تدهور الأوضاع الإنسانية في مخيم الركبان

 

تتدهور الأوضاع الإنسانية سريعاً في مخيم الركبان على الحدود السورية الأردنية، حتى وصلت الكارثة هناك إلى حدّ وفاة طفلين خلال الأيام القليلة الماضية بسبب نقص الرعاية الطبية، وهو ما يرقى إلى أن يكون فضيحة كبرى، إذ يُترك المدنيون لمصيرهم في الصحراء، ليكونوا ضحية تجاذبات وصراعات سياسية.

في مساحة من البادية لا تزيد عن 35 كم مربع على الحدود السورية الأردنية، حيث لا شيء يساعد على الحياة ولا شيء يدل على إمكانية البقاء، تم إنشاء مخيم الركبان الذي يضمّ نازحين سوريين أغلبهم من محافظتي حمص ودير الزور. ويبعد المخيم نحو 25 كم عن قاعدة التنف العسكرية التي تضم قوات تابعة للتحالف الدولي وحلفاء لها من مقاتلي فصائل المعارضة، وهو يقع ضمن منطقة الـ 55 كم التي تتوسطها قاعدة التنف، وحددتها قوات التحالف الدولي بوصفها منطقة خاضعة لحمايتها، ومحظورة على قوات النظام وحلفائه عبر تفاهمات مؤقتة مع روسيا.

يبلغ عدد قاطني الركبان اليوم نحو 100 ألف، منهم حوالي 60 ألفاً داخل المخيم نفسه، و40 ألفاً في مناطق متفرقة مجاورة له مثل الزرقة والحقل والدكاكة. وكان قد تم إنشاؤه أصلاً ليكون نقطة لدخول النازحين إلى الأردن أواسط العام 2012، ليتحول إلى مخيم بشكل رسمي أواخر 2014 بالإضافة إلى بقائه منطقة عبور، ثم يتوقف عن أداء دوره كمنطقة عبور بمرسوم ملكي أغلقت بموجبه الحدود الأردنية في شهر تشرين الأول 2015، بذريعة انتشار عناصر تنظيم داعش في المنطقة.

رغم أن الركبان يُعدّ الأكبر بين مخيمات النزوح في الداخل السوري، إلا أنه عانى إهمالاً واضحاً ونقصاً في جميع أنواع الخدمات، وغياباً شبه تام للمنظمات والهيئات الدولية والإقليمية، التي كانت تُدخِل إليه بعض المساعدات بشكل ضئيل، حتى توقفت منذ شباط 2018 بشكل نهائي، بذريعة صعوبة إيصالها.

لا بناء في الركبان سوى خيام مهترئة، ولا ماء صالحاً للشرب، ولا مساعدات طبية ولا غذائية إلا فيما ندر. وبالإضافة إلى هذه المعاناة كلها، عانى قاطنوا المخيم من عرقلة قوات النظام لعمليات نقل البضائع إليه، وذلك من خلال الحواجز على الطرقات المؤدية إلى البادية، ورفع صعوبة وكلفة التهريب إليه، وعلى وجه الخصوص منذ خريف العام الماضي، عندما تقدمت قوات النظام في البادية مسيطرة على جميع الطرقات المؤدية إليه، بحيث بات المخيم في مواجهة حصار محتمل في أي وقت. يضاف إلى ذلك صعوبة الدخول والخروج عبر الحدود الأردنية السورية، وانتشار السلاح والمخدرات، وفوقها أيضاً صراعات الفصائل داخله عدة مرات.

هذه الصعوبات دفعت بعض قاطنيه إلى مغادرته، وتعرّضَ بعضهم للموت قنصاً بالرصاص أثناء محاولتهم عبور البادية نحو مناطق سورية أخرى، فيما تمكن بعضهم من العودة إلى قراهم ومدنهم التي سيطر عليها النظام، عبر ما يُسمى بالمصالحات التي عقدوها تحت ضغط العوز والحاجة، بعد التواصل مع جهات وسيطة مرتبطة بالنظام.

يحاول الروس فرض أجندتهم على المنطقة وإنهاء وجود قوات التحالف الدولي والفصائل الحليفة له في البادية بشتى الوسائل، إذ يشكل استمرار هذا الوجود مصدر توتر دائم بين موسكو وواشنطن المتمسكة بوجودها في قاعدة التنف، وهو الوجود الذي يهدد استقرار المنطقة التي يسيطر عليها نظام الأسد والروس والإيرانيون شرق سوريا، من البوكمال حتى أطراف مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية.

