يحمل الرجل جنيناً بداخله كما النساء، أو ارتداؤه ثياباً نسائية تكشف أجزاءً من جسده. المضحك مثلاً في صور الرجل الحامل هو تعابير الوجه والنظرات الموجهة إلى الأعلى أو إلى البطن المنتفخ، والتي يسخر فيها الرجل من صور النساء الحوامل واللواتي يمثلن نظرات حالمة وشاردة أمام عدسة الكاميرا أو اليد المحيطة دائماً بالبطن، وكأن المرأة الحامل ليس لديها شيء آخر تفعله إلا تفقّد بطنها 24 ساعة طوال تسعة أشهر. وبالرغم من أن البعض قد يجد هذه الصور ثقيلة الظل، إلا أن المبالغة في أداء الدور أيضاً مضحكة وساذجة أحياناً، ويجب الاعتراف بأنها مضحكة حتى لو صدرت من امرأة مؤمنة تماماً بما تؤديه أمام الكاميرا.

5

نتعرف في بعض الصور على الأب أو الزوج، وفي أغلب الصور الفوتوغرافية التي تمت مراجعتها يؤدي الأب الدور الحمائي ذاته، فهو إما يحضن البطن المنتفخ ويطوّقه فوق يدي الأم، أو ينحني ليطبع قبلة عليه ويُحيط به وبجذع الزوجة الواقفة جانباً.

عند التأمل في التكوين البصري للصور الفوتوغرافية، نجد تركيزاً مبالغاً به على جذع المرأة وبطنها، وكأن المولود/ة الجديد/ة هو حلقة الوصل بين الأب والأم وهو السبب والغاية لهذه الصورة الفوتوغرافية ولهذه العلاقة. ذلك متوقع وهو هدف أي علاقة تريد أن تثمر. كما أن وضعيات التصوير للأب والأم المستقبلين تعكس شكل العلاقات الموجودة في نظام اجتماعي ينتمي إليه الأب والأم.

بيد أن هذه الصور الفوتوغرافية مجتمعة لم تعد استجابة لمنظومات موجودة مسبقاً، بل صارت تحيل إلى معايير ومؤشرات تُبنى على أساسها تخيلات عن جودة العلاقات العاطفية والعائلية. وربما كان رولان بارت محقاً عندما ذكرنا بأن «الصورة عنيفة، ليس لأنها تُظهر أشياء عنيفة، ولكن لأنها تملأ المشهد بالقوة في كل مرة بحيث لا يمكن رفض أي شيء أو تغييره». في ظل كثافة التعرض لهذه الصور، يصبح من الصعب جداً تقبّل تشكيك الأم المستقبلية بدورها أو بجاهزيتها لأن تصبح أماً بعد التقاط هذه الصور. يبدو أي تحد لـ«العادي» هزلياً وعبثياً.

غالباً ما تحدث جلسات التصوير في الثلث الأخير من الحمل، بحيث تكون الرسالة واضحة وضوح الشمس، فهي بمثابة تكليل نجاح كل من الرجل والمرأة بالتزامهما بشروط السعادة العائلية، فيصبحا مثالاً يقتدى به وممثلاً عن العالم المتماسك من ورائهما: الأم سعيدة وراضية، الأب محب وواثق من قدراته الإنجابية، الجنين سليم ومرحب به، كل شيء في مكانه وكل شيء منسجم مع بعضه. 

6

على غلاف مجلة فانيتي فير، وقفت الممثلة ديمي مور أمام عدسة الكاميرا عارية تماماً أثناء حملها عام 1991، ببشرتها الناعمة واللامعة، ومكياج بسيط، وعدد محدود من الإكسسوارات الثمينة. كانت هذه الصورة أول صورة لامراة حامل وعارية تماماً على غلاف مجلة في التسعينات، وقد صورتها المصورة الفوتوغرافية آني لايبوفيتز. قبل ذلك، كان موضوع الحمل مستبعداً في اللقاءات التلفزيونية والمقابلات، إلا إذا كان التطرق إليه ضمن السياق الطبي أو الصحي. حاولت لايبوفيتز بدء مرحلة تمكين النساء من خلال علاقتهن بأجسادهن، ونقلت الجسد الحامل الممتلئ «غير العادي» إلى حيز جديد في التسعينات عندما كان تقديس النحافة في أوجه. «الحمل يناسبني، أشعر أني مرتاحة»، صرّحت ديمي مور في المقابلة التي أجرتها معها المجلة.

بعد أن افتتحت ديمي مور موضة جلسات التصوير للجسد الحامل العاري، صار أمراً منتشراً بكثرة بين نجمات البوب والممثلات في أمريكا أو أوروبا، وكذلك مؤخراً على صفحات المؤثرات.

الملفت أن السؤال لم يعد سؤالاً نسوياً يتعلق بجنسانية المرأة الحامل، بل يبدو هذا وكأنه ابتُلع تماماً وأصبح السؤال ما المغري والمثير في الجسد الحامل بالنسبة للرجل؟ ثمة سيل من هذه الصور يحاول إرضاء أصحاب السؤال الثاني، ويمكننا بالفعل أن نلمس فروقاً واختلافات بين نظرات الأعين، طريقة تلمس البطن، إضافة مواد زيتية حتى يظهر الجسد ناعماً ولامعاً. لكن الأصعب أن الفرق الأساسي يمكن الإحساس به، لكن من الصعب جداً توصيفه بمفردات علمية دقيقة، والجزء الأكبر من عدم ارتياحنا لهذه الصور هو عدم ثقتنا بالنظام المنتج لها، وفقدان الثقة بأي محاولة لتمكين النساء من خلال عرض أجسادهنّ بهذه الطريقة.

