ترجمة شكسبير

مقدمة المترجم

حصل بوريس باسترناك على جائزة نوبل للأدب سنة 1957، وتُرجمت روايته دكتور جيفاكو إلى معظم اللغات، وحُوِّلَت إلى فيلم هوليوودي عاطفي، جميل، فيه تبسيط متكلّف يُفقد الرواية رهبتها، من بطولة عمر الشريف. أصبح باسترناك نجماً عالمياً بين ليلة وضحاها.

ولكن باسترناك أكبر بكثير من جيفاكو: كان للرجل مكانة خاصة في الأدب الروسي، كروائي وشاعر مميز، وكمترجم لأهم أعمال شكسبير.

من المؤكد أنّ المخابرات المركزية الأميركية لعبت دوراً في الترويج للرواية، وأنّ البروباغندا الأميركية المعادية للشيوعية لعبت دوراً في نجاح الفيلم. الرواية نفسها كُتبت على مدى عقود، وعرضها كاتبها على الرقابة، مؤملاً نشرها مع وفاة ستالين والانفتاح النسبي الذي قاده خروتشوف. ولكنه أخطأ التقدير، فقد رُفضت بشكل قاطع؛ فسرّبها إلى ناشر إيطالي، ومنه إلى العالم أجمع.

طُرد الكاتب من اتحاد الكتّاب، وشنّت الصحافة والحزب حملة لا مثيل لها على الرجل المنعزل الكئيب، الذي شاهد بأم العين أصدقاء وأهل يختفون في معسكرات الاعتقال الستالينية، أو يعودون منها نصف-بشر. لم يُنشر حرفٌ من الرواية ولم يقرأها أحد في البلد، ولكن الجميع أدان الرجل، بقرار مركزي من القيادة. تحول باسترناك إلى شيطان رجيم، ولكنه لم يُعتقل ولم يُنفَ: اشترطوا عليه التنازل عن الجائزة والتنكر للرواية، وهو ما فعله دون تردد. في الوقت نفسه، أصبح نجماً في الغرب الليبرالي.

على الطرفين، كان سوء الفهم قائماً. تتجاوز علاقة باسترناك بالاشتراكية الثنائية القاتلة: مع/ضد. كان متخوفا من البلاشفة، ومتفائلاً قليلاً في البدايات؛ كما كان مقرّباً جداً من يسارية تولستوي المتصوفة الفوضوية، وأبوه الرسام أحد أصدقاء/أتباع الشيخ تولستوي، وقد بقي الابن وفياً طيلة العمر لإيمان تولستوي المسيحي العميق، ولرفضه كلَّ أشكال العنف.

تفرّغ باسترناك للترجمة لمدة عشرين عاماً تقريباً، مع إحكام ستالين قبضته على أعناق الناس وأقلامهم. كتب القليل من الشعر فيها. العدائية في المشهد العام الثقافي، وعدم تقبل الحزب لأفكاره المختلفة عن الأدب، جعلته يكتفي بالترجمة، وبالتفرغ لكتابة دكتور جيفاكو.

النص الذي نترجمه حصيلة سنوات من العمل، في ترجمات مختلفة، لشكسبير وغوته وفيرلين وشيلي وبعض الشعراء الجورجيين (ستالين أعجب بهذه الترجمات من لغته الأم، وحافظ على علاقة شخصية مع باسترناك بسببها). يحلل فيه باسترناك أسلوب شكسبير، كما يعلّق على الشخصيات وعلى الأحداث. النص، إذن، ليس عن الترجمة فقط؛ فيه نرى كيف يتحول المترجم إلى ناقد، في لحظة فريدة استثنائية من كاتب ومترجم وناقد استثنائي.

النص بسيط جداً، ومباشر، وسلس؛ كُتب في خاتمة حياة الرجل، عندما أدان باسترناك أعماله المبكرة، وأعمال زملائه المليئة بالألعاب اللغوية والأسلوبية، ليكتفي بكلام عميق وواضح. (كأنه عودة متأخرة لبساطة أستاذه الشيخ تولستوي، الذي احتقر التصنع والتلاعب اللغوي، كما احتقر شكسبير وفنّه بعمق). مع ذلك، النص البسيط ينحو أحياناً إلى شاعرية عميقة، غامضة قليلاً، وصوفية.

بالإضافة إلى أعمال شكسبير، والترجمة، يبدو لي أن النص يتحدث عن باسترناك نفسه: من خلال تأمله في الترجمة يتأمل اللغة، والحياة، والعلاقة بينهما وبين الفن، والمواضيع المصيرية التي طرحها شكسبير عن العالم، ومعناه وعبثه ورقته، في زمن شكسبير وزمن باسترناك وزمننا نحن.

 

 كل الهوامش من وضع المترجم.

نُشر النص للمرة الأولى بالروسية في مجلة أدبية روسية في موسكو سنة 1956، وترجمناه عن الترجمة الإنكليزية التي قامت بها مانيا هاراري.

على مرّ السنين، تَرجمتُ بعض مسرحيات شكسبير: هاملت، روميو وجولييت، أنطونيو وكليوباترا، عطيل، هنري الرابع (الجزء الأول والثاني)، الملك لير ومَكبث.

المطالبة بترجمة بسيطة ومقروءة كبيرة جداً، ويبدو أنها لن تتوقف. يتمنى كل مترجم، بشكلٍ أكبر من كل الآخرين، أن يحقق هذا المطلب. أنا أيضاً أصابتني هذه الأمنية.

كذلك آرائي في أهداف ومشاكل الترجمة الأدبية ليست استثنائية. أعتقد، كما يعتقد كثيرون غيري، بأن القرب من النص الأصلي لا يكون فقط بالترجمة الحرفية الدقيقة ولا بالتشابه الشكلي: كما في البورتريه، لا يتحقق التشابه بدون أسلوب تعبير طبيعي وحيوي. بالضبط كالمؤلف، على المترجم أن يكتفي بالألفاظ العادية التي يستخدمها هو نفسه، وأن يتحاشى التصنّع الأدبي الذي يفرضه الأسلوب. كالنص الأصلي، على الترجمة أن تخلق انطباعاً يوحي بالحياة وليس بالحشو.

أسلوب شكسبير الشعري

في العمق، دراما شكسبير واقعيةٌ جداً في تصوراتها. أسلوبه في المقاطع النثرية وفي الحوارات الشعرية التي تتضمّن حركةً وفعلاً قائمَين على التخاطب والمحادثة. بالنسبة للباقي، تَدفُّقُ شعره المرسل (blank verse) مليءٌ بالاستعارات، وأحياناً بدون داع، ما يجعل التكلّف جلياً.

