ترامب الجيد، ترامب السيء

 

لم تكن قد مضت ثمانٍ وأربعون ساعة على تغريدة دونالد ترامب التي هدد فيها بتدمير اقتصاد تركيا، حتى أعلنت الرئاسة التركية مساء أمس عن اتصال هاتفي بين الرئيسين الأمريكي والتركي «ناقشا خلاله المنطقة العازلة... واتفقا على رفع مستوى العلاقات الاقتصادية». وقد أكدت تغريدة جديدة لترامب مساء أمس أيضاً مضمون هذا الاتصال، الذي يبدو أنه جاء سريعاً لامتصاص أي تأثيرات لتغريدة ترامب الأولى على سعر صرف الليرة التركية، الذي يشهد استقراراً بعد أزمة تراجعات كبيرة خلال العام الماضي.

وعلى الرغم من التناقض الظاهر في تصريحات الرئيس الأمريكي، إلا أن تعقيبات وزير الخارجية مايك بومبيو على تغريدة ترامب الثانية جاءت لتؤكد ما كان قد صرح به سابقاً، هو ومستشار الأمن القومي الأميركي، حول رغبة واشنطن في حماية «من قاتلوا معها»، وهو الأمر الذي قوبل برفض قاطع من الجانب التركي.

وكانت المنطقة قد شهدت خلال الأسبوعين الماضيين زيارتين منفصلتين لكل من وزير الخارجية الأمريكي بومبيو، وقبله مستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي وصل إلى إسرائيل في الخامس من الشهر الجاري، ليبدأ جولة شملت تركيا أيضاً. وقال بولتون خلال مؤتمر صحفي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن «الولايات المتحدة ستجعل انسحابها من سوريا مرهوناً بتطمينات تركية بشأن سلامة الأكراد، وإنها ترغب أيضاً في إجراءات لحماية القوات الأمريكية أثناء الانسحاب»، وأضاف أن واشنطن ترغب بتنسيق أنقرة معها في أي عملية تنوي إجراءها في منطقة شرق الفرات.

وقد أدت تصريحات بولتون هذه إلى إغضاب المسؤولين الأتراك، ودفعت أردوغان إلى عدم مقابلته أثناء زيارته إلى أنقرة، التي التقى فيها فقط بإبراهيم كالن الناطق باسم الرئاسة التركية، بعد أن نفت أنقرة أن يكون الرئيس التركي قد أعطى أي تعهدات بحماية المقاتلين الأكراد، رداً على تصريح آخر لوزير الخارجية الأمريكي قال فيه إن ترامب حصل على تطمينات من الرئيس التركي بشكل شخصي لحماية المقاتلين الأكراد في سوريا بعد الانسحاب الأمريكي.

وكانت تلك التصريحات التي نُقلت عن بومبيو قبيل بدء جولته في المنطقة، سبباً إضافياً في تصاعد التوتر بين البلدين، حتى أن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أراد الفصل بين مواقف وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي وموقف رئيسيهما، الذي اعتبر جاويش أوغلو أنه يتعرض لضغوط من مستشاريه بهدف إلغاء الانسحاب المقرر من سوريا.

وفي الواقع، تشير تصريحات كل من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، إلى أن الرجلين ومن ورائهما كتلة وازنة من مستشاري الرئيس الأمريكي، يسعيان إلى إلغاء مفاعيل قرار سحب القوات الأمريكية من سوريا، والإبقاء على الأوضاع كما هي في منطقة شرق الفرات، منعاً لدخول المنطقة في صراعات وتسويات بين أطراف من ضمنها إيران، وهو ما لا تريده تل أبيب ولا واشنطن نفسها، ذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مجمل الاستراتيجيات التي تتبعها الولايات المتحدة في المنطقة في الفترة الأخيرة.

لكن هذه الجهود تصطدم برفض أنقرة الشديد لها، فهي تريد أن ترث التركة الامريكية بشكل سريع في سوريا، مما سيقوي موقفها إقليمياً أمام طرفي أستانا الأخرين، موسكو وطهران. بالمقابل، فإن أنقرة لا تنوي السيطرة على كامل المنطقة التي تدعى شرق الفرات، بل ترغب في إقامة منطقة عازلة على الحدود بين سوريا وتركيا بعمق عشرين كيلومتراً، وهو الأمر الذي سيعني في حال حدوثه سيطرة تركيا على أهم المدن الكردية في سوريا شرق الفرات، مثل القامشلي وكوباني وغيرهما من المدن والبلدات التي تقع على الحدود.

سيدفع سيناريو كهذا إلى تصعيد الصدام الأهلي في سوريا، وهو ما لا تريده واشنطن الآن، كما أنه سيعني أيضاً دخول موسكو وطهران إلى مناطق في شرق الفرات، وتحديداً شمالي النهر في محافظة دير الزور، وهو ما سيعني تعزيز تواجد إيران وسيطرتها في المحافظة الحدودية مع العراق، ما سيشكل نسفاً لكل السياسة الأميركية المعلنة تجاه تواجد طهران العسكري في سوريا.

لا شك أن ترامب كان يعلم أن جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى التحالف الدولي والمبعوث الخاص للملف السوري، سيكون الخيار الأفضل والأكثر تقارباً مع أنقرة إذا ما تم إرساله في جولة لمناقشة الانسحاب الأمريكي، لكن الرئيس الأمريكي فضّل إرسال مستشار الأمن القومي الأكثر صداميةً إلى تركيا، وهو خيار يعطي مؤشراً على رغبة أميركية في منع تركيا من تنفيذ إرادتها شرق الفرات، مع الحفاظ على قرار الانسحاب الأميركي في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يبدو تنفيذه بالغ الصعوبة.

بالمقابل تريد تركيا السيطرة على مناطق جديدة قرب حدودها مع سوريا، والقضاء عملياً على قوات حماية الشعب، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديموقراطي، الذي هو الفرع السوري لحزب العمّال الكردستاني، وهو أمرٌ يبدو تنفيذه بالغ الصعوبة أيضاً، دون أن يخلق شرخاً كبيراً في المنطقة لن تكون أنقرة قادرة على السيطرة على نتائجه.

لا تستطيع الولايات المتحدة تنفيذ انسحابها دون تفاهمات مع تركيا، ولا تستطيع تركيا تنفيذ مخططها شرق الفرات دون تفاهمات مع الولايات المتحدة، وعلى أرضية هذا الاستعصاء، تأتي التصريحات الأمريكية المتناقضة لتُظهر عمق التخبط الذي يحيط بقرار الانسحاب. وفي حال تم تنفيذ إرادة ترامب التي تقضي بانسحاب أميركي كامل من سوريا، فإن هذا سيخلق واقعاً مشابهاً للأوضاع التي خلّفها الرئيس السابق أوباما بعد انسحابه من العراق قبل عشر سنوات.