في كتابها الرمي مثل فتاة: ظاهرة هزلية لحركة الجسم الأنثوية وفضائها، تذكر الكاتبة النسوية إريس ماريون يونغ أن «النظام الأبوي أقيم على الحدود ما بين الأمومة والجنسانية، حرية النساء تتضمن إذابة هذا الفصل».

خلال تجربة الحمل، بحسب يونغ، تختبر المرأة انفصالاً في ذاتها، فهي ترى نفسها مصدر هذا الخلق، لكنها في الوقت ذاته شريكة فيه، وتبدو الحدود جداً ضبابية بينها وبين الجنين في داخلها. توضح يونغ أن مصدر إيروتيكية الحمل هو «النرجسية البريئة» للمرأة الحامل، وإحساسها بالقوة الصلابة والخصوبة. لكن من ناحية أخرى، ترى يونغ أن الحمل يُريح المرأة من النظر إليها كغرض جنسي، مما يفتح باباً عند النساء الحوامل لحب الجسد وتقبله بعيداً عن تحديق الآخرين.

7

صور الأبيض والأسود للنساء الحوامل محببة جداً، لأنها توحي بمعانٍ وأبعاد أعمق من تقريرية الصور الملونة، وهي في الوقت ذاته قد تكون أقل جرأة من الصور التي تكون فيها النساء عاريات أمام الكاميرا. لذلك يمكننا أن نلاحظ أن صور الأبيض والأسود هي الصور المفضلة للمشاهير والنجوم. في صور الأبيض والأسود، ترتاح العين من نظام لوني يؤثر أحياناً على استقبال صورة المرأة الحامل، لا سيما إذا كانت الألوان من الأبيض والزهري والذهبي.

فنياً، يمكن أن يكون الأبيض والأسود خياراً مناسباً لأنه يبرز الخطوط والمنحنيات والظلال بشكل أوضح، كما أنه يعطي الصورة أصالة وإحساساً بالعمر والمسافة التاريخية التي تفصلنا عن اللحظة الحالية الأهم من ذلك أنه خيار فني يساعد في تعزيز الهالة المحيطة بالجسد الحامل.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا على المرأة داخل الكادر وعلى المتلقي أن يشعرا معاً بالنوستالجيا للحظة الراهنة؟ لماذا على المرأة النشيطة اجتماعياً وعائلياً وجنسياً أن تشعر بأن تجربة الحمل الحالية أصبحت من الماضي؟

هل نكون متوجسين أكثر من اللازم إذا شعرنا بعدم الارتياح لصورة المرأة الحامل حتى بالأبيض والأسود؟ ربما.

لكن لدينا جملة من الأسباب، منها الاستعجال برمي هذه التجربة الراهنة في الأرشيف، في حين أنها تكاد تكون من أهم التجارب الجسدية والعاطفية التي تمر بها النساء في حياتهنّ، خاصة في ظل الضغط المستمر على المرأة لأن تقفز من مرحلة إلى أخرى بالسرعة الملائمة مع تقدم العمر، من المراهقة إلى الزواج إلى الإنجاب إلى سنّ توقف الطمث، إلى مرحلة استعادة الشباب والحرب ضد الشيخوخة. كل هذه المراحل يجب أن تتحضر لها المرأة بينما تدق عقارب الساعة في الخلفية!

أما السبب الآخر فهو هالة الفضيلة والقداسة التي يضفيها الأبيض والأسود على الصورة، وكأن الحامل في هذه الصورة تتمتع بحصانة تُُبعدها عن الحياة اليومية وعن المجال الحيوي الذي تتحرك فيه، عدا أنه يعجز - بالرغم من جماليته ودفئه - عن إظهار الذات المنفصلة للمرأة مقابل جنينها؛ بين ذاتها قبل الحمل وذاتها بعد الحمل.

قد تكون كل هذه المحاولات لمساءلة جلسات التصوير وصورة الحامل غير مجدية فعلاً؛ متوجسة أكثر من اللازم. ربما لا قيمة لكل ذلك أمام الفرح الغامر لسيدة تتوقع طفلاً وتحمله بداخلها بكل حب.

لكننا في جولة التحري هذه لا نستهدف متعة النساء الحوامل بمشاركة صورة جميلة لهنّ على إنستغرام أو فيسبوك، أو إضافتها بفخر إلى ألبوم العائلة، ولا نطمح أن نغير شيئاً من طقوس جلسات التصوير هذه. لكن متعة التحرّي هي متعة الفهم. أحياناً نفهم أشياء يُفترَض أنها بديهية، لكن النظام الأبوي الذي نشأنا في ظله أبقاها بلا اسم؛ أبقاها ممارسة متعارفاً عليها دون تحديد ماهيتها وأسبابها، حتى تكون منسجمة تماماً مع بنيانها المُصمَت.

ننتظر مزيداً من الصور من جميع النساء الحوامل، لكن نرجو أن تكون صوراً أقل عنفاً؛ فقيرة؛ دقتها سيئة؛ ومشوشة، لعلها على الأقل تعكس قدراً من صعوبة التحولات التي نعيشها جسدياً وعاطفياً في كل مرة يقلب فيها دولاب العمر.