خياله متفاوت القيمة. في بعض الأحيان يكون شعراً في أبهى صوره، في أحيانٍ أخرى يسقط بوضوح في خطابةٍ محمّلةٍ بعشرات الكلمات الخرقاء بدلاً من الكلمة الوحيدة المناسبة، التي تقف على رأس لسانه، والتي لم يجدها بسبب تسرّعه. مع ذلك، في أبهى صوره وفي أسوئها، كلامه المجازي يتطابق مع جوهر الرمز الحقيقي.

تنتُجُ اللغة المجازية عن الافتراق بين حياة الإنسان القصيرة وبين المهام الضخمة وطويلة الأمد التي يكلّف نفسه بها. لذلك، عليه أن ينظر إلى الأشياء بحدّةٍ كالصقر، وأن ينقل رؤاه بومضاتٍ يمكن فهمها مباشرةً. هذا هو بالضبط الشعر. تستخدم الشخصيات العظيمة المجاز لتختزل الروح.

لم تأتِ ضربات الفُرشة السريعة العاصفة في أعمال رامبرانت ومايكل أنجلو وتيتيان من خياراتٍ مدروسة. تحكّمت بهم ضرورة أن يرسموا الكون، لذا لم يكن بإمكانهم الرسم بطريقةٍ أخرى.

يجمع أسلوب شكسبير قطبين متعاكسين. من جهة، نثره مكتمل ومصقول، وعبقريٌّ في التفاصيل الكوميدية، ومدرسةٌ في الإيجاز، ومحاكاةٌ بارعةٌ لكلّ ما هو غريب وعجيب في الكون.

شعره المرسل يقف على النقيض تماماً. وقد صُدم فولتير وتولستوي بفوضاه الداخلية والخارجية.

شخصيات شكسبير، التي عادةً ما تقطع عدة مراحل لتكتمل، تنطق في البداية شعراً ولاحقاً نثراً. في هذه الحالات، المشاهدُ المكتوبة شعراً تعطي الانطباع بأنها اسكتشات، أما المكتوبة نثراً فتبدو مكتملةً وحاسمةً.

كان الشعر طريقة شكسبير الأكثر سرعةً ومباشرةً في التعبير. معظم مقاطعه الشعرية تُقرأ كأنها مسودات أولية لنثره.

يستمد شعره قوته من خواصه نفسها تلك: كونه أقرب إلى الاسكتش، عنفه، عدم القدرة على التحكم به، غياب التنظيم، والغزارة.

استخدام شكسبير للإيقاع (Rhythm)

الإيقاع مبدأ شكسبير الأساس في شعره. زخمه يحدد سرعة وتتابع الأسئلة والأجوبة في الحوارات وطول المونولوجات والمراحل.

يعكس هذا الإيقاع خاصية الاقتضاب التي تتمتع بها اللغة الإنكليزية بشكلٍ تُحسد عليه، هذه الخاصية تمكّن المرء من تكثيف مقولةٍ واحدة، تتألف من عبارتين متعاكستين أو أكثر، في سطرٍ واحدٍ من الشعر «اليامبي».1 إنه إيقاع الكلام الحر، لغة رجلٍ لا ينصبُ أصناماً، لذا هو صادق ومقتضب.

هاملت

يتجلّي استخدام شكسبير للإيقاع بأوضح أشكاله في هاملت، حيث يُستخدم لثلاث غايات: طريقة لرسم الشخصيات، ويجعل المزاج المطلوب مسموعاً ويُديم وجوده، ويهذّب النبرة ويلطّف من وحشية بعض المشاهد.

تتمايز الشخصيات بشدة تبعاً لإيقاع كلامها. يتكلم بولونيوس والملك وروزنكرانتز وغلدنسترن بطريقة، فيما يتكلم لرتيس وأوفيليا وهوراشيو بطريقةٍ أخرى. لا تظهر سذاجة الملكة فقط من خلال كلماتها، بل أيضاً في أسلوبها المنغّم في النطق.

شخصية هاملت تُرسَم إيقاعياً بشكلٍ حيٍّ جداً، إلى درجة توهِمُ بوجود ما يتكرر، كأنّ لحناً موسيقياً واحداً يتكرر باستمرار كلما ظهر هاملت على الخشبة، بالرغم من أنه لا يكرر شيئاً. يبدو كأن نبض وجوده أصبح مسموعاً. كل شيءٍ مُشتمَلٌ فيه: في حركاته غير المتسقة، في خطواته الواثقة والتفاتاته الفخورة، وفي الطريقة التي تتقافز فيها أفكاره وتطير في مونولوجاته، وفي العجرفة الساخرة لردوده على الحاشية التي تحوم حوله، وفي تحديقه إلى البعيد في المكان الذي التقى فيه شبح أبيه الذي قد يعاود الكلام في أية لحظة.

لا موسيقا كلام هاملت ولا المسرحية ككل يمكن الاقتباس منها بسهولة: من المستحيل أن يعطي أيُّ اقتباسٍ واحدٍ انطباعاً صحيحاً عنها. وبالرغم من أنها خارجيةٌ بمعنى ما، إلا أنها مجدولة في نسيج التراجيديا بشكلٍ كبيرٍ وشديد الصلة، وبسبب المحتوى، قد يصفها المرء بأنها إسكندنافية مناسبة تماماً لظهور الأشباح. تتشكل (الموسيقى) من ترددات مضبوطة من العظمة والقلق، ومن خلال الوصول بالجو إلى كثافته القصوى، تجلب المزاج السائد المطلوب. ما هذا المزاج؟

بحسب الرأي الشائع للنقاد، تقدّم مسرحية هاملت تراجيديا الإرادة. هذا صحيح. ولكن بأي معنى؟ غياب قوة الإرادة لم يكن موجوداً كموضوع في زمن شكسبير: لم يلتفت إليها أحد. وتصوير شكسبير لشخصية هاملت، وقد نَفَّذَه بوضوح كبير وبالتفصيل، لا يقترح أننا أمام شخصية عصابية. هاملت أمير يجري في عروقه الدم الملكي، ولم يشك للحظة في حقوقه كوريثٍ للعرش؛ هو المحبوب المدلل لبلاطٍ عريق، وواثقٌ تماماً بمواهبه الطبيعية. مجموع المزايا التي وهبه إياها شكسبير لا تترك مكاناً للتراخي والضعف: بل تستبعد ذلك تماماً. في الحقيقة، يحدث العكس: يبقى على الجمهور، المنبهر بإمكانيات هاملت المدهشة، أن يحكم على عظمة تضحياته بها من أجل هدف أسمى.

