تفضّل يا أخي!

 

يقولُ الإنجليز پليز ويقول الفرنسيون سِلتوپليه ويقول الألمان بِتَه ويقول المصريون من فضلك.

ثمّة جذورٌ عُرِفَت بها اللغة العربية، تتواصل بين أغلب لهجاتها وعصورها، ولكلّ منها اشتقاقات لا حصر لها، وكلّ منها بمعنى مختلف عن الآخر، بل ومناقض له أحيانًا. واحدٌ من أجملها بالنسبة لي هو جذر «فضل»، ومنه فعل الأمر «تَفضّل» الدال على الكرم وحسن الضيافة، وهما لحسن الحظ جزء أساسي من الصورة الذهنية الشائعة عن العرب.

نُعلّم أطفالنا مثلًا ألا يقولوا «خذ» وإنما «تفضّل»، وعندما تدعو الآخرين لمحلّك، أو لطعامك، فالأحسن دائمًا أن تقول «تفضّلوا»، بل وحتى عندما تطرد أحدًا يمكنك بسهولة أن تقول له: «اتفضّل اطلع برا».

إلى هذا الحد من التهذيب يمكن أن تصل اللغة العربية، إلى حد أن تقول للشحاذ «تفضّل»، أي: أنعمْ عليّ بفضلات كرمك واقبل مني هذه الورقة المالية. إلى هذا الحد يمكن للكلمة أن تقلب العلاقة بين الطارد والمطرود، بين المحسِن والمحسَن إليه.

HQ اتفضل من غير مطرود - نجاح الموجي

يبدو لي أنّ جميع تصريفات جذر «فضل» بإمكانها التكثّف في معنى واحد، الجود بما زاد عن حاجتك، ما يتفرّع بدوره إلى ثلاثة معان رئيسية: الأول هو الجود والإحسان، والثاني هو الزيادة والأفضلية، والثالث هو التفاهة وقلة القيمة؛ ما لا يحتاجه المرء.

وقد يكون «الفضل» في الأصل هو ما يتبقى من الوليمة بعد انقضائها، ولذلك يكون منطقيًا أن يحل فعل «فِضِل» في المحكية المصرية محل فعل «بقي» أو معنى «ظلَّ»، فيقول أحمد رامي على لسان أم كلثوم: فِضِلت أعيش بقلوب الناس، أي بقيتُ أعيش في قلوب الناس.

يمكننا لذلك أيضًا التفكير في جذر «فضل» بارتباطه بجذر «فصل» بمعنى الانشقاق، وهو مشترك بين العربية والعبرية والسريانية، كما يمكننا– بشكل ما – أن نربطه بجذر «فيض»: ما فاض منك بعد اكتمالك.

***

بخلاف الجود والكرم، يُستخدم جذر «الفضل» للمقارنة والتفضيل، وتشيع في التراث العربي القديم صيغ كثيرة تتمحور حول أفضلية الكذا على الكذا، حتى وإن لم تُستعمل ساعتها كلمة «أفضلية»، وإنما الجذر الصافي «فضل» مُجرَّدًا من أي زيادات، مثل فضل السواد على البياض أو فضل النساء على الرجال، أو حتى كما يقول الحديث النبوي العجيب: فضلُ عائشة على النساء كفضلِ الثريد على سائر الطعام.

وفي فيلم «صراع الأحفاد» يوصي الجد قبل موته بأن تذهب كل ثروته لـ«أفضل» حفيد، وتدور الحبكة حول تعريف معنى كلمة «الأفضل»، هل هو الأقوى أم الأغنى أم الأكثر ثقافة. ولأن كلمة «أفضل» تبدو فصيحة قليلًا في العامية المصرية، فإن أحد الأحفاد، لحظة قراءة الوصية، يتساءل عن معناها، إلى أن يجيبه آخر: يعني الأحسن يا أخي، الأحسن!

ومن الغريب أنّ كلمة «الأحسن»، أي «الأفضل»، مشتقة من «الحُسن»، وأنّ أحد اشتقاقات جذر الـ«حسن» هو «الإحسان»، أي «التفضُّل».

يحدثُ أحيانًا في العربية أن يتواجد جذران مستقلان عن بعض، لا يربط بينهما شيء، ولكن تجدهما ينجذبان لبعض في أكثر من نقطة، يفترقان ثم ما يلبثان أن يرجعا، لأكثر من مرة وبفعل عوامل متعددة، إلى حضن بعض.

***

«فضلًا عن»، هكذا نكتب في العربية الحديثة، تلميحًا بأن ما يلي هو حاشية لا أهميّة كبرى لها، حتّى وإن كنّا، في لعبة لغوية تعتمد على ادعاء اللامبالاة، نوليه كل الأهمية.

وقبل أن تشيع كلمة «أوكازيون» الفرنسية ربما، وبالتأكيد قبل أن تشيع كلمة «Sale» الإنجليزية، كانت محلات القطاع العام في الثمانينيات في مصر تُعلن عن مواسم تنزيلاتها بعبارة «أسبوع البواقي والفُضَل»، أي ما زاد عن حاجة المحل فيُباع بسعرٍ رخيص.

ومن معاني الرخص والتفاهة في «الفضل» تأتي «الفضلات»، ومنها أيضًا يقول المصريون تأدبًا: كل هذا إنما هو فضلة خيرك، أي بواقي خيرك. ويقول المتنبي في مديحِ سيف الدولة الحمداني: فلمّا رأوه وحدَه قبل جيشِه، دَرَوا أنَّ كل العالَمين فُضُولُ. أي هباءٌ منثور، لا قيمة لهم.

بهذا المعنى، معنى الهباء وقلة القيمة، عرف العرب كلمة «فضول» قديمًا، وهو المعنى الذي لا نعرفه نحن المحدثين، ولا يخطر في بالنا أصلًا لدى سماعنا الكلمة.

إذا مرت الآن أمام أي منّا، نحن المحدثين، كلمة «فضول»، فإن أول معنى سيتبادر للذهن هو «الرغبة في المعرفة»، وهو المعنى الذي ربما جاء في الأصل في وصف الاهتمام بـ«فضول الأمور»، أي بما لا قيمة له من الأمور، فمثلما أن Curious بالإنجليزية تعني «الفضولي» و«المثير للفضول» على حد سواء، ربما صارت كلمة «فضول» العربية، في وقت ما، تعني كلًا من الأمرين: التفاهة والانشغال بالتفاهة، الذات والموضوع في الكلمة نفسها، الفاعل والمفعول به.

***

مثل الكثيرين من أبناء جيلي، كبرتُ على شخصية «فضولي» في مجلة ماجد الإماراتية، بأنفه الطويل الذي يدسّه فيما لا يعنيه، والذي يفرض نفسه دون استئذان على أي من صفحات المجلة، ويتعيّن علينا، نحن القراء الصغار، البحث عنه وتمييزه ضمن عشرات التفاصيل في الصفحة.

أفكر أن هذه الشخصية، التي أبدعها رسام الكاريكاتير حجازي، لو كانت قد خُلقت اليوم، لما أخذت ربما اسم «فضولي»، وإنما اسمًا آخر مشتقًا من «التطفّل»، وهي الكلمة التي قرّرنا إطلاقها على الاهتمام بما هو طفيلي وغير مهم، أي على الرغبة في المعرفة بجانبها السلبي القبيح.

هذا لأنه، بالتزامن مع طغيان الأفلام الوثائقية والتحقيقات الاستقصائية، ومع الاحتفاء بالأسئلة الجيّدة، وبالتفاصيل الصغيرة التي تبدو، ظاهريًا فقط، وكأنّها عديمة الأهمية، يبدأ الناس في إيلاء مزيد من الاحترام للـ«فضول»، لا يعودون يرونه أنفًا طويلًا وتطفلًا ذميمًا على شؤون الغير، بل شغفًا بالمعرفة ومحركًا رئيسيًا للعقل البشري.

في رمضان من عام 2017 عُرض في مصر مسلسل «هذا المساء»، وانطلقت حبكته الأهم من مجموعة شباب يتلصصون على هواتف النساء وصورهن ومحادثاتهن المُسجَّلة فيها، قبل أن ينتهي المسلسل بكل العلاقات تختلط ببعض، طبقيًا وجندريًا.

وفي حواره مع موقع مصراوي، يُرجع المخرج تامر محسن فعل «التلصص» في مسلسله إلى غريزة الفضول، والذي يصفه بأنه «أفضل نقيصة عند البشر»، ويتراوح كلامه بين الذم والانبهار حين يقول: هو شيطان الفضول، حتى لو هيفتح باب جهنم.

قد يكون الفضول نقيصة أو فضيلة، ولكن الأكيد أنه نارٌ محرقة، وأنه لم يعد يشير على الإطلاق لمعنى «عدم القيمة» الذي سبق وأن أشار له جدّه، فضول العصور الوسطى.

والأكيد أيضًا أنّ ثمة رحلات طويلة، ومجهدة، قد قطعها جذر «فضل»، من الفضلات حتى الفضيلة والأفضلية، من الابتسامة الودودة والمضيافة المصحوبة بـ«تفضّل يا أخي»، حتى يصل أخيرًا لـ«شيطان الفضول»، ذلك الذي سيفتح علينا أبواب الجحيم، ولا نملك مع ذلك إلا أن نطاوعه ونسير وراءه.