ويعدّ مخيم الركبان أبرز أوراق الضغط التي تستخدمها روسيا في هذا الملف، فهي تسعى إلى محاولة فرض «مصالحة» كاملة على سكان المخيم، تفضي إلى تفكيكه نهائياً والسيطرة على المنطقة التي يتواجد فيه. وفي هذا السياق تأتي الإجراءات الأخيرة التي تؤدي إلى المزيد من خنق سكان المخيم، ودفعهم بأي ثمن إلى العودة للعيش تحت حكم النظام.

يقول عماد غالي، وهو ناشط إعلامي يقطن المخيم، وطالبٌ في كلية الطب لم يستطع إكمال دراسته بسبب انضمامه للثورة السورية: «قطعت قوات النظام مؤخراً جميع الطرقات المؤدية إلى المخيم بما فيها طرقات التهريب، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني. ويترافق هذا مع ارتفاع نسبة البطالة وتراجع الموارد المالية التي كانت تأتي إلى سكان المخيم من أبنائهم في مناطق أخرى من سوريا والعالم، وعودة عدد من الشباب الذين كانوا متطوعين في عدد من الفصائل التي تم حلّها».

يتابع عماد: «منذ الثاني من شهر تشرين الثاني الجاري أوقف النظام عبور جميع أنواع المواد الغذائية باتجاه المخيم، ومنع دخول السيارات إليه باستثناء السيارات التي تحمل الأعلاف للمواشي الموجودة في المنطقة. ويرجع السبب في ذلك إلى أنه يحاول الضغط على الأهالي من أجل إتمام عملية المصالحة التي فشلت مؤخراً، وذلك عبر قطع طريق دمشق بغداد عند نقطة الشحمة، وتفتيش السيارات التي يمكن أن تمر عبرها باتجاه المخيم بشكل دقيق. وقد تسبب هذا بمعاناة هي الأكبر منذ إنشاء المخيم، فعلى سبيل المثال وصل سعر كيس الطحين في الأيام القليلة الماضية إلى 17000 ل.س، كيلو البندورة 700، الخيار 900، السكر 1000 للكيلوغرام الواحد. ولا يوجد وقود للطبخ أيضاً، وإن وجد فإن سعر لتر البنزين مثلاً يبلغ 1500 ليرة سورية».

أما عن الأوضاع الطبية فيقول عماد: «هناك فقدان شبه تام للأدوية، مع وجود بعضها بأسعار مرتفعة، إذ يبلغ سعر ظرف مسكّن السيتامول الواحد 500 ل.س. وقد أدى غياب الأدوية والرعاية الصحية إلى عدة حالات وفاة، كالسيدة فايزة الشليل/60 عاماً، التي توفيت مؤخراً بسبب تضخم الكبد ومشاكل في الأمعاء. وفي الثامن من شهر تشرين الثاني الجاري، توفي الطفلان هدى رسلان/4 أشهر ومناف الحمود/سنة وشهران، ولا تزال حالة الأخ التوأم لهدى خطرة للغاية.

ثمة نقطة طبية تابعة لليونيسيف على الجانب الأردني، لكن لا يتم قبول الحالات الطبية فيها بشكل فوري، بل قد يستلزم الأمر عدة محاولات، وبعد أن تكون الحالة قد وصلت إلى مراحلها الأخيرة. كذلك لا نشعر كسكان في المخيم أن هناك اهتماماً جدياً بالحالات الطبية، فعلى سبيل المثال تمت طمأنة عائلة الطفلة هدى، لكنهم فوجئوا بوفاتها لاحقاً. أيضاً لا يتم نقل أي حالة إلى المشافي الأردنية أياً كان وضعها، وفي الوقت نفسه لا يوجد أي طبيب في قلب المخيم، ومن يقدّم الإسعافات الأولية عند اللزوم هم ممرضون ومتدربون على العمل الطبي، الذي يفعلون ما بوسعهم في ضعف الإمكانات».

هكذا أصبح قاطنوا مخيم الركبان أداة ضغط يستخدمها الروس في صراعهم مع الأمريكيين من أجل إغلاق قاعدة التنف، وهم اليوم عالقون في معادلة مستعصية، إذ تشكل عودتهم إلى العيش تحت حكم النظام عبر ما يسمى بالمصالحات خطراً عليهم بعد التأكد من عدم جدية الضمانات الروسية بخصوص الاعتقالات والانتهاكات، ويشكل بقاؤهم في البادية خطراً على حياتهم بسبب الظروف الكارثية، ويدير بقية العالم ظهره لهم.