من لحظة ظهور الشبح، يتخلى هاملت عن إرادته كي يحقق «إرادة ذلك الذي أرسله». المسرحية ليست دراما عن الضعف، بل عن الواجب ونكران الذات. عندما يبدو أن الواقع والمظاهر غير متفقة، أو للدقة توجد بينهما هاوية، سيصبح الأمر روحانياً مع ظهور الشبح ليوصل رسالته ويأمر هاملت بأخذ الثأر. المهم هنا أن الصدفة اختصت هاملت بدور الحكم على زمنه وبخدمة المستقبل. مسرحية هاملت مكثفة جداً، عن حياة مكرسة ومقدّرة لعمل بطولي.

هذه النغمة العامة للمسرحية، مركّزة في الإيقاع الذي يجعلها محسوسة تقريباً. ولكن المبدأ الإيقاعي يُطبّق بطريقة أخرى أيضاً. له تأثير مُلطِّف على مشاهد قاسية محددة، لولاه لم تكن محتملة.

على سبيل المثال، في المشهد الذي تُرسَل فيه أوفيليا إلى دير الراهبات، يتكلم هاملت مع الفتاة التي يحبها، ويرتجف عند قدميها، بقسوة ثائر بيروني2 أناني. تنبع سخريته من محاولته الحفاظ على حبه لها، الحب الذي يكبحه داخله بألم. ولكن لنرَ كيف يُقدَّم لنا هذا المشهد عديم الرحمة. مباشرةً قبيل المشهد يأتي الخطاب الشهير «أكون أو لا أكون»، والموسيقا المنعشة لهذا المونولوج ما زال صداها يتردد في الجمل التي يفتتح بها هاملت وأوفيليا المشهد. الجمال المُر والمشوّش للمونولوج الشهير، حيث اضطرابات هاملت تتقاطع وتتصارع بدون حلول، يستدعي الألحان الغاضبة، المبتورة بسرعة، تُعزف على الأورغن بغضب قبل افتتاح قُدّاس الموت.

لا غرابة بأن يُنذر المونولوج ببداية الخاتمة العنيفة. يسبقها كما تسبق الدفنَ مراسمُ الجنازة. يعبّد الطريق لكل ما هو حتمي، وكل ما سيتلوه مغسولٌ ومكفّرٌ عنه وعابقٌ بالجلالة مسبقاً، ليس فقط من خلال الأفكار التي عُبّر عنها، بل من خلال اللهب ونقاء الدموع التي تُسمع فيها أيضاً.

روميو وجولييت

لو كانت أهميةُ الإيقاع في مسرحية هاملت بالدرجة التي شرحناها، يجب أن نتوقع أهميةً أكبر في مسرحية روميو وجولييت. أين، إن لم يكن في دراما عن الحب الأول، سيلعب التناغم والتناسب دوراً مميزاً؟ ولكن شكسبير يستخدم الإيقاع بطريقةٍ غير متوقعة. لقد بيّنَ لنا أن الغنائية مختلفة عما نتوهم أن تكونه. لم يؤلف مطولاتٍ فرديةً أو ثنائية. قاده حدسُه إلى مكانٍ آخر تماماً.

تلعب الموسيقا دوراً سلبياً في مسرحية روميو وجولييت. نجدها إلى جانب القوى المعادية للمحبين، قوى النفاق الدنيوي وإزعاجات الحياة اليومية.

إلى أن يقابل جولييت، ينشغل روميو بخيالاته حول روزالين، التي لا تظهر أبداً على الخشبة. حالته الرومانسية ابنة زمنها. تقوده إلى تجوالٍ منفردٍ في الليالي وإلى النوم نهاراً للتعويض عن سهره، مبتعداً عن الشمس مكتفياً بالظلّ. طيلة الوقت الذي يحدث فيه ذلك، في المشاهد الأولى، يتكلم بطريقةٍ مصطنعةٍ بشعرٍ موزون، منغّماً السخافات التي يتفوه بها على طريقة العاطفيين السائدة في زمنه في صالوناتهم. ولكن من اللحظة التي تقع فيها عيناه على جولييت في الحفل ليقف شبه ميتٍ أمامها، لا يبقى أي أثر للكلام المنغّم هذا.

مقارنةً ببقية المشاعر، الحب قوة أولية كونية تتنكر بمظهر وديع. الحب بذاته بسيط وغير مشروط كالوعي والموت، كالأوكسجين واليورانيوم. ليس حالة في الذهن، بل أساس الكون. ولأنه بدائي وأولي، يتساوى مع الخلق الفني. كرامته ليست أقل من ذلك، والتعبير عنه لا يحتاج إلى الفن لتشذيبه. أكثر ما قد يطمح إليه الفنان هو أن يسمعه، أن يمسكه بتجدده الدائم ولغته المبتكرة باستمرار. لا يحتاج الحب إلى أن يطرب. الحقيقة تقيم في قلبه، وليس الصوت.

ككل مسرحيات شكسبير، روميو وجولييت مكتوبة في معظمها بالشعر بالمرسل، والبطل والبطلة يخاطبان بعضهما بعضاً به. ولكنه غير منتظم أو محسوب بدقة، ولا يوجد خطابة فيه. الشكل لا يطغى أبداً على المحتوى المكتوم بعمق. هذا أفضل الشعر، وككل الشعر الجيد يتمتع بطزاجةِ وبساطةِ النثر. يتكلم روميو وجولييت بطريقة نصف-موسيقية، حواراتهما حذرة، سرية، تُقاطَع باستمرار. لها رنين العواطف الجياشة والخطر الأخلاقي المسموع في الليل.

المشاهد الوحيدة المليئة بالضجة والإيقاع الواضح هي تلك التي تجري في الشوارع والغرف المزدحمة. في الخارج في الشوارع، حيث أُريق دم مونتاجيو وكابيوليت، يرنّ صخب خناجر العوائل المتصارعة. الطباخون يتصارعون والسكاكين تقرقع في المطابخ حيث تُعَدُّ ولائم لا تنتهي. في جلبة الطبخ والسلخ هذه، كما في الضربات النحاسية للفرقة الصاخبة، تتقدّم دراما المشاعر الهادئة، ينطق بها أبطالها، في معظمها، بهمسات المتآمرين الخافتة.

