تزايد المواد المخدرة في الشمال السوري

منذ العام 2012، تزايدَ تدريجياً حضور المواد المخدرة بمختلف أنواعها في سوريا، وعلى كل صعيد؛ من إنتاجها بهدف الإتجار بها داخل البلد وخارجه، إلى دخولها من الخارج لتمريرها إلى دول أخرى أو تصريفها في الداخل، إلى اتساع الإدمان عليها في مختلف المناطق السورية. في سلسلة مقالات متتالية، أولاها مقالة مصطفى أبو شمس هذه عن المواد المخدرة في الشمال السوري، ستتناول الجمهورية تباعاً هذه المسألة من جوانب اقتصادية واجتماعية وصحية متعددة، وفي مختلف المناطق السورية.

تنازَلَ الحشيش عن مكانته بين مُتعاطي المواد المخدرة في سوريا منذ العام 2012، لصالح أدوية ومواد جديدة غزت مختلف المناطق السورية، وخاصة في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في أرياف حماة وإدلب وحلب. يقول من تحدثنا معهم في هذه المناطق إن الكبتاغون هو سيد الموقف اليوم، بمختلف أنواعه «الأصلية والرديئة»، «المصنّعة محلياً في مكابس يدوية أو تلك العابرة للحدود»، «بهلالين وشق في منتصف قرص مدور صغير أبيض اللون، أو تلك الرمادية التي تشبه حبة العدس، أو الزهرية المعروفة بـ الفراولة، أو تلك التي نُقِشَ عليها رأس تنين». ولكلّ من هذه الأنواع محبوه، خاصة من الفئات اليافعة التي يبدو أنها أكثر المتعاطين نسبة بين الفئات العمرية المختلفة.

أما الأدوية التي تم تحوير استطبابها من المهدئات ومُسكنات الألم، مثل الترامادول والبالتان والزولام والبريغابالين، فهي تحتل مكانة وسطية بعد ارتفاع ثمنها وصعوبة تزويرها، وغيابها عن الأسواق في صيدليات الشمال السوري، وكذلك آثارها الجانبية السيئة التي عايشها المتعاطون فهَجروها إلى أنواع أكثر تأثيراً وأقل خطورة، كما يقولون.

بداية تقليدية للإدمان

يقول ثلاثة ممن تحدثنا معهم إن بداية تعاطيهم للمواد المخدرة كانت عبر مسكنات الألم التي رافقتهم لأشهر طويلة، نتيجة الإصابات الحربية أو القصف. في كل مرة زاروا فيها أطبّاءهم، كانوا يحصلون على علب من الترامادول الأزرق عيار 50 ملغ، أو على وصفة تحتوي على هذا الصنف يصرفونها من الصيدليات، ومع اشتداد الألم كانت الجرعات تزيد عن ثلاثة أقراص يومية. بعضهم قال إنه كان يستخدم خمسة إلى سبعة أقراص، غالباً ما كانت تفشل جميعها في إسكات الألم.

تبادلُ الوصفات بين المصابين دفعَ عدداً منهم لتعاطي أنواع جديدة، خاصةً مع تناقص وجود الترامادول في الأسواق، والذي يصنع في معامل الأدوية الخاضعة لحكومة النظام، ليلجأوا إلى أنواع مُقلَّدَة منه، مثل تلك المستوردة من الصين وتعرف بـ «التفاحة»، وتحتوي في مكوناتها على الترامادول بنسبة 225 ملغ، أو يلجأوا إلى الكبتاغون المنتشر بكثرة.

شبّان يافعون، لم يتعرضوا لإصابة، وجدوا في الحبوب المخدرة ما يرضي شغفهم في التجربة والمغامرة. يقول اثنان منهم، سنتحدث عنهما في وقت لاحق من التحقيق، إن أصدقاء أكبر سناً دفعاهُما للإدمان على المواد المخدرة. «بدأ الأمر بالسعي لإثبات الرجولة، وتحوّلنا إلى مدمنين»؛ يقولان وهما يرويان أن حياتهما اليوم باتت مُعلَّقة بقدرتهما على شراء ما يُسكِتُ «الضجيج» في رأسيهما على حد وصفهما.

الخوف

«هي الحرب». يخبرنا أحد من تحدثنا معهم أنه وجد في سجائر الحشيش ضالته للاستمرار، يقول: «كلما كان الخوف يقترب، سواء بالقصف أو تقدم قوات النظام نحو المنطقة التي أسكنها، كنت أشعل سيجارتي وأعيش في مكان آخر».

يريد مُحدِّثُنا أن يغيب عن واقعه كما يقول، ذلك فيما يحصل مقاتلون على حصتهم من الحبوب المخدرة لكسر خوفهم؛ يقول مقاتل لم يغب عن المعارك إن «هذه الحبوب مثل سلاحه وجعبته، يفقد معها الشعور بالخوف، وكذلك الألم».

نسيان

لا يجد مرعي المحمد، أحد الساكنين في مخيمات اعزاز، حرجاً في ذكر اسمه. يقول إنه يريد نسيان كل شيء، وهو ما يدفعه لشرب سجائر الحشيش رفقة أصدقائه. «باتت رائحتها مألوفة في الخيمة»؛ يخبرنا وهو يتنكر للحياة القاسية التي يعيشها ضمن جدران قماشية، بعد خسارة حلب التي كانت مكان ولادته وحياته.

«بس صحيت بحس حالي مخنوق. ما بشوف حالي إلا رجعت»، يقول مرعي، ويضيف لنا أنه في العام الرابع منذ تحول إلى مدمن، ثم يقول دون أي شعور بتأنيب الضمير إنه «يبيع الحشيش لتأمين حصته منه، فهو عاطل عن العمل منذ خروجه من حلب».

إكسبريس وكبتاغون

يقول أبو عبد الله إنه خسر عمله في منشرة للحجارة منذ ثلاث سنوات، وذلك بعد خسارته لواحدة من يديه وتثبيت أسياخ معدنية فيها، ليتحول إلى بائع قهوة «إكسبريس» على الطريق.

مرَّ أبو عبد الله بالترامادول كبداية، والزولام وأدوية أخرى لا يذكر أسماءها، إلا أنه يذكر أثرها كمنوم لساعات طويلة، ويذكر هيجانه عند حاجته لها، ما دفع زوجته لتركه بعد سلسلة من المشاكل. يقول إن غياب الحبوب كان سبباً لعصبيته المفرطة، وكذلك زوجته الثانية انفصل عنها نتيجة عدم قدرته على شراء الأقراص بشكل مستمر، وهي التي كانت تحوله إلى «رجل هادئ» على حد وصفه.

عمله كبائع إكسبريس دفع مروجي الكبتاغون لاستقطابه وإدخاله سوق العمل بالمواد المخدرة، وهو يقول إنه بدأ بتعاطيها يومياً، ثم طَلَبَ منه من كان يبيعها له أن يضعها في فناجين القهوة للزبائن، خاصة من الفئات اليافعة والشابة، وهو «ما حدث بالفعل».

«كثير من بائعي الإكسبريس اليوم يبيعون المواد المخدرة، خاصة الكبتاغون»، يخبرنا أبو عبد الله أن «الحبوب متوفرة في كل منطقة، ويمكن تأمينها بسهولة للزبائن، ومع الوقت صار لدي من يشتري مني الكبتاغون». ويشرح: «أربح في كل حبة نحو 500 ليرة، أبيعها لمن أثق بهم، وللشباب المراهقين. يبدأ الأمر بفنجان قهوة، ويتطور إلى فرض السعر الخاص عن كل حبة. أحتفظ في مكاني بعدد من الأقراص لا يتجاوز الخمسة، بينما أضع الباقي في خيمة مجاورة».

كان أبو عبد الله يبيع يومياً نحو عشرين حبة، تؤمن له دخلاً يستطيع من خلاله شراء حاجته من الكبتاغون، إذ يتعاطى حبة واحدة يومياً. وتربطه بأصدقائه من بائعي الاكسبريس شبكة من التبادل التجاري، ويخبرنا أن «نسبة المتعاطين للكبتاغون ازدادت خلال السنتين الأخيرتين» بحسب ما يدور بينهم من أحاديث، وكذلك في صفوف المقاتلين الذين يشترون كميات كبيرة يتقاسمونها بينهم.

يروي أبو عبد الله أن قادةً في الفصائل أخبروه أنهم ملزمون بشراء الحبوب المخدرة لمقاتليهم، إذ يربط عدد من المقاتلين دخولهم في فصيل معين بالحصول على هذه المواد التي أدمنوها. يقول أبو عبد الله: «أبيع منذ أشهر نحو مئة قرص يومياً»، وهو ما كنت أبيعه أسبوعياً سابقاً.

ليس الأمر علنياً، بحسب أبو عبد الله، إذ أن هناك دوريات أمنية تعمل أحياناً على تفتيش محتويات «البراكات» بناء على شكاوى مقدمة وأحياناً بشكل اعتيادي، خاصة إن تم الإمساك بأحد المتعاطين، إذ يتم إخضاعهم للتحقيق وغالباً ما يسجنون لمدة شهرين مع دورة شرعية وغرامة مالية، يتم بعدها إخلاء سبيلهم. يقول إنهم دائماً ما يعودون للتعاطي من جديد، لعدم توفر العلاج في المنطقة.

يقول أبو عبد الله إن المخيمات مكان مناسب لترويج حبوب الأدوية المخدرة، ويخبرنا أن هناك نساء تتعاطى بعض الأصناف، أما الحشيش فيندر استعماله لرائحته التي يمكن أن تؤدي بمتعاطيه إلى السجن، فيما تغيب المخدرات لارتفاع أسعارها واقتصار استخدامها على فئات معينة من أصحاب الأموال.

«يعلم الأمنيون ببيعنا للحبوب المخدرة، لكنهم يتغاضون عن ذلك»، يقول أبو عبد الله؛ «أدفع ما يترتب عليّ من نقود للسماح لي ببيعها، ولكن بشكل سري».

لا يجد أبو عبد الله نفسه مخطئاً، يقول إن حبوب الكبتاغون ليست مضرة، وإن سبب منعها، بحسب ما سمع وعرف، يقتصر فقط على أصحاب الأمراض المزمنة والمسنين، أما الشباب فإنها تمنحهم الحيوية والنشاط ولا تتسبب لهم بأي أضرار جسدية. ويضيف أنه يجد في عمله مساعدة للناس على تخطي ظروفهم القاسية، وتجاوز ما مروا به من محن وهموم.

حلّاق وتاجر مواد مخدرة

أمام باب محله للحلاقة يتجمع عدد من اليافعين بشعر مرتب، لكن لا يبدو أنهم حصلوا على تسريحة جديدة اليوم، بل إنهم يسعون نحو هدف آخر، إذ ينتظرون خلو المحل للحصول على المواد المخدرة. يقول صاحب المحل في إحدى بلدات ريف إدلب إن معظم زبائنه من اليافعين، وإن أكثر الأيام التي يتوافدون بها إلى محله تكون في نهاية الأسبوع، بعد حصولهم على الأجر من الأماكن التي يعملون فيها.

يبيع صاحب المحل نحو خمسة عشر قرصاً يومياً من المواد المخدرة، بينما تتضاعف هذه الأعداد يومي الخميس والجمعة، ويزور محله متعاطون من مختلف المناطق، وغالباً ما يجد وجوهاً جديدة بينهم كل أسبوع، يجرهم إلى ذلك أصدقاؤهم، أو الشابان اللذان يعملان داخل محله.

ينفق هذان العاملان معظم ما يحصلان عليه من أجر على الحبوب المخدرة بعد إدمانهما عليها، يستدرجان زبائن الحلاقة من أقرانهما، ويقولان إنهما يعرفان «ضالّتهما» من خلال الأحاديث الجانبية، ويُقدّران مستوى دخل الشخص الذي يتحدثان إليه وكذلك مدى استعداده للدخول في التعاطي.

يُباع الترامادول الأزرق والأحمر والكبتاغون في المحل، ويعمل الشابان أيضاً على بيع هذه المواد خارج المحل في الحدائق والأماكن العامة وبناء شبكة من العلاقات الاجتماعية، ويختاران زبائنهما من العائلات الميسورة والغنية. يخبرنا صاحب المحل أن نسبة متعاطي الكبتاغون من زبائنه تزيد عن 90٪، بينما يلجأ الباقون إلى الترامادول. ويبلغ متوسط سعر حبة الكبتاغون نحو ألف وخمسمائة ليرة سورية، بينما تباع بعض الأنواع الرديئة المزورة بنحو ألف ليرة سورية.

يطلق على هذه الحبوب تسميات معينة يشترك بها الحلاق مع زبائنه، مثل كلمة «مراجل» وتعني «قرصاً من الكبتاغون» أو مزاج وتعني «ترامادول».

يحصل الحلّاق على الترامادول من مستودعات أدوية، أما الكبتاغون فيحصل عليه من تجار الجملة، وهم كثر، إذ يوجد مناطق تهريب واسعة، ومعظمها تأتي من مناطق النظام: «السوق هنا جيدة، السكان كثر، المهجرون في المخيمات من كافة المحافظات. والسوق يحتاج إلى حركة، والشباب يدفعهم التنافس في كمية التعاطي والتفاخر على أساس الرجولة، وكل هذا يزيد من مبيعاتي». ينهي الحلاق كلامه: «ليس الجميع ملائكة، هناك الكثير من الشياطين تسكن بيننا، ونحن نريد أن نؤمن قوت عائلاتنا».

حشيش دون «كيف»

يقول أحمد (سنكتفي باسمه الأول بناء على طلبه)، وهو أحد تجار الحشيش في ريف حلب الشمالي، إن الطلب عليه قد تراجع بنسبة قليلة خلال السنتين الماضيتين، خاصة بين فئة الشباب التي توجهت لتعاطي الحبوب المخدرة. يخبرنا عن أسباب أخرى لتراجع الطلب على الحشيش، ومنها الأسعار التي ارتفعت لارتباط سعره بالدولار، ومع انهيار العملة السورية بات الثمن باهظاً وليس بمقدور كثر من الأشخاص الحصول عليه. كذلك الأنواع الرديئة التي تغزو السوق اليوم لتحقيق المنافسة بالسعر، والتي تسبب آلاماً في الرأس وأضراراً جانبية لم يألفها متعاطو الحشيش سابقاً، وفقدت الميزة الأساسية من تدخينها  ألا وهي «الكيف».

يروي مرعي المحمد أيضاً أن متعاطي الحشيش هم من الفئات العمرية الأكبر سناً من متعاطي المواد المخدرة، يقول إن شربه تحول إلى اعتياد بالنسبة لهم. ويفرّقُ بين الأنواع الأصلية التي أسماها «البعلبكي والأفغاني الأحمر»، والتي كانت تزيد من إحساس شاربها بـ «السعادة»، وتلك المزورة التي «تضرب المزاج»، خاصة، على حد قوله، أن الحشيش ليس من المواد التي تسبب إدماناً من الجسد، بل يطلبها المتعاطي لتغيير مزاجه فقط، «هو إدمان نفسي وليس عضوياً» كما يقول.

مسارات الحشيش والمواد المخدرة

يمر الحشيش قبل وصوله إلى الشمال السوري بممرين: من لبنان إلى مناطق النظام، ويتفرع بعدها نحو مناطق قسد أو النقاط العسكرية التي تفصل قوات الأسد عن عفرين وشرق حلب. أو من أفغانستان عبر تركيا، وصولاً إلى إدلب وريف حلب الشمالي.

خلال العامين الأخيرين انقطعت معظم كميات الحشيش الواصلة عبر تركيا، وبات طريق لبنان هو الطريق الوحيد لوصوله، وهو أيضاً ما أدى إلى رفع سعره، إذ يُباع الغرام الواحد منه بدولار واحد، وهو ما يزيد بخمسة عشر ضعفاً عن سعره في أماكن تواجده، حيث يزرع من قبل حزب الله اللبناني أو أشخاص مقربين منه في مناطق نفوذه.

أما المواد المخدرة، فتصل بمعظمها عبر مناطق النظام، مثل الكبتاغون والترامادول وحبوب البركسيمول والبالتان والزولام، والبريغابالين التي يشيع اسمها بحبوب «الوش». وكذلك عبر تركيا قادمة من الصين، مثل الترامادول الأحمر، أو من تركيا مباشرة مثل البالتان.

لمناطق النظام الحصة الأكبر من المواد المخدرة التي تمر نحو الشمال السوري، ويعمل على ذلك تجار مرتبطون بقوات النظام، منهم قادة عسكريون و«شبيحة كبار»، كما تحدثت في السنتين الأخيرتين تقارير صحفية عدة عن مكابس تصنيع داخل الأراضي السورية، تعمل على صناعة المواد المخدرة ويشرف عليها قادة من حزب الله والفرقة الرابعة في سوريا.

أبو معروف من حمص هو أحد تجار المخدرات في الشمال السوري، تم سجنه ثلاث مرات قبل العام 2011 بتهمة التهريب، وإخراجه مع بداية الثورة للانضمام لقوات الأسد في القامشلي، قبل أن ينشق عنها ويتجه إلى إدلب حيث نزحت عائلته. يقول: «أتواصل مع معارفي القدامى في لبنان ومناطق سيطرة النظام لإيصال البضاعة إلى منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية. حين كان المعبر مفتوحاً كانت تصلنا الحبوب المخدرة والحشيش بعد تأمينها مع الركاب بالاتفاق مع عناصر الحواجز. كنا نُدخل حقيبتين أو ثلاثاً تزن كل واحدة منها ثلاثة كيلو غرامات مع كل حافلة، وأحياناً نقوم بإدخال هذه الحقائب لمرات عديدة في اليوم الواحد».

يضيف أبو معروف: «في منطقة التهريب الحالية بقرية نبّل في ريف حلب الشمالي، تتواجد نقاط عسكرية تتبع لحزب الله، وكذلك في مناطقنا نقاط عسكرية، نقوم بالتشبيك معهما لإيصال بضائعنا عن طريق أشخاص من المارة أو نرسل من يستلمها».

«كلو بتمنو»، يكمل أبو معروف، الذي يقول إن نحو ثلاثين كيلو غرام متفرقة من الحشيش والمواد المخدرة تدخل يومياً عبر المعابر لصالحه، وإنه يشتري الأقراص من مستودعات الأدوية بأسعار مضاعفة، أما الحشيش فعبر تجار لبنانيين أو ووسطاء سوريين. تُجمع هذه المواد في منطقة نبّل ويتم إدخالها على دفعات، إذ لا توجد رقابة من أي نوع، خاصة وأن من يقومون بنقلها من عناصر قوات النظام، وبأوامر من قياداتهم التي تتقاضى عمولتها من البائع وهو ما يؤدي إلى تضاعف سعرها.

بعد وصولها إلى عفرين، يستلمها أبو معروف. وهو لا يستطيع دخول إدلب بعد هربه من سجنها خلال القصف الذي طاله منذ سنتين، وكان محكوماً عليه بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة تجارة الحشيش في إدلب. يقوم أبو معروف بتقسيم المواد التي تصله وتوزيعها على تجار المفرق، الذين يوصلونها إلى المروجين والبائعين.

تمر هذه المواد إلى إدلب وريفها، خاصة مناطق سرمدا والدانا وأطمة ودير حسان، إضافة لإدلب المدينة واعزاز بريف حلب الشمالي، عبر سيارات المازوت أو حافلات بصناديق مخفية. أما الطريقة الأسهل، فهي من خلال أشخاص ذوي سلطة عسكرية يتقاضون مبالغ كبيرة، أو يفرضون حصة من المواد المخدرة كبديل عن المال.

لكل منطقة تُجّارها ولكل صنف تُجّاره، يقول أبو معروف: «نحن نوصل البضائع وهم يقومون بتوزيعها»، ويقدر عددهم بالعشرات، أما بائعو المفرق فمن الصعب إحصاؤهم بعد أن تحول المئات من المتعاطين إلى مروجين «صغار» لتأمين ما يحتاجونه شخصياً من مواد مخدرة.

يخبرنا أبو معروف إنه وقبل القبض عليه في إدلب كان يعمل في مناطق واسعة فيها، وكان في كل مرة يدفع «حصة» من ثمن المواد المخدرة للمسؤولين هناك، وذلك مقابل تسهيل عمله أو غض النظر عنه. يخبرنا أيضاً أن الكميات التي تدخل إلى إدلب تصل إلى طن شهرياً، يُوزَّع قسم منها داخل الشمال السوري بينما يُهرَّب قسم آخر نحو تركيا، إذ يستفيد التجار من فارق السعر بين الدولتين.

أبو أسامة قائد لفصيل عسكري في الشمال السوري، يقول إنه يتعاطى الكبتاغون بعد أن تخلّى عن الترامادول والبالتان اللذين رافقاه لمدة تزيد عن عشر سنوات، ويخبرنا أنه وبعض من يتبع له من العناصر يحصلون عليه من قادة فصائل آخرين يتواجدون على المعابر، ويبيعون حصتهم منها. كما يحصل على جزء مما يحتاجه عن طريق نقل المواد المخدرة خلال «عمليات التبديل العسكري»، إذ لا يخضع العناصر للتفتيش خلال مرورهم.

كبتاغون و«إتش بوز»

للكبتاغون تأثير منشّط على الجسم، وتمنح من يتعاطاه شعوراً بالقوة، وقدرة مضاعفة على تحمل الجهد العضلي والسهر، ويعتبر الأرق وارتفاع الحرارة وفقدان الشهية عن الطعام أهم آثارها المباشرة. استخدمت منذ نهايات القرن التاسع العشر كمنشط، وهي مشتقة من «الأمفيتامين»، كما استخدمها اليابانيون لجنودهم في الحرب العالمية لزيادة قدرتهم القتالية، ودخلت عالم الرياضيين قبل أن تصنفها أميركا ومن ثم منظمة الصحة العالمية على قوائم المنع في ثمانينات القرن الماضي.

ويتفرع عن الأمفيتامين ما يعرف بالكريستال ميث، وبحسب معهد فيريل الألماني للدراسات فإنه أخطر أنواع المخدرات المنتشرة في العالم حالياً، وذلك لرخص ثمنه وسهولة تحضيره يدوياً من جهة، وللآثار الجانبية الخطرة التي يخلفها استعماله، والتي تؤدي إلى الوفاة من جهة ثانية في نهاية المطاف. ويعتبر الهيجان والأوهام والهلوسات أهم أعراض الجرعات الأولى، بينما يتفاقم الأمر بعد عدة جرعات ويتسبب بفقدان الذاكرة (الزهايمر) والشيخوخة المبكرة وآلام في المعدة وفقدان للشهية والأسنان، وأخيراً التجلّط الدماغي والموت.

يُعرَق الكريستال ميث محلياً باسم «إتش بوز»، وذلك لما يتركه من ملامح على وجه متعاطيه توحي بالهيجان والعصبية والاختناق، فيبدو الشخص كما لو أنه «ضارب بوز» بالعامية السورية، أي متجّهم شديد العبوس. يقول أحد بائعيه في مدينة مارع إنه يصل من إيران عبر تركيا، ويباع بالغرام الواحد، ويتم تعاطيه بعد طحنه كحقن وريدية، أو عبر استنشاق دخانه بعد إحراقه في حوجلة محكمة الإغلاق. ولا ينتشر هذا النوع بكثرة لارتفاع ثمنه، إذ يصل سعر الغرام الواحد إلى نحو أربعمائة ليرة تركية أي ما يقارب خمسين دولاراً، لكن بعض الذين يمتلكون المال يُقدمون على شرائه.

البريغابالين: من دواء عصبي إلى مخدر

يستخدم البريغابالين كمهدئ عصبي ودواء لعلاج حالات الصرع، وبات يستخدم كدواء مخدر منذ نحو ثلاث سنوات، إذ يتحول إلى مادة مخدرة بعد تناول عدة أقراص ومضاعفة هذه الجرعات دورياً. يتواجد البريغابالين في الصيدليات، وكان سابقاً يباع في سوريا دون الحاجة لوصفة طبية. يقول الصيدلاني خالد العبدو: «ذلك كان سابقاً وقبل أن يحتل مكان الترامادول، إذ تبين أنه يسبب الإدمان بعد تناول جرعات منه لأيام قليلة، بعدها يحتاج المريض إلى مضاعفة هذه الجرعات، وأحياناً تصل إلى عشر حبات يومياً ما يمكن أن يؤدي إلى الشلل الدائم في نهاية المطاف».

يخبرنا العبدو أن بعض الصيادلة والأطباء يقومون بوصفه للمدمنين لتخليص أجسادهم من الترامادول والمواد المخدرة الأخرى، لكن ذلك ليس حلاً، على حد قوله، فلا تقل أخطار البريغابالين عن غيره، خاصة مع حاجة المتعاطين المتزايدة لرفع الجرعة للحصول على «التأثير» الذي كانوا يحصلون عليه من تعاطيهم لمواد أخرى.

لا أريد علاجاً

يخبرنا حازم أنه بات اليوم في مرحلة «الخلطة»، ويشرحها لنا بأنها مزيج من حبوب منوعة كالترامادول والكبتاغون والزولام، بمقدار نصف حبة من كل نوع يأخذها معاً، قبل أن يبدأ بسيجارة الحشيش التي تَعلَّمها مؤخراً ما يمنحه شعوراً لا يريد التخلي عنه.

بدأ حازم رحلته مع التعاطي وهو في السادسة عشر من العمر، بدافع الفضول أولاً، قبل أن يتحول إلى مدمن. يقول إنه لا يشعر بآثار جانبية لما يتعاطاه، فقط بعض الوهن أحياناً وسرعان ما يزول، ويشعر أن حياته ستغدو ناقصة بدون هذه المواد، ولذلك لا يتمنى «انقطاعها، كما لا يرغب في العلاج».

الأمر ذاته حصل مع أيمن الموسى، إلا أن الإصابة هي من أوصلته للإدمان وليس الفضول. يقول إنه قام بتناول أول جرعات الترامادول بعد إصابة فقد على إثرها إحدى قدميه. أمام فراشه أظرفٌ مفتوحة من أنواع حبوب مختلفة، يقول إنه يجرب يومياً معظمها لتسكين ألمه. يقول بعد سؤاله عن زمن إصابته إنها كانت منذ سنتين، لكن «الألم هنا»، ويشير إلى الفراغ الذي خلّفه بتر ساقه.

أسعار مضاعفة

تتبّعنا الأسعار عند بائعي المفرّق والتجّار، وبمقاطعة هذه الأسعار نجد أن سعر «الشقفة»، وهي وحدة قياس للحشيش في الشمال السوري تزن 1200 غراماً، يبدأ بـ 75 دولار من المصدر في لبنان، بحسب أبو معروف. تصل إلى الشمال السوري بعد حساب أجور التهريب والإتاوات بمبلغ 250 دولاراً، وتُقسَّمُ بعدها إلى وزنات (25 غرام)، ويصل سعرها إلى تجار المفرق بنحو 450 دولاراً، وتباع إلى المروجين بنحو 600 دولار، قبل أن تصل إلى المتعاطي بنحو 800 دولاراً، وفي حال الكميات القليلة فإن الغرام الواحد يباع بنحو دولار واحد. أما الكميات التي تصل إلى تركيا، فيصل سعر الشقفة منها إلى 1200 دولاراً.

أما الكبتاغون فيختلف سعره من لبنان، إذ يتراوح، بحسب الجودة، بين 50 إلى 75 دولاراً لكل كيس (1000 حبة)، ويصل إلى التاجر في الشمال السوري بعد ما تتكلفه أجور التهريب بنحو 250 دولاراً، وتباع الحبة الواحدة بسعر يتراوح بين 1000 و1500 ليرة سورية، أي نحو نصف دولار.

ويباع مشط الترامادول عشر حبات بنحو 25 ليرة تركية، أما البالتان فيصل سعر الحبة الواحدة إلى خمس ليرات تركية.

إجراءات قانونية قاصرة

يقول أحد موظفي المحكمة في إدلب، رفض ذكر اسمه خوفاً من المساءلة القانونية، إن حكم التعاطي الذي يطبقه قضاة المحكمة يتراوح بين شهر إلى ثلاثة أشهر إضافة لدورة شرعية. أما بالنسبة للاتجار بالمواد المخدرة فيصل حتى خمس سنوات مع التعزير المالي الذي يُقدَّرَ من قبل القاضي، وغالباً ما يكون أضعاف سعر الكمية التي تمت مصادرتها، ويكون ذلك بناء على قناعة القاضي أو تسجيل سابقة للتاجر الذي تم القبض عليه.

أما في محكمة عفرين، فيقول أحد القضاة (رفض ذكر اسمه) إنه «ووفقاً للقانون المعمول به في المحاكم، يجب أن يتم تطبيق عقوبة السجن من عشرين يوم إلى الشهر للمتعاطي الذي تضبط معه حبة أو حبتان من الحبوب المخدرة، لكن الواقع العملي في القضاء حالياً أنه يتم تطبيق حكم السجن لمدة تتراوح من سنة إلى ثلاث سنوات، حيث يعتبرها القضاء جنحة».

أما «بالنسبة للاتجار بالحبوب المخدرة، فتكون مدة الحكم من ثلاث إلى سبع سنوات، لكن الواقع المعمول به من ثلاث إلى خمسة سنوات، إضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين ألفين إلى ثلاثة آلاف دولار. إلا أن هذه الغرامة لا تطبق حالياً، وترك للقاضي فرض الغرامات المالية بحسب تقديره للكمية وأسبقيات التاجر. كذلك من الممكن دفع غرامة مالية بشكل كفالة لجرم الاتجار، تقدر بخمسة آلاف دولار».

يقول المحامي طارق العمر إن هذه العقوبات غير رادعة، وإن القانون يفرض على جرم الاتجار عقوبات أقسى بكثير في معظم الدول ومنها سوريا. كما ينتقد العمر قبول «الكفالة المالية» التي لا تساوي قيمتها ثمن خمسة كيلو غرامات من الحشيش، ما يساعد على انتشار المواد المخدرة بين السكان. ويرى العمر أن أهم ما يجب تطبيقه على المتعاطين هو العلاج، وتوفير مراكز صحية لتخليصهم من الإدمان، وتأهيلهم لإعادة دمجهم في المجتمع من جديد.

مراكز مختصّة لعلاج الإدمان

يفتقر الشمال السوري لعيادات مختصّة لعلاج الإدمان، وكذلك للأطباء المختصين والكوادر المدربة. يقول أحد العاملين في اتحاد المنظمات الطبية ussom إنهم، وبالشراكة مع برنامج الغذاء العالمي، قاموا بافتتاح عيادات نفسية في منطقة سرمدا، من ضمنها قسم لمعالجة الإدمان من المواد المخدرة. ويوجد عيادة أخرى في تفتناز كانت تعمل سابقاً كمصحّة نفسية لعلاج الإدمان، لكنها توقفت عن العمل مع انحسار مناطق سيطرة فصائل المعارضة.

يخبرنا أنه وبعد سيطرة حكومة الإنقاذ على المنطقة ووضع يدها على المحاكم، لم يعد هناك تعاون بين القضاء ومراكز الإدمان، إذ لا يتم تحويل المتعاطين إلى العيادات المختصة، ويكتفون بتطبيق عقوبة السجن والدورة الشرعية عليه، دون أي توعية أو توجيه للمدمنين إلى نظام المعالجة، وهو ما يفسّر عودة المدمنين إلى تعاطي المواد المخدرة بعد خروجهم من السجن.

ويقول أيضاً «نحن لا نستطيع تجاوز السلطة الموجودة، عملنا مُراقَب دوماً بشكل لصيق، وهو ما يحرم المتعاطين من العلاج والخصوصية، فمن أهم شروط علاج الإدمان حفظ خصوصية المرضى وهو ما لا يتم فعلياً، إذ يتم سجن كل من يثبت تعاطيه حتى لو كان من خلال مراجعته لعيادة علاج الإدمان».

«لم يكن الأمر كذلك قبل سيطرة هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ على المنطقة»، يقول، إذ عالجت هذه العيادات عشرات حالات الإدمان التي شفيت، من بينها نساء، في السابق، أما اليوم فيقتصر مراجعو العيادة على حالات الخوف والهلع والآثار النفسية من القصف.

يخبرنا أن التعافي من الإدمان يمر بمراحل: «نزع السموم من الجسم وهي أولى خطوات العلاج من المخدرات، ثم علاج الأعراض الانسحابية، ثم مرحلة التأهيل، ثم مراحل الاستشارات النفسية، والعلاج المجتمعي، ومنع الانتكاس». هذه الخطوات تحتاج إلى شخص أخصائي للقيام بها، فالسجن لفترة والدورات الشرعية لا تكفي لعلاج المتعاطي وتخليصه من إدمانه، إضافة إلى أنه لا يمكن ضمان عدم وصول المواد المخدرة إليه في السجن، ولذلك من الضروري خضوع المدمن لجلسات علاج من الإدمان وفي مراكز تخصصية.