عطيل

تقسيم المسرحيات إلى فصول ومشاهد لم يقم به شكسبير نفسه، بل المحررون في وقتٍ لاحق. مع ذلك، هذا التقسيم ليس مُقحَمَاً: بسهولة يمكننا تقسيم المسرحيات لأن بنيتها الداخلية تسمح به.

مع أن النصوص الأصلية بدون فواصل، إلا أنها تتمتع ببنيةٍ داخليةٍ محكمة وتطورٍ منتظمٍ نادرَين في أيامنا هذه.

ينطبق هذا خصوصاً على تطور الموضوع في منتصف الدراما عادةً، أي على الفصل الثالث وبعض مقاطع الفصل الثاني والرابع، هنا يكمن النابض الرئيس لحركة المسرحية.

في مقدمة وخاتمة المسرحية ينثر شكسبير التفاصيل، وبخفة، يكشف الغموض القائم. المشاهد التي تتابع بسلاسة مليئة بالحياة، مستمدة من الطبيعة بأقصى حرية وبخيالٍ مذهل.

ولكنه ينكر على نفسه هذه الحرية في منتصف المسرحية، حيث خيوط المسرحية المعقدة يجب أن يبدأ حلها؛ هنا يظهر شكسبير كابنٍ وعبدٍ لعصره. الفصل الثالث يتلاحم مع الحبكة بمقياسٍ دقيقٍ لا يعرفه الفن الدرامي في العصور اللاحقة، بالرغم من أنه تعلَّم من شكسبير شجاعته وصدقه. يحكم الفصل الثالث إيمانٌ أعمى بقوة المنطق وبالوجود الواقعي للتجريد الأخلاقي. الصور الحيوية المرسومة في المقدمة، بظلالها وألوانها المُقنعة، تُستبدل بالفضائل والرذائل المشخّصة. يكفّ تتابع الأحداث والأفعال عن كونه طبيعياً ويتحول إلى ترتيبٍ مشبوهٍ من الاستنباط المنطقي، كقياسٍ في محاججة.

عندما كان شكسبير طفلاً، بُنيت الأخلاق حسب القواعد الشكلية للمذهب المدرسي القروسطي الذي كان مؤثراً في الريف الإنكليزي. ربما اطّلع على ذلك، وصنعته قديمة الطراز في العمل على الحبكة قد تكون متأثرة بالماضي الذي أدهشه في طفولته.

أربع أخماس كتاباته تتركز في المقدمات والخواتيم. هذه هي الأجزاء التي تجعل الناس تضحك وتبكي؛ وعليها تعتمد شهرته، وتفسّر كل الكلام عن تصويره الصادق للحياة في مقابل الخواء الميت للكلاسيكية الجديدة.

ولكن، قد يلاحظ المرء أمراً بدقة، ويفسّره بشكلٍ خاطئ. غالباً ما يسمع المرء المديح المفرط «للمصيدة» في مسرحية هاملت، أو للضرورة الساخرة في تطور هذه العاطفة أو تلك، أو لنتيجة جريمة ما في مسرحياته. مثل هذا الإعجاب ينطلق من مقدماتٍ خاطئة. ليست المصيدة ما يستحق الإعجاب، بل عبقرية شكسبير التي تُظهر نفسها حتى عندما تكون كتابته مصطنعة. ما يجب أن يثير إعجابنا هو أن الفصل الثالث، المفتعل والخامل، والذي يشكل خُمس كتاباته، لا يخنق عظمته. تبقى هذه العظمة ليس بسبب هذا الفصل، بل بالرغم منه.

مع كل العواطف والعبقرية التي تتجلى في مسرحية عطيل، ومع كل الشعبية التي تتمتع بها على الخشبة، ما قيل أعلاه ينطبق إلى درجةٍ كبيرةٍ عليها.

لدينا هنا القنوات المائية المبهرة في مدينة البندقية، منزل برابانتيو، ومستودع الأسلحة؛ جلسة استثنائية في مجلس الشيوخ، وشرح عطيل لبدايات مشاعر الحب بينه وبين دزديمونة. ثم العواصف البحرية على شواطئ قبرص وشجار السكارى على الأرصفة. قبيل النهاية، مشهد دزديمونة الشهير تتحضر للنوم، والأغنية الأكثر شهرة عن «الصفصافة»، التراجيدية بشكل طبيعي قبل الخاتمة المروّعة.

ولكن ما الذي يحدث بين كل هذا؟ بتلاعب بسيط، يشعل ياغو شكوك ضحيته، كساعة منبّه؛ والغيرة ترتجف ويعلو صريرها، تستيقظ بضجة، كآلةٍ صدئة. يقول البعض هذه هي طبيعة الغيرة أو هذا هو الثمن الذي يجب دفعه لأعراف الخشبة المطالبة بوضوح مُفرط. قد يكون هذا صحيحاً. ولكن الضرر سيكون أقل لو كان الثمن سيدفعه فنان أقل عبقرية واتساقاً. في زمننا موضوع آخر يثير الاهتمام كثيراً.

هل هي مصادفة أن البطل أسود، بينما كل ما يثمّنه عالياً أبيض؟ ما أهمية الألوان؟ هل المقصود فقط أن كل الناس لها حقوق متساوية في الكرامة البشرية؟ أفكار شكسبير أبعد مدى من هذا.

لم يكن مفهوم المساواة بين البشر موجوداً في زمنه. ولكن ما كان موجوداً وبقوة حية هو الفكرة المختلفة والأوسع عن الفرص المتساوية. لم يكن شكسبير معنياً بما يكونه الإنسان عند ولادته، بل بما حققه، وما وصل إليه. بحسب شكسبير، كان عطيل، الأسود اللون، كائناً بشرياً ومسيحياً يعيش في عصر تاريخي، وهذا يعنيه بشكل أوضح لأنه يعيش جنباً إلى جنب مع ياغو، الأبيض اللون، والذي كان حيواناً بدائياً لا يمكن تغييره.

أنطونيو وكليوباترا

هناك مسرحيات شكسيبيرية، مثل مَكبث والملك لير، تخلق عوالمها الخاصة الفريدة. وهناك مسرحيات كوميدية تنتمي إلى مملكة الخيال الخالص، وتشكل مهد الحركة الرومانسية. وهناك مسرحيات تاريخية عن إنكلترا، أغاني تقريظ أداها واحد من أعظم أبنائها؛ بعض أحداثها تُشابٍه بعض أحداث زمنه، وبالتالي موقفه حيالها لا يمكن أن يكون فاتراً أو غير عاطفي.

لا يمكن أن نبحث عن الموضوعية في تلك المسرحيات، بالرغم من الواقعية التي تنضح بها؛ ولكن يمكن أن نجدها في مسرحياته الدرامية عن الحياة الرومانية.

لم تُكتب مسرحية يوليوس قيصر حباً بالشعر والفن فقط، وكذلك أنطونيو وكليوباترا. كلتاهما ثمرة دراسته للحياة اليومية العادية. هذه الدراسة يقوم بها بشغف كل فنان يحاكي الواقع. هذا السعي قاد إلى الرواية ذات المنحى الطبيعي في القرن التاسع عشر، والتي جعلتنا نصل إلى أعمال فلوبير وتشيخوف وتولستوي الساحرة المُقنعة.

ولكن لماذا على شكسبير أن يبحث عن إلهام لواقعيته في العصور القديمة السحيقة لروما؟ الجواب -ولا شيء فيه يثير الدهشة- لأنه يسمح له بأن يسمي الأمور بمسمياتها طالما أن الموضوع ناء وبعيد. باستطاعته أن يقول ما يشاء عن الأخلاق أو السياسة أو أي شيء آخر يريده. كان يتعامل مع عالم غريب وبعيد، عالم كفّ عن الوجود منذ مدة طويلة وأصبح مغلقاً، وخاملاً، ومدروساً. ما الذي يثيره فيه؟ لقد أراد أن يرسمه بتفاصيله.

مسرحية أنطونيو وكليوباترا قصة أفّاقٍ وغاوية. عندما يصفهم شكسبير وهم يحرقون حيواتهم يستخدم نغمات تصلح لأسرار مهرجان باخوسي حقيقي بالمعني الكلاسيكي.

يقول المؤرخون إن كليوباترا وأنطونيو (ورفاقه في الاحتفالات وحاشيتها المقربة) لم يتوقعواً أي خيرٍ من الفسوق الذي انغمسوا فيه وحولوه إلى مستوى الشعائر. عارفين بالنهاية، تحدثوا عنها قبل وصولها بوقت طويل، كما يفعل المنتحرون الخالدون، مُقسِمينَ على الموت سويةً.

هذه في الحقيقة خلاصة المسرحية التراجيدية. في اللحظة الحاسمة يأتي الموت ليرسم التقاطعات والنهايات التي كانت مفقودة. مرتين، بعيداً عن الخلفية المليئة بالحملات العسكرية والحرائق والخيانات والخسارات، نعود إلى البطلين كأننا نستريح من كل ذلك. في الفصل الرابع يطعن البطل نفسه، ثم تنتحر البطلة في الفصل التالي.

الجمهور

مسرحيات شكسبير التي تروي التاريخ الإنكليزي مليئة بالتلميحات عن عصره هو. لم يكن هناك صحف: كان الناس يجتمعون في الحانات والمسارح كي يعرفوا الأخبار (كما لا حظ ج. ب. هاريسون في كتابه إنكلترا في أيام شكسبير). استُخدمت الدراما للتلميح. ولا غرو بأن الناس العاديين كانوا يفهمون كل ما يُقال لأنه يطرح وقائع يعرفها الجميع.

السر السياسي المعروف في ذلك الزمن كان الصعوبات في الحرب مع إسبانيا، التي انطلقت بحماسة ثم تحولت إلى عبء كبير. لمدة خمس عشرة سنة اشتعلت في البر والبحر، على شواطئ البرتغال وهولندا وإيرلندا.

خُطَب فلاستاف3 الساخرة التي تحاكي خطباً عسكرية سحرت الجمهور البسيط المسالم، وقد فهمَ مباشرة المقصود منها، وضحكَ من القلب على مشاهد التجنيد (حيث يتهرب المجندون بدفع الرشاوي) لأنهم يعرفون صدقها من تجاربهم الشخصية.

هناك مثال آخر مذهل على ذكاء الجمهور المعاصر له.

أعمال شكسبير، كما كل أعمال العصر الإليزابيثي، مليئة بالإحالات إلى التاريخ والآداب القديمة والأسماء والأمثلة الأسطورية. لفهم كل ذلك في أيامنا، لا تكفي المراجع، بل يجب أن يكون المرء مختصاً بالكلاسيكيات؛ ولكن يُقال لنا بأن سكان لندن حينها كانوا قادرين على هضم هذه التلميحات الخاطفة بدون أدنى جهد. هل نصدّق ذلك؟

تفسير ذلك أن المنهج الدراسي كان مختلفاً تماماً. معرفة اللغة اللاتينية، التي تعد اليوم علامة على الثقافة الرفيعة، كانت أدنى خطوة في التعليم؛ كما كانت معرفة الروسية في الكنائس السلافية. في المدارس الابتدائية، او كما كانت تسمى مدارس القواعد، وقد ارتاد شكسبير واحدة منها، كانت اللاتينية اللغة المستخدمة، وبحسب المؤرخ تريفيليان (Trevelyan)، لم يُسمَح للطلاب باستخدام الإنكليزية حتى في الألعاب. المساعدون والمتدرّبون في المحال التجارية اللندنية، الذين عرفوا القراءة والكتابة، كانوا معتادين على آلهة الحظ وهرقل ونيوبي4 كما يعرف الطلاب المعاصرون مبادئ الكهرباء ومحركات الاحتراق الداخلي. 

وُلدَ شكسبير في زمن كانت الأمور فيه مستقرة لمدة قرن تقريباً. كان عصره فترة احتفالية في تاريخ إنكلترا. ولكن في نهاية العصر، كانت الأمور تنقلب بسرعة.

أصالة مؤلفات شكسبير

تشكل أعمال شكسبير كلاً متكاملاً؛ الرجل صادق مع نفسه في كل مكان فيها. يمكن التعرف عليه من خلال مفرداته. مسرحية وراء أخرى تتكرر بعض الشخصيات بأسماء مختلفة وتُعزف الأغنية ذاتها بنغمات مختلفة. عادةُ تكرار ما يقوله بصياغات مختلفة تظهر بجلاء في مسرحية هاملت.

في مشهد مع هوراشيو، يقول هاملت بأنه إنسان ولا يمكن العزف عليه كأنه مزمار. وبعد صفحات قليلة، مستخدماً الاستعارة نفسها، يسأل (هاملت) غلدنسترن إن كان يريد أن يعزف على المزمار.

في أول مونولوج عن قسوة ربة القدر التي سمحت بقتل بريام[5، يدعو الآلهة لتحطيم دولابها، رمز سطوتها، وأن تُرمى بقاياه في الجحيم. بعد صفحات قليلة، يقارن روزنكرانتز، وهو يتحدث مع الملك، سلطة الملكية بدولاب ضخم مثبت على قمة جبل، لو تزعزعت أسسه، لدُمِّرَ كل شيء عندما يتدحرج إلى الأسفل.

تأخذ جولييت الخنجر الذي طعن روميو به نفسه، مرددة الكلمات التالية: «هذا غمدك». بعد بضعة أسطر، يستخدم والدها الكلمات نفسها، عن الخنجر على صدرها بدلاً من الغمد في حزام روميو. وهكذا في كل مرة. ما الذي يعنيه ذلك؟

ترجمة شكسبير مهمة تستهلك وقتاً وجهداً. عندما يبدأ المرء، من الأفضل أن يقسّمها إلى مقاطع طويلة بما فيه الكفاية كي لا يؤدي العمل إلى الملل، وأن ينجز مقطعاً واحداً يومياً. في هذا التقدم اليومي مع النص، يجد المترجم نفسه كأنه يعيش ظروف المؤلف مرة أخرى. يوماً بعد آخر يعيد إنتاج أعماله ويُقاد إلى كشف بعض أسراره، ليس نظرياً بل عملياً، بالممارسة.

حين يقع على مثل ذلك التكرار الذي أشرتُ إليه، لا يستطيع إلا أن يسأل نفسه مدهوشاً: «من سيتذكر القليل فقط مما كتبه قبل أيام معدودة، وتحت أية ظروف كان يكتب كي ينسى ذلك؟».

عندها، وبثقة ملموسة يفتقدها كتّاب السيرة الذاتية والمختصون، يصبح المترجم واعياً بشخصية شكسبير وبعبقريته. في عشرين سنة كتب شكسبير ثلاثاً وستين مسرحية، عدا الأشعار والسوناتات. مجبراً على كتابة مسرحيتين سنوياً تقريباً، لم يكن لديه وقت للمراجعة، وكان ينسى باستمرار ما كتبه البارحة، ليكرر نفسه في عجلته.

عند هذه النقطة يتبدى سخف النظرية البيكونينية6 أكثر من قبل. ما الداعي لاستبدال الشرح البسيط والمعقول لحياة شكسبير، بشبكة من الأسرار والألغاز وما ادّعى البعض أنه اكتشافات هامة؟

أمن المعقول أن يتنكر روتلاند، أو بيكون، أو ساوثهامبتون7، بدون نجاح يُذكر، في شخصية وهمية أو كتابة مشفرة رمزية، كي يخفي نفسه عن إليزابيث وعصرها، فقط كي يكتشفه نقاد العصور اللاحقة؟ أي خبث، وأي هدف خفي، يحرك هذا الرجل الطائش الذي لا شك في وجوده، والذي لم يخجل من زلات قلمه، متعباً أمام التاريخ، فلا يتذكر ما كتبه قبل أيام، كأنَّ ذاكرته أسوأ من ذاكرة طالب مدرسة ثانوية في أيامنا هذه؟ هل قوته تظهر في ضعفه؟

هناك شيء آخر محير. لماذا يهتم غير الموهوبين بشغف بالشخصيات بالعظيمة؟ هم يملكون تصورهم الخاص عن الفنان: تصور مثالي، مقبول، وخاطئ. يبدؤون بافتراض أن شكسبير كان عبقرياً بالمعنى الذي يفهمونه هم به، ثم يطبقون عليه معاييرهم الخاصة، فيفشل فيها.

يجدون أن حياته غامضة جداً ومليئة بالكدح اليومي الذي لا يناسب شهرته. لم يكن لديه مكتبة شخصية، وتوقيعه على وصيته أشبه بخربشة غير واضحة. يبدو لهم أمراً مريباً للغاية أن الرجل الذي يعرف الأرض والمحاصيل والحيوانات وساعات الليل والنهار كما يعرفها الناس العاديون، يعرف أيضاً بعمق القانون والتاريخ والدبلوماسية وعادات البلاط الملكية. لذا تجدهم مدهوشين ومذهولين، ناسين أن فناناً بعظمته يجب أن يلخّص حتماً كل ما هو إنساني بحق في داخله.

واقعية شكسبير

شبابُ شكسبير هي الفترة التي تعترينا أقلُّ الشكوك عنها.

أفكر في الوقت الذي وصل فيه إلى لندن كشاب ريفي قادم من ستراتفورد. على الأغلب، سكن في الضواحي لفترة، حيث لا يأخذك سائقو العربات، بعيداً عن مركز المدينة. على الأغلب أيضاً، فيما يشبه قرية يامسكي8. المسافرون من وإلى لندن جعلوا مكان سكنه أشبه بمحطة سكك حديدية مزدحمة في أيامنا هذه؛ وربما وُجدت بحيرات وغابات وأسواق مفتوحة ومراكز تبديل الأحصنة ومدينة ملاه قريبة. وربما مسارح. ساكن لندن اللبيب يأتي إلى هنا ليستمتع بوقته. 

كان عالماً فيه شبه من تفيرسكي-يامسكي9 من منتصف القرن الماضي، في ضواحي موسكو، خلف النهر – بين ربات الإلهام التسع والنظريات النبيلة، عربات الترويكا، دور النشر، فرق الغجر، والتجار الأغنياء يرعون الآداب- عاش وكافح أكثر ورثة الشاب الإنكليزي من ستراتفورد تميزاً، أبوللون غريغوريف وأوستروفسكي10.

لم يكن للشاب مهنة محددة، ولكن نجمه لامع بشدة. إيمانه بموهبته قاده إلى العاصمة. لم يكن عارفاً بعد بدوره في المستقبل، ولكنه كان واثقاً بنجاحه بطريقة لا تُصدَّق.

كل ما يفعله قد فعله الناس قبله: ألفوا القصائد والمسرحيات، مثّلوا على الخشبة، أُجبِروا على زيارة النبلاء، وحاولوا جاهدين أن يجدوا مكانهم في هذا العالم. ولكن كل ما يقوم به هذا الشاب، يجعله يشعر بفيض القوة، لذا كان من الأفضل له أن يقاطع كل العادات المؤسسة وأن يفعل كل شيء بطريقته الخاصة.

قبل شكسبير، فقط المصطنع والبعيد عن الحياة اعتُبر فناً. كان التكلف هذا إجبارياً، وشكَّلَ قناعاً ملائماً للضعف والعجز الروحي. ولكن شكسبير امتلك عيوناً ثاقبة وأيدٍ ماهرة جعلته يرفض الأعراف القائمة.

لقد أدرك ما سيربحه لو مشى نحو الحياة، بدلاً من البقاء بعيداً عنها، على قدميه وليس على عكازات؛ فقاس نفسه في مواجهتها، وأجبرها على النظر نحوه مباشرة في تحديق عينيه الواثق العنيد.

كان هناك مجموعة من الممثلين والمؤلفين ورعاتهم يتجولون من حانة إلى أخرى، يتسلّون بالغرباء ويعرّضون أنفسهم للخطر بسخريتهم من كل شيء. كان أكثرهم طيشاً، ولكن لم يؤذه أحدٌ بعد (كل ما فعله مرّ بسلام)؛ وأقلهم تواضعاً وأكثرهم صحواً (لم يسكر بشكل كلي)؛ استجلبَ أعلى الضحكات، ولكنه مع ذلك الأكثر تحفظاً؛ هذا هو الشاب المتجهّم الراكض نحو مستقبله بخطوات جبّارة سريعة.

ربما كان هناك فعلاً عجوز بدين مثل فالستاف يرافق هؤلاء الشباب. أو ربما شكسبير اخترعه لاحقاً كتجسيد للعصر.

لم يكن كل ذلك مجرد ذكريات حلوة عزيزة على قلبه: بل كان ذلك الزمن الذي ولدت فيه واقعية شكسبير. لم يخلقها في عزلته بل في صباحات غرفة مبعثرة في حانة، غرفة مليئة بالحياة كبندقية مجهّزة بالبارود. ليست واقعية شكسبير تلك التي نجدها في تأملات عميقة لخليع طائش تائب، ولا «الحكمة» المبتذلة في التجارب الحياتية المتأخرة. كل ما هو جوهري وصادق وكالح وتراجيدي وجوهري في فنه ينبع من وعيه بالنجاح وبالقوة في هذه الأيام المبكرة الجامحة الممتلئة بالحماقات اليائسة، والعمل الخلّاق، والخطر الداهم اليومي.

الملك لير

عروض مسرحية الملك لير صاخبة جداً على الدوام. لدينا العجوز العنيد المصمم؛ والاجتماعات في قاعة القصر الضاجة بالصدى، والأوامر والصرخات؛ يتلوها اللعنات والشهقات والبكاء واليأس تتجاوب مع هزيم الرعد وعزيف الريح. ولكن في الحقيقة، الشيء الوحيد الصاخب في المسرحية هو العاصفة ليلاً، حيث يتجمع الناس في الخيمة مرعوبين، يتكلمون بالهمسات.

المسرحية هادئة كمسرحية روميو وجولييت، وللسبب نفسه. في الأخيرة حب المحبين يُضطهَد ويُخفي نفسه، في الأولى حب الأبناء للآباء، وبشكل أعم، حب الجيران والناس، وحب الحقيقة.

في المسرحية وحدهم المجرمون يستخدمون مفاهيم الواجب والشرف؛ هم وحدهم أذكياء وفصيحون، يساعدهم المنطق والعقل في التزييف والخداع والجريمة. أما المحترمون فصامتون إلى الدرجة التي لا تميّز فيها بينهم، أو يتفوهون بجمل غامضة ومتناقضة تؤدي إلى سوء الفهم. الأبطال الإيجابيون هم الحمقى والمجانين والقريبون من موتهم والمهزومون.

هذا مضمون المسرحية المكتوبة بلغة أنبياء العهد القديم، وبما يناسب العصور الأسطورية البربرية قبل-المسيحية.

الكوميديا والتراجيديا في أعمال شكسبير

لا يوجد كوميديا صافية او تراجيديا صافية في أعمال شكسبير. أسلوبه يتراوح بينهما ومصنوع منهما، لذا هو أقرب إلى الحياة من كل منهما، لأن المسرات والأحزان تتشابك أيضاً في الحياة. اعتبر النقاد الإنكليز ذلك أحد نقاط قوته، من صامويل جونسون إلى ت. إس. إليوت.

بالنسبة لشكسبير، لم يكن الفارق بين الكوميديا والتراجيديا يكمن فقط في الفارق بين الجليل والعادي، بين المثالي والواقعي؛ بل استخدمهما كمفاتيح سلالم موسيقية. كما استخدم الشعر والنثر والقفز بينهما كتنويعات موسيقية.

هذه التغيرات تشكل السمة الأساسية لفنه الدرامي، وقلب صنعته، وتوصل لنا النغمة الخفية لفكره ومزاجه كما أوضحتُ في كلامي عن مسرحية هاملت.

كل مسرحياته الدرامية تتأسس على تحول المشاهد السلس بين التراجيديا والسخافة. أحد أوجه هذه الطريقة يستحق الوقوف عنده بشكل خاص.

بجانب قبر أوليفيا يجعل الجمهور يضحك على تفلسف حفّار القبور. في اللحظة التي تُحمل فيها جثة جولييت، الخادم يضحك على الموسيقيين المدعوين إلى العرس، والموسيقيون يساومون المربية على أتعابهم فيما هي تحاول التخلص منهم. يسبق انتحار كليوباترا الكلامُ مع المهرج نصف-الساخر وتأملاته العبثية عن عدم جدوى الزواحف، تقريباً كما في أعمال ماتريلنيك أو ليونيد آندرييف.

كان شكسبير أبو الواقعية ونبيها. أثره على بوشكين وفيكتور هوغو وغيرهم من الشعراء معروف تماماً. لقد درس أعماله الرومانسيون الألمان. أحد الإخوة شليغل ترجمه إلى الألمانية والآخر بنى نظريته في السخرية الرومانسية على أعماله. غوته، بوصفه مؤلفاً رمزياً لمسرحية فاوست، من سلالته. أخيراً، ولنبق فقط مع ما هو أساسي، دراما شكسبير تشكل السلف المباشر لكل من تشيخوف وإبسن.

بتلك الروح التي أشرنا إليها أعلاه، والتي ورثها خلفاؤه، أقحم العادي المبتذل في جلال الجنازات ليشخر لهم في مشاهده الختامية. هذا الإقحام يجعل سر الموت، القصي عنا وغير المفهوم في الأصل، أبعد عن متناولنا. المسافة المليئة بالاحترام التي تفصلنا عن عتبة الجليل والمرعب، تكبر أكثر من قبل. كل ما يراه المفكر أو الفنان ليس نهائياً؛ كل ما يقوله قد يقبل المراجعة. كما لو أن شكسبير خشي أن يصدق الجمهور بجدية الحلول النهائية غير المشروطة للعُقدة. بالخروج عن الإيقاع يعيد تأكيد عدم وجود نهاية، وباستخدام أسلوب الفن الحديث الذي يناقض حتمية العالم القديم، يولج السمة المؤقتة الفانية للعمل الفردي في أهميتها الكونية الخالدة.

مكبث

يمكن أن نسمّي مسرحية هاملت الجريمة والعقاب. طيلة الوقت عندما كنت أترجمها طاردني شبح التشابه مع رواية دوستويفسكي.

وهو يخطط لاغتيال بانكو، يقول مكبث للقاتلين:

الحيوية تتوهج من خلالكما، في غضون الساعة هذه على الأكثر،

سأشير عليكما أين تزرعان نفسيكما،

وأعلمكما بالساعة المثلى،

بل باللحظة عينها. لأنها يجب أن تُفعل الليلة

وعلى مبعدة من القصر…

بعد فترة قصيرة، في المشهد الثالث من الفصل الثالث، مختبئين في الكمين، يراقبان الضيوف يدخلون الحديقة.

القاتل الثاني: إذن إنه هو. أما الآخرون

المدرجون في قائمة المدعوين

فقد سبق أن وصلوا القصر.

القاتل الأول: خيله طليقة.

القاتل الثالث: لحوالي الميل. ولكن ذلك من دأبه،

كغيره من الرجال. فمن هنا حتى بوابة القصر

يسيرون على الأقدام

الجريمة فعل يائس خطر. يجب التفكير في كل خطوة، يجب التنبؤ بكل احتمال. أعطى كل من شكسبير ودوستويفسكي أبطالهما الخيال والبصيرة التي يملكانها، كما وهبوهم قدرتهما على التصرف في الوقت المناسب بدقة وبالتفصيل. تتمتع المسرحية والرواية بالواقعية المتصاعدة للجرائم وللأدب البوليسي: الحذر المترقّب لرجل الشرطة المتعب الذي غالباً ما يشبه حذر المجرم نفسه.

لم يولد مكبث، ولا راسكولنيكوف، مجرماً أو وغداً بطبيعته. لقد تحوّلا إلى مجرمين عن طريق عملية عقلنة مخطئة، واستنباط من مقدمات خاطئة.

في الحالة الأولى، الدافع أشعلته نبوءة الساحرات التي ألهبت غرور مكبث. أما في الثانية، كان الدافع هو الفكرة العدمية المتطرفة القائلة بأن كل شيء مباح إن لم يكن الله موجوداً، وبالتالي الجريمة لا تختلف عن أي فعل إنساني آخر.

بمقارنة البطلين، مكبث يشعر بالأمان من القصاص. من يستطيع تهديده؟ غابة تمشي على الأرض؟ رجل لم يولد من امرأة؟ مثل هذه الأمور لا وجود لها، بل هي سخافات بشكل صارخ. بكلمات أخرى، يحق له أن يسفك الدماء بدون خوف. وعلى أية حال، هل عليه أن يخاف العدالة بعد أن يستولي على السلطة الملكية ويصبح مصدر القانون الوحيد؟ هل هناك ما هو أوضح وأبسط من ذلك؟ لذا تتتابع الجرائم بسرعة، جرائم كثيرة في وقت طويل، إلى أن تتحرك الغابة وتخطو نحوه ويظهر المنتقم الذي لم يولد من امرأة.

بالمناسبة، فيما يخص الليدي مكبث، قوة الإرادة ورباطة الجأش ليستا الصفتين الأساسيتين لشخصيتها. أعتقد أن أقوى صفاتها شيء أنثوي أعمّ. إنها واحدة من تلك الزوجات الفاعلات، المصممات؛ امرأة تسند زوجها، وتدعمه؛ ومصالحه مصالحها، تتبنى غاياته بشكل كامل وإيمان عميق. لا تناقش الغايات تلك ولا تحاكمها ولا تختار منها ما تريده هي. التفكير، والشك، والتخطيط: هذه مهام الزوج، أما هي فتحرسه؛ وتتكفل بالتنفيذ، كونها أكثر صرامة واتساقاً منه. بعد أن أخطأت في تقدير قوتها، حملت العبء الأكبر، مما أدى إلى سحقها، ليس بواسطة الضمير، بل بالأحزان والاستنزاف والإرهاق الروحي.

  • 1. نوع قديم من الشعر الإنكليزي.
  • 2. بيروني نسبة إلى الشاعر الرومانسي بيرون.
  • 3. شخصية تظهر في بعض مسرحيات شكسبير التاريخية.
  • 4. Niobe: شخصية أسطورية إغريقية.
  • 5. بريام ملك طروادة العجوز، يُقتل في نهاية الحرب مع الإغريق بحسب الأساطير. هاملت يشير إليه في المشهد الثاني من الفصل الثاني.
  • 6. يرى بعض النقاد أن فرنسيس بيكون، الفيلسوف الإنكليزي العبقري المعاصر لشكسبير، هو من كتب معظم المسرحيات الشهيرة وليس شكسبير نفسه.
  • 7. الشخصيات الثلاث المعاصرة لشكسبير، التي يعتقد بعض النقاد أن أحدها هو كاتب المسرحيات الحقيقي.
  • 8. رية قرب سانت بطرسبورج، فيها منتجع صحي وتقع على مفترق طرق.
  • 9. لم أفهم تماماً إلى ماذا يشير باسترناك هنا في استخدامه مصطلح «تفيرسكي-يامسكي». على أية حال، بقية المقطع توضّح الفكرة. المصطلح مستخدم في أغان شعبية. الاسمان لقريتين كانتا محطتين لتجمع الركاب في القرن التاسع عشر، واحدة قرب سانت بطرسبورغ والثانية قرب موسكو.
  • 10. كاتبان